في حوار الشهر الذي خصصه موقع الجماعة نت لموضوع الشباب وأدواره الطلائعية في التغيير)، يقدم الأستاذ منير الجوري، الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان، تقويمه للحملة التي أطلقتها شبيبة الجماعة تحت عنوان حقوقنا.. معا ننتزعها)، ونظرته لدور الشباب في صناعة مستقبل البلد والأمة، وقراءته لطبيعة التحديات التي تقوم عائقا دون تحقيق أهدافه الكبرى.

ويتطرق الحوار كذلك لجهود شبيبة العدل والإحسان في التواصل مع الفعاليات الشبابية وفي مد جسور الحوار والتعاون معها، في سياق الربيع العربي الذي استأسدت فيه الأنظمة إلى الحد ذهبت فيه إلى خيانة أوطانها إلى أقصى الحدود، وفضلت تدمير بلدانها على انزياحها عن الكراسي.

فإلى نص الحوار:

دعنا نبدأ، أستاذ منير، من حملتكم الوطنية الثالثة “حقوقنا.. معا ننتزعها”. كيف تقومون حصيلتها بالنظر إلى الأهداف التي رسمتموها؟

بسم الله الرحمن الرحيم. حصيلة الحملة كانت جيدة ولله الحمد، تفاعل الشباب مع شعار الحملة من خلال ما فُتح من أوراش ومنتديات للحوار والتواصل وإعادة مطارحة قضايا الشباب من منطلقات حقوقية وسياسية واجتماعية. كما كانت الحملة فرصة لإبداع آليات جديدة في التعبير والمشاركة والمساهمة في النقاش العمومي حول محورية الشباب في أي تغيير. وأعتقد أن مثل هذه المبادرات، أيا كان الداعي إليها، من شأنها أن تعطي دينامية متجددة للجسم الشبابي داخل المجتمع المغربي، وهو الجسم المنسي والمقصي من السياسات العمومية الجادة والناجعة.

ما الفلسفة التي حكمتكم في اختيار هذا الشعار، ذلك أنه يبدو صداميا مع جهة ما (انتزاع الحقوق)؟

الأمر لا يتعلق بصدام بقدر ما هو ترسيخ لمبدإ النضال والتدافع السلمي من أجل انتزاع الحقوق، خاصة في بلد لا يحترم مسؤولوه القوانين والحريات، ولا يفكرون في آثار قراراتهم على المواطن البسيط. وقد عرف الموسم الجاري عدة أحداث نضالية كان للشباب المغربي دور كبير في صناعتها وتدبيرها وإدارتها وكسب رهاناتها، وإن شئنا أن نعطيها عنوانا فلن نبتعد كثيرا عن شعار “حقوقنا… معا ننتزعها”. لذلك فقد كان شعارنا نوعا من إطلاق اسم على الزمن الشبابي الذي عشناه خلال هذه السنة. كما أن هذا الشعار هو جواب على بعض التصريحات الرسمية التي تسعى إلى تجفيف منابع النضال وتلمح بشكل ما إلى تجريم الاحتجاج والسعي إلى استرجاع الحقوق المهضومة، وتصف ذلك بإثارة الفتنة وغيرها من التهم الجاهزة. بالمقابل تحاول نفس الجهات الرسمية إقناعنا بأن الدولة تضمن الحقوق وتؤمنها دون الحاجة إلى المطالبة بها، وهو موقف يبعث على السخرية والاستغراب، إذ أن المطالب تسترجع بالنضال والاحتجاج حتى في الدول التي عُرفت بحفظ كرامة وحرية المواطن وحقه في العدالة، فما بالك ببلادنا حيث آخر ما تأخذه السياسات العمومية بعين الاعتبار هي مصلحة المواطن والمحافظة على حقوقه.

