أقتبس هذا المصطلح من الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله عندما يفرق بين “المساق” و”السياق” فيتحدث عن سياق الإيمان، وسياق الشورى، وسياق إقامة الحدود… وعن المساق الجاهلي، والمساق الديموقراطي…

كذلك المساقُ. وردت في سورة القيامة مَسْرَدَةٌ من صفات الأشقياء أهلِ النار – أعاذنا الله من النار- يُشكِّل مجموعها نسَقاً متكاملا من صفاتِ الإنسان الغُفْلِ عن الإيمان، الكافِر أصلا، أو المرتدِّ عن دينه، أو المنافق في الدين، أو الغاطِس في غفلات الكبائر والفواحش. )قال الله تعالى بعد أن وصف أهوال يوم القيامة: )يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. إلى أن قال جلّ من قائل: )كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ 1 .

قال رحمه الله: ما سواءٌ مساق الديمقراطية وسياق الشورى). وبين مقدمات للمساق التي تشكل القاعدة النفسية الخلقية الفكرية السياسية والاجتماعية الاقتصادية للإنسان الغافل عن الله 2 .

نستعير هذا المصطلح ونزيده بيانا من خلال هذا الحوار المطول الذي أورده الله عزوجل في سورة الإسراء حتى نتبين بداية المساق وسببه وموقع السوق فيه ولماذا هي مذمومة كل هذا الذم في الشرع والوضع.

يقول ربنا عزوجل: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ آسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً * وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً 3 .

معرفة المساق تقتضي معرفة السائق ومن المسُوق وغاية السَّوْق وطرائق السَّوْق وإلى أين المساق وكم هي مدة السوق؟

يتغافل الناس المسوقون في هذه المعركة القديمة المتجددة المستمرة إلى يوم الوقت المعلوم عن السائق الحقيقي الذي هو الشيطان حقيقة لا مجازا كما ذكره القرآن الكريم واسمه الحقيقي إبليس. قد يتخذ من الناس أعوانا – دولا وأفرادا – يكونون في خدمته ويسعون في رعايته لكن يبقى هو دائما السائق والقائد إلى الضلال والكراهية والحرب والطغيان والفقر وإلى ما لا نهاية لمكائده ومصائبه.

ذُكر اللعين في القرآن الكريم باسمه الأصلي “إبليس” 11 مرة، 9 منها وردت في معرض عصيانه لله عز وجل عندما أمره أن يسجد لآدم عليه السلام. وذكر باسمه “الشيطان” معرفا ونكرة 70 مرة وكلها في معرض بيان طرق غوايته وخطواته الضالة المضلة. وورد جمعه “الشياطين” 18 مرة. بما مجموعه 99 مرة عدا ذكره بنعوته وصفاته “الوسواس الخناس”، “القرين”، “الطاغوت”… كلها تحذير وتنبيه لبني آدم من عدو الله يأيها الناس إن الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا 4 ، يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكما من الجنة 5 .

من المسوق؟ إنهم ذرية آدم عليه السلام، إنهم بني الإنسان جميعا إلا عباد الله المخلصين الذين عصمهم الله من مكره. واستعمل اللعين “ذرية” للنكاية في آدم عليه السلام وإغاظته أشد الغيظ؛ فتوعدك الرجل التنكيل بنسله وذريته من بعده هي أشد عليه من انتقامك منه شخصيا. ثم لما علم اللعين أن الذرية أشد نسيانا لسبب العداوة مع تقادم الزمان وذلك أحرى أن ينقادوا له وينساقوا.

غاية الشيطان إهدار كرامة الإنسان الذي كرمه الله بها وأن يراه ذليلا في الدنيا والآخرة قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، فسبب حنقه عليه وحسده إياه أنه رآه أفضل منه وأكرم منه عند الله سبحانه وتعالى.

الآيات التي بين أيدينا تلخص مشهد العداء المستحكم بينه وبين ذرية آدم عليه السلام وتصورها – حقيقة لا مجازا – معركة حامية الوطيس استعمل فيها اللعين كل أشكال الاستئصال.

لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً الحَنَكُ من الإنسان والدابة: باطن أَعلى الفم من داخل، وحَنَّكَ الدابة: دلَكَ حَنَكَها فأَدماه، والمِحْنَكُ والحِناكُ: الخيط الذي يُحنَّك به.والحِناكُ: وثاق يربط به الأَسير، وهو غُلٌّ، كلما جُذِبَ أَصاب حنكه؛ قال الراعي يذكر رجلاً مأَسوراً: إذا ما اشْتَكَى ظلْمَ العَشِيرة، عَضَّهُ حِناكٌ وقَرَّاصٌ شديدُ الشَّكائمِ، قال الأَزهري: التَّحْنِيك أَن تُحَنِّك الدابة تغرز عُوداً في حَنَكه الأَعلى أَو طرفَ قَرْنٍ حتى تُدْمِيه لحَدَثٍ يحدث فيه.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق

واحتنك الجرادُ الأَرض: أتى على نبتها وأَكل ما عليها. حَنَكَ الفَرس يَحْنُكه إذا جعل في حَنَكه الأَسفل حبلاً يقوده به، وقال الأَخفش. في قوله لأحْتَنِكَنَّ ذريته، قال: لأَستأْصلنهم ولأَستمِيلَنَّهم 6 . ويقال احتنك الجرادُ الأرضَ، إذا أتى على نبْتها؛ وذلك قياس صحيح، لأنه يأكل فيبلغ حنكَه. ومن المحمول عليه استئصال الشيء، وهو احتناكه، ومنه في كتاب الله تعالى: لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلاَّ قَلِيلاً. أي أُغوِيهم كلَّهم، كما يُستأْصَل الشيءُ، إلا قليلا 7 . والاحتناك – على ما في المجمع – الاقتطاع من الأصل، يُقال: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم إذا استقصاه فأخذه كله واحتنك الجراد الزرع إذا أكله كله، وقيل: إنه من قولهم حنك الدابة بحبلها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به والظاهر أن المعنى الأخير هو الأصل في الباب، والاحتناك الإِلجام 8 . والاحتناك: وضع الراكب اللجامَ في حَنَك الفرس ليركَبه ويَسيّره، فهو هنا تمثيل لجلب ذرية آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفَرس على حب ما يريد راكبه 9 .

والاحتناك: يَرِد بمعنيين: الأول: الاستئصال. ومنه قولهم: احتنك الجراد الزرع. أي: أتى عليه كله واستأصله، والآخر: بمعنى القهر على التصرف، مأخوذ من اللجام الذي يُوضَع في حنَك الفرس، ويسمونه (الحنكة) وبها تستطيع أن تُوجّه الفرس يميناً أو يساراً أو تُوقِفه، فهي أداة التحكّم فيه، والسيطرة عليه قَهْراً 10 .

ألتمس من القارئ الكريم أن يفقه وجه الارتباط بين الحنك والاحتناك والسَّوْق فنحن لم نحد عن موضوعنا، وعن قريب سنتحدث عن السُّوق وموقعه ضمن هذا الاحتناك والاستئصال.

وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ، استفزه من الشيء: أخرجه، واستفزه: أي ختله حتى ألقاه في مهلكة. واستفزه الخوف أي استخفه وافززت القوم و أفزعتهم سواء 11 ، وفز الجرح: سال وندي واستفزه: استخفه وأخرجه من داره وأزعجه 12 .

وَٱسْتَفْزِزْ أي استزلّ واستخفّ، وأصله القطع، ومنه تفزّز الثوب إذا انقطع. والمعنى استزِلّه بقطعك إياه عن الحق. واستفزّه الخوف أي استخفه. وقعد مُسْتَوْفِزاً أي غير مطمئن 13 . وفي السين والتاء الزائدتين مبالغة في الفز والرعب والحيلة والغواية وبذل الوسع فيها.

بصوتك قال ابن عباس: صوته كلّ داع دعا إلـى معصية الله. فكل صوت كان دعاء إلـيه وإلـى عمله وطاعته، وخلافـا للدعاء إلـى طاعة الله، فهو داخـل فـي معنى صوته الذي قال الله تبـارك وتعالـى اسمه له وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ 14 .

