كلما اقتربت امتحانات البكالوريا كثر الحديث عن الإجراءات والمساطر التي من شأنها أن تضمن نزاهة الامتحان وتحقق تكافؤ الفرص بين التلاميذ؛ والجديد هذه السنة أمران اثنان:

الأول: تزويد مراكز الامتحان بكاميرات لمراقبة أوراق الامتحان، وتتبع عملية فتح الأظرفة التي تنقل إلى مراكز الامتحان داخل “حقائب مؤمنة” وفي سرية تامة.

الثاني: التزام المرشحين والآباء التزاما “كتابيا ومصادقا عليه” بعدم إحضار الهاتف المحمول أو أي واسطة إلكترونية إلى فضاء إجراء الامتحان.

هذا بالإضافة إلى الحملة الوطنية التي أطلقتها الوزارة الوصية من أجل محاربة الغش والالتزام بالضوابط الأخلاقية والتنظيمية، تحت شعار “لننجح باستحقاق” بغرض دفع التلاميذ إلى التحلي بقيم النزاهة ومبدإ تكافؤ الفرص أثناء عملية إجراء الامتحان.

تأتي كل هذه الإجراءات لضمان نزاهة وشفافية عملية إجراء امتحانات البكالوريا، وخوفا من التسريب والغش، أو قل خوفا من احتجاج التلاميذ وما قد يؤدي إليه من اضطراب قد يهدد “الاستقرار”، أو ربما خوفا من أن تفقد شهادة البكالوريا ما تبقى لها من مصداقية؟

لعل الجميع يتفق أن منظومتنا التربوية والتعليمية برمتها فقدت مصداقيتها وأصبحت عاجزة عن إنتاج النخب والكفاءات القادرة على ولوج سوق الشغل، المندمجة في المجتمع، والمساهمة في التنمية والتغيير، بل إن المدرسة المغربية حسب كثير من التقارير الوطنية قبل الدولية، تعيش وضعا كارتيا وتحتاج إلى إصلاح جدري وعميق.

لماذا إذن كل هذا الحرص على مبادئ النزاهة وتكافؤ الفرص أثناء إجراء امتحانات البكالوريا؟ أليس من الأولى التركيز على هذه المبادئ أثناء صياغة البرامج والمناهج الدراسية حتى تصبح سلوكا وخلق لدى التلاميذ؟

أليس مبدأ تكافؤ الفرص يتناقض وواقع الاكتظاظ المهول الذي تعيشه المدرسة؟ كيف نطلب من تلميذ احترام مبدأ تكافؤ الفرص وهو لم يحظ بفرصته كاملة في التعلم والتحصيل الدراسي الجيد بسبب الاكتظاظ؟

أليس مبدأ النزاهة والحرص على محاربة الغش يقتضي التركيز في المناهج المعتمدة والدروس المقررة على الكيف عوض الكم، وعلى بناء قدرات عوض تلقين معلومات؟ ألا يتناقض مبدأ النزاهة في امتحانات البكالوريا مع الأسئلة المباشرة التي تقتضي استظهار المعلومات؟

أليس العلاج المناسب للغش هو التركيز في أسئلة الامتحان، على الأسئلة المركبة التي تنفتح على مجالات متعددة وتتطلب شيئا من التحليل والتفكيك والمناقشة والتركيب؟ ألا يمكن القول إن مشكل تسريب امتحانات البكالوريا وما ينتج عنه من اضطراب، راجع بالأساس إلى كون التقويم عندنا هو تقويم معارف ومعلومات وليس تقويم قدرات وكفايات؟

أصبح التلميذ المغربي المسكين يعاني مع امتحانات البكالوريا، يشعر وكأنها عقبة لا يراد له اجتيازها، بل وبات هاجس الرسوب يؤرق كل العائلات المغربية، وكأن شهادة البكالوريا ليست حق لكل تلميذ قضى أكثر من اثني عشرة سنة داخل أسوار المدرسة. من المفترض أن تكون امتحانات البكالوريا عرسا وطنيا ، ومناسبة للاحتفال بفلذات أكباد هذا الوطن، جيل المستقبل، جيل التغيير.

ولأن المستقبل بالنسبة لكثير من الشباب المغربي غامض ومجهول، والتغيير داخل هذا الوطن ممنوع وغير مقبول، ستبقى امتحانات البكالوريا يطغى عليها الهاجس الأمني والسياسي أكثر من الهاجس التربوي التعليمي، وسيبقى الفشل حليف السياسة التعليمية، كما سيبقى الغش وغياب النزاهة صفة ملازمة لامتحانات البكالوريا.