الحملة التي دامت طيلة شهر أبريل هي الثالثة، هل تستشعرون أنكم تحققون تراكما نوعيا لصالح الشباب المغربي من خلال هذه الحملات؟ إن كان نعم، ما هي مستويات وتجليات هذا التراكم والتقدم؟

كل أنشطتنا ومبادراتنا هي إسهام منا من أجل تحقيق تراكم تربوي وتوعوي وتأطيري في صفوف الشباب المغربي. ولا ندعي أننا وحدنا من يقوم بهذا الدور، لكننا مساهمون بشكل مهم في نشر مستوى من الوعي السياسي والحقوقي والتأطير الحركي الذي يخرج الشباب من حالة السلبية وينقذهم من اليأس الذي يؤدي إلى الارتماء في أعماق الانحراف، وتوجيه طاقاتهم نحو الفعل الإيجابي المباشر وتوسيع مشاركتهم المجتمعية وإسماع صوتهم والدفاع عن حقوقهم. وفي هذا السياق فإنا نرى أن هناك تقدما وتراكما نوعيا في نظرة الشباب للواقع وقراءتهم له وتعاطيهم مع مستجداته، وإن كان الطريق لا يزال طويلا، خاصة أمام الإمكانيات التي يمتلكها ويوظفها من هم في الطرف الآخر من المعادلة.

يقودنا هذا النقاش إلى مساءلة طبيعة الخدمة التي تقدمونها للشباب المغربي، ذلك أن البعض يتهمكم، كغيركم، بالتركيز من خلال هذه الحملات وغيرها على “الاستقطاب الحزبي” لا غير؟

أولا نحن لسنا حزبا بالمعنى السياسي أو الانتخابي. نحن قطاع مندمج في إطار حركة مجتمعية لها مشروع تغييري يروم إخراج البلاد والعباد من الأزمة التي يعيشونها، وتسعى لإيصاله للناس وإقناعهم بجدواه ومصداقيته، ثم دعوتهم لتبنيه ولم لا المشاركة في نشره وتعميمه سواء من داخل تنظيم الجماعة وشبيبتها أو من خارجهما. وعليه فأنشطتنا تسقط عنها ضمنيا تهمة التوظيف الحزبي الضيق الذي لا يرى في الناس إلا صوتا انتخابيا. من جهة أخرى يمكن قراءة أهداف حملتنا من خلال طبيعة الأنشطة التي تنظم في إطارها والتي يطغى عليها البعد التواصلي والحوار الشبابي بمختلف مستوياته، حيث يفتح الباب لجميع الأطراف للإدلاء برؤيتها في مختلف القضايا المطروحة.

تواصلتم في هذه الحملات مع شبيبات حزبية ومدنية وباحثين شباب. كيف كان تواصلكم؟ وما النقاط التي تقدرون أنها قادرة على جمع جهود العاملين للشباب؟

أهم ما سجلناه هو تزايد الوعي بأهمية التواصل وضرورته وإمكانياته، كما كان دائما الاتفاق والإجماع على وجود مساحات عريضة للالتقاء والعمل المشترك، وغالبا ما تنتهي لقاءاتنا التواصلية والندوات الحوارية بنداءات من أجل العمل على إيجاد إطارات عملية للتعاون وتوحيد الجهود. وأعتقد أن هذا الوعي يبشر بكثير من الأمل خاصة أن فرص اللقاء لا تزيد مختلف الأطراف إلا فهما لبعضها وثقة في جديتها. كما أن التحديات التي تعيشها بلادنا والدروس المستقاة من المحيط الإقليمي أصبحت تفرض واقع الحوار بدل الإقصاء. ولعل مجالات ذلك متعددة، فهموم الشباب وقضاياه كثيرة ومطالبه المعلقة كافية للفعل المشترك، وأهمها هو إيجاد موقع معتبر للشباب المغربي داخل المجتمع وفي مختلف دينامياته بما يسمح له بأداء دوره في بناء الوطن وتأهيل أطره وقياداته، فضلا عما يرتبط بقضايا الحقوق والبناء الديمقراطي والتصدي للفساد والاستبداد.