ولنا أن نستحضر خطورة الصوت والصورة وسطوة الإعلام المملوك لأتباع الشيطان وجنده يرهبون به الناس ويزعجونهم ويستخفون بهم ويجعلون تبعا ويخرجونهم من مستقر إيمانهم بالله واطمئنانهم به إلى مهاوي الشك والظن ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المومنين 15 ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات 16 . وهو تجسيم لوسائل الغواية والإحاطة، والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول. فهي المعركة الصاخبة، تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجل على طريقة المعارك والمبارزات. يرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة، أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة. فإذا استدرجوا إلى العراء أخذتهم الخيل، وأحاطت بهم الرجال!) 17 .

أصبح الإعلام هو صوت الشيطان وبوقه وسوقه ومنبره فلا يشهر إشهار ولا ينشر خبر ولا يدعى بدعوة ولا يبث فيديو ولا تلتقط صورة ولا ينتج فيلم سينمائي ولا تغنى أغنية ولا يزمر بمزمار ولا يلعب قمار ولا تذاع خطبة سياسية ولا تنشر بيانات اقتصادية ولا تختبر تجارب علمية إلا و– اللعين- له فيها نصيب وغرض وافر.

لم يعبر في زمن من الأزمنة الغابرة عن هذا المعنى بشكل واضح أكثر مما نراه في زماننا، إذ بلغ استفزاز الشيطان مداه وزاده سوق الانترنيت مبيعا وتواصلا وإيصالا، حتى بلغ صوته بيتا بيتا ونال منهم فردا فردا. فلله الأمر من قبل ومن بعد!

ويسمي الناس السُّوقة كلَّ ذلك ثقافة وفلكلورا وموضة وعقلانية وحرية فكرية و متعة جنسية وسياحة ودهاء سياسيا وسوقا حرة وتنافسا شريفا واستثمارا ماليا ومصالح متبادلة وهلم جرا من العناوين والمسميات التي تغطي وراءها حقيقة المعركة الصاخبة والمُسْعَرة وتخفي أثر العداوة الأبدية ولقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزما 18 .

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (3)خصائص حضارة السوق

علم اللعين أن كيده كان ضعيفا وأنه لا طاقة له على الإغواء من تلقاء ذاته وحَوْلِه فاجتهد أن لا سبيل لبلوغ صوته مرماه ومبتغاه حتى يصبح صوته سوقا يقتات الناس منه ويكتسب الناس منه فتشترك مصالحه بمصالحهم فلا ينفكون يتبعون ما أمرهم به فينقادون له ويسوقهم كالمواشي إلى مساقه مساق جهنم.

لقد أصبح صوت الشيطان سوقا تذر الأرباح الطائلة، سوقا يتحكم فيها أباطرة التضليل والغواية والإباحية واللذة والمتعة والاستهلاك والتفقير والتحقير ودعاة العنصرية والقطيعة والاستعمار والاحتقار. ونقبل نحن بهدوء أعصاب وبطيب خاطر حرية الاستمتاع واللذة والتنافس الشريف !!

وهذا المبلغ العالي من الاستفزاز هو ما يسميه ربنا عز وجل “الاستحواذ” استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون 19 . أَي استولى عليهم وحواهم إِليه 20 .

والمتأمل في تاريخ الحضارة السوق أن الأُثفيَّة الأولى في هذا المساق الشيطاني هي العقلانية، أي فصل الإنسان عن ربه ونسيانه ذكر ربه وصوت فطرته. فيسوِّل له الشيطان ويملي له أنه مالك زمامه وسيد زمانه وأنه لا جنة ولا نار ولا وعد ولا وعيد وانما هي لذة ومتعة وحياة دنيا ولا بعث ولا نشور يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً 21 ؛ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 22 .

وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، أي وصح عليهم لسوقهم إلى معصية الله بأعوانك وجيوشك فرسانهم ورجالتهم وكأنه إشارة إلى أن قبيله وأعوانه منهم من يعمل ما يعمل بسرعة كما هو شأن الفرسان في معركة الحرب ومنهم من يستعمل في غير موارد الحملات السريعة كالرجالة، فالخيل والرجل كناية عن المسرعين في العمل والمبطئين فيه وفيه تمثيل نحو عملهم 23 .