يشكل الشباب القاعدة الصلبة في الهرم السكاني والديمغرافي في المجتمعات العربية والإسلامية ومنها المغرب، كيف لهذه القاعدة -وعلى عكس ما تريده لها الأنظمة الحاكمة من تخدير واستقالة عن الشأن العام- أن تشكل الأساس الذي يكون عليها البناء والتأسيس؟

التربية أولا، فلا يمكن أن نبني إلا على أساس من العقول الحكيمة والقلوب الرحيمة والإيمان الصادق الذي يكسب الشاب والشابة هدفا وغاية سامية راقية عابرة للزمان والمكان. ثم لا بد من الوعي الكامل بطبيعة المرحلة التي تمر منها أمتنا ومجتمعاتنا، وقراءة اللحظة التاريخية بذكاء ونضج، مع ما يقتضي ذلك من الاستفادة من تجربة الأجيال السابقة وعدم تكرار أخطائها، لأن نفس الأسباب تؤدي دائما إلى نفس النتائج حسب التدبير الإنساني المعروف.

ما الأدوار الطلائعية التي ينبغي أن يقوم بها الشباب في نهضة المجتمعات؟ وهل يلزمه أصلا أن يضطلع بشيء ما؟

طبعا للشباب أدوار كبرى وطلائعية للنهوض بالمجتمعات، بل إني لا أبالغ إذا قلت أنه لا يمكن أن يتحقق أي تغيير حقيقي في أي مجتمع دون أن يكون للشباب الأثر الكبير والدور الفعال في ذلك. فروح التغيير والتجديد التي تدفع المجتمعات للبحث عن النهضة إنما يبثها الشباب في أوصال مجتمعهم، ومعها قيم الحركية والمبادرة والتحرر والحماسة والإبداع وغيرها. لذلك فإن أكبر دور على عاتق الشباب هو المحافظة على روح الأمل في التغيير واليقين في إمكانيته والثقة في قدرته ومحاربة اليأس والتيئيس، وبث كل ذلك في مختلف فئات المجتمع. ثم السعي إلى تجديد الآليات وصناعة المناسبات وقيادة المحطات التغييرية.

لا شك، أستاذ منير، أن واقع الشباب العربي والإسلامي لا يخفى؛ فالأغلبية الساحقة منصرفة إلى هموم المعاش والخبز والدراسة والبحث عن العمل… ولا تعنيها قضايا التغيير الاجتماعي والسياسي. هل هذا صحيح أم أن الربيع العربي الذي حركه وقاده الشباب يكذب هذا الرأي؟

ليس من الحكمة أن نصدر حكما حول أي قضية اجتماعية من خلال المتابعة السطحية أو الرصد الخارجي، ذلك أن دراسة المواقف والاتجاهات غالبا ما تعطينا نتائج مناقضة للقراءات الانطباعية. وبناء عليه فالحكم على جيل الشباب بالعزوف عن قضايا التغيير الاجتماعي والسياسي فيه الكثير من المجازفة.

أعتقد أن الوعي السياسي والاجتماعي حاضر لدى الشباب العربي بشكل كبير، وهو يعبر عن ذلك بشكل واضح عندما تتاح له الفرصة سواء من خلال إبداعاته الفنية أو نشاطاته الحركية أو نقاشاته في وسائط التواصل الاجتماعي. لكن ما ينقص الشباب هو القدرة على صناعة الفرصة والعمل على بنائها ثم استثمارها لإسماع صوته، إذ أن القلة من الشباب هي من تعمل على ذلك وتتقنه. ومما يسبب ذلك هو حجم ما يتعرض له من “قصف” من خلال المخططات الرسمية التي تسعى سعيا لإبقائه بعيدا عن أي مشاركة فاعلة. وإلا فبمجرد أن تكون هناك فرصة يثبت الشباب فهمه ووعيه ويبوح بتطلعاته السياسية والاجتماعية ويعمل على الوصول إليها. وفي هذا ما يفسر عزوفه الانتخابي على اعتبار أنه لا يرى في الانتخابات الوسيلة الصحيحة للوصول إلى أهدافه ورؤيته.

في المقابل نجد أن الشريحة الشابة في شعوب أمتنا والتي تحاول تبني قضايا الوعي والإصلاح والتغيير تتعرض لرقابة النظام وتضييق أجهزتها الاستخبارتية والأمنية. لماذا؟

الأجهزة الرسمية للدول العربية تدرك جيدا أن أكبر خطر يهددها هو القوة الشبابية في مجتمعاتها، فهي كما ذكرت سابقا تشكل قاعدة عريضة مقارنة مع فئات مجتمعية أخرى، ثم إن وعيها يتزايد نتيجة انفتاحها التواصلي على قيم الحرية والحقوق والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ثم لأن طبيعة التربية التي تلقاها هذا الجيل جعلت منه جيلا يميل نحو التعبير عن الرأي بجرأة وتحد. كل ذلك يقض مضجع الدوائر الرسمية، فتتجه نحو الحلول الأمنية في محاولة منها لكبح الفعل الشبابي والتقليص من حضوره ومساهماته. وأعتقد أنها أصبحت تفقد الكثير من تحكمها الأمني فزمن ذلك يؤول إلى الانقضاء.

في الساحة أيضا مشاريع تروم إلهاء الشباب وتحييده سلبيا وبث روح السلبية واليأس في عقليته ونفسيته وحركته. كيف تنظرون إلى هذه المشاريع ومن وراءها وما أغراضها؟

هي مجرد آليات أخرى تنضاف إلى الحلول ذات الطابع القمعي والأمني، يقف وراءها الدول ومعها عدد من المنظمات الدولية والمحلية التي تجد مصلحتها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية في تهميش الشباب وتقزيم دوره وفعاليته داخل المجتمع وتضييق تمتعه بحقوقه الكاملة. وهي مشاريع ضخمة تأخذ عناوين مغرية وخادعة لكنها تستبطن الكثير من الأهداف الفتاكة بجيل الشباب.

يرى البعض أن الموجة الأولى للربيع العربي منذ 2011 أثبتت أن الشباب رقم صعب ومارد مؤثر بإمكانه قلب الأوضاع وتغيير المعادلات، هل يمكننا أن نتحدث عن هذا التحليل بما يشبه “الحقيقة العلمية” أم إنها فلتة من الصعب تكرارها؟

هي حقيقة علمية أثبتها التاريخ ورسختها أحداث الحاضر وستتكرر مرات ومرات في المستقبل. فقد قلت سابقا بأن الشباب يتوفر على كل مقومات التأثير والفعل الإيجابي، لكنه يظل في حالة كمون في انتظار الفرصة. هذه الفرصة قد يولدها اشتداد الضغط الاجتماعي والسياسي وانغلاق الأفق، كما قد توفرها إمكانات جديدة يمتلكها بين يديه مثل منصات التواصل الاجتماعي. وحراك 2011 اجتمعت فيه الكثير من المعطيات التي هيأت الظروف وصنعت مقومات فرصة ليتولى الشباب قيادة حراك ما يعرف بالربيع العربي والذي تجسد ثورة هنا واحتجاجات شعبية هناك.

بعدما انتهى الربيع العربي إلى ما انتهى إليه (إلى حدود الآن على الأقل)، هل يمكن أن نقول بأن الشباب فشل في صنع مستقبل الأمة، بل وقاد الشعوب إلى التشرذم والاقتتال والطائفية؟

هذا حكم ظالم في حق الشباب. فالشباب أدى دوره كما ينبغي وتحمل الكثير من تبعات ذلك، لكن التغيير المجتمعي لا يمكن أن تتحمله فئة دون أخرى. لذلك فإني أعتقد أن ما حدث من مآلات لحراك 2011 يتحمل مسؤوليته أولا الحكام المستبدون وزبانيتهم الذين ذهبوا في خيانة أوطانهم إلى أقصى الحدود، وفضلوا تدمير بلدانهم على إزاحتهم من الكراسي. ثم هناك مسؤولية النخب الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، كل هؤلاء لهم دور في إتمام ما بدأه الشباب، لكنهم لم يكونوا في مستوى اللحظة، فمنهم من سكت ومنهم من اصطف إلى جانب الفساد والاستبداد ومنهم من خان أو تعامل بوصولية وركوب على الحدث من أجل تحقيق مصالح حزبية ضيقة، وقليل من اتخذ موقفا مشرفا. إذن فالمسؤولية مركبة ومعقدة بقدر تعقد الأطراف الفاعلة في التغيير.