الإجْلاب: جَمْع الجيش وسوقه، مشتق من الجَلَبة بفتحتين، وهي الصياح، لأن قائد الجيش إذا أراد جمع الجيش نادى فيهم للنفير أو للغارة والهجوم 24 . وهي تحمل معاني متعددة: كثرة الصياح واختلاط الأصوات وكثرة الكلام وسوء الخلق والاجتماع والتآلب والتآمر على فعل ما يستحث من خلاله المجْلوبون السبق والفوز في الرهان والسباق المحموم بالحيلة والخديعة وفي الحديث: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ.والشدة والجهد والجوع وكلها بنكهة حربية!

لا يقنع اللعين باستئصال الإيمان من القلوب وتحويل الأفكار إلى عبادته وطاعته بل لا يشفي غليلَه حتى يرى دماء ذرية العدو تراق وتسفك ويزهق بعضهم بعضا وتنشأ الحروب الطاحنة بينهم وتستحكم العداوة فيما بينهم وتسوء أخلاقهم ويقطعون أرحامهم التي متى حفظوها استمسكوا بحبل من الرحمان. عن عبد الرحمن بن عوف قال: “سمعتُ رسول الله يقول: قال الله: “أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ”” 25 ؛ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ 26 .

ثانية الأثافي في المساق الشيطاني هي الحرب وسفك الدماء وقد بلغت مداها مع آلة التدمير السلاحي الرأسمالي الاستعماري، تدمير نووي، أسلحة دمار شامل، قنابل عنقودية، حروب وفتن يؤججها وكلاء الشيطان الذي يملكون تجارة السلاح والرعب. فلا يكاد ينطفئ حريق حتى يشب آخر، عقيدتهم إيقاد نيران الحروب كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين 27 .

في اللغة كما رأينا يقولون: “سوق الحرب”، لم يخطر ببال اللغويين القدامى أن تصبح الحرب سلعة وسوقا رائجة فكانوا يكنون ب”حومة القتال” ولو علموا لعبروا عنها حقيقة لا مجازا، سوق الحرب هي تجارة السلاح، بيع السلاح وإشعال نار الحروب وإقامة معارض وأسواق لكل أنواع السلاح الفتاك الأعمى والذكي على حد سواء.

وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً عُنِـي بذلك كلّ مال عصى الله فـيه بإنفـاق فـي حرام أو اكتساب من حرام، أو ذبح للآلهة، أو تسيـيب، أو بحر للشيطان، وغير ذلك مـما كان معصياً به أو فـيه، وذلك أن الله قال وَشارِكْهُمْ فـي الأمْوَالِ فكلّ ما أطيع الشيطان فـيه من مال وعصى الله فـيه، فقد شارك فـاعل ذلك فـيه إبلـيس، فلا وجه لـخصوص بعض ذلك دون بعض 28 . وعلى رأس هذه القائمة الربا وأكل أموال الناس بالباطل ومنع حق الفقراء والمساكين. وهذا هو عين الرأسمالية المقيتة التي تهلك الحرث والنسل وتبدد الخيرات وتمنع النفقات وتأمر بالشح والأنانية والبخل الشيطان يعدكم الفقر ويامركم بالفحشاء 29 الفحشاء أي بالبخل. الرأسمالية واقتصاد السوق هي قمة الشراكة المالية بين إبليس وأتباعه من ذرية آدم.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (4)بإزاء القرآن والسنة

لا تكتمل الفرحة الإبليسية حتى يصاهر الذرية ويتخذ منهم نسبا وصهرا ويغير بذلك خلق الله وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ ويشاركهم الأولاد والرحم، ولك أن تفتح القوس وتسرد كل مظاهر الزنا والإباحية وخلط الجينات واللعب فيها وفي الأنساب والاستنساخ الجيني واجتلاء الأولاد عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها. كلها مصائب بما كسبت أيدي الناس وبما أغواهم اللعين وزين لهم.

ثالثة الأثافي هي الرأسمالية وقد ذكر سياق الآيات نوعين منها هما الأصل في تاريخ المساق ثم يتفرع عنهما توابع ولواحق: الرأسمالية المالية الاقتصادية ﴿وشاركهم في الأموال﴾ وركنها الركين اقتصاد السوق وعمادها الربا والقمار والمضاربات المالية وإهلاك الحرث (الاستهلاك والمتعة). والرأسمالية الاجتماعية الداروينية ﴿والاولاد﴾ المبنية على الصراع وإهلاك النسل.

وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أي ما يعدهم إلا وعداً غاراً بإظهار الخطأ في صورة الصواب والباطل على هيئة الحق 30 ويكتمل المساق الشيطاني بالوعد الكاذب والغرور الخادع بصحة المذهب وصواب المعتقد وحسن الاختيار.

وعد بالرفاهية وتحقيق النمو والرخاء للجميع والقضاء على الجوع والأمراض وحياة هنية لكل الناس، تحرير السوق هو تشجيع للمبادرات وتكافؤ للفرص! وعد سرعان ما يكذبه رب العالمين الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، وتشهد على كذبه أرقام ملايين الفقراء والمحرومين والمهمشين، أرقام المصابين بالأمراض الفتاكة التي تملك المختبرات الطبية الرأسمالية دواءها، لكن ماذا تنتظر إذا علمت أن المرض سوق يجب استثماره؟ أرقام مهولة تشهد على زور وبهتان هذا الوعد المخلوف.

وعود سياسية بالقضاء على الاستبداد والظلم والطغيان، ووعود اقتصادية بتحقيق الرخاء، ووعود اجتماعية تحقق الاجتماع والتضامن ووعود بلا نهاية ﴿يعدهم ويمنيهم﴾، وعود مغروزة في جذر هذا الوعد الشيطاني، تفضحها سياسات الاستبداد والعنصرية والتفقير وتقطيع أواصر المجتمعات!

هكذا إذن نتبين محورية نظرية السوق الحرة واقتصاد السوق، ليس كسلوك اقتصادي فحسب بل كنظام حياة ومعتقدات تضرب جدورها في عمق العداوة المستحكمة بين الإنسان والشيطان.


[1] الشورى والديموقراطية ص 279-280 عبد السلام ياسين.\
[2] المصدر نفسه ص 282.\
[3] سورة الإسراء من الآية 62-66.\
[4] سورة فاطر الآية 6.\
[5] الأعراف الآية 27.\
[6] لسان العرب لابن منظور مادة “حنك”.\
[7] مقاييس اللغة مادة “حنك”.\
[8] الميزان في تفسير القرآن، الطبطبائي (ت1401).\
[9] التحرير والتنوير ج15 ص151، العلامة الطاهر بن عاشور.\
[10] خواطر محمد متولي الشعراوي (ت1418هـ).\
[11] لسان العرب، مادة “فز”.\
[12] قاموس المحيط.\
[13] الجامع لأحكام القرآن ج 10ص 288 أبوعبد الله محمد القرطبي.\
[14] جامع البيان في تفسير القرآن ج17 ص491 محمد بن جرير الطبري (ت310 هـ).\
[15] سورة سبأ الآية 20.\
[16] البقرة الآية 257.\
[17] في ظلال القرآن ج4 ص2239 سيد قطب.\
[18] طه الآية 115.\
[19] المجادلة الآية 19.\
[20] راجع -أعلاه- مادة “الحوذ” لغة وما لها من ارتباط بالسوق وضَعْها ضمن هذه المعركة الأبدية فلا داعي للإطالة.\
[21] النساء الآية 120.\
[22] النحل الآية 63.\
[23] الميزان في تفسير القرآن الطبطبائي (ت1401).\
[24] التحرير والتنوير ج15 ص 153 العلامة الطاهر بن عاشور.\
[25] أبو داود: كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم (1694)، وأحمد (1680)، وابن حبان (443)، والحاكم (7265) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\
[26] محمد الآية 22، 23.\
[27] المائدة الآية 64.\
[28] جامع البيان في تفسير القرآن ج17 ص492 أبو جرير محمد الطبري.\
[29] البقرة الآية 268.\
[30] الميزان في تفسير القرآن الطبطبائي (ت1401).\