1

السوق حاجة إنسانية يتبادل فيها الناس مصالحهم ويقضون مآربهم ويتبادلون تجاربهم، بما جعل الله عز وجل بعضهم لبعض سخريا وبما مايز بينهم في الكفاءات والتخصصات، فمنهم الصانع والمقتني ومنهم البائع والمشتري، ولو كانوا على درجة واحدة وخبرة واحدة لتعطلت مصالحهم وشقت حياتهم ولما كان لتطورهم معنى ولا مغزى.

وكما هي عرض وطلب في حقيقتها، فهي عرضة منذ الأبد لتحوير أخلاقي أساسه الغش والكذب والتنافس البغيض والمصلحة الفردية استئثارا واحتكارا للفضل.

يهون الخطب لو كان هذا المروق الأخلاقي للسوق فرديا لا يتعدى دائرة البائعين والمشترين. مروق أخلاقي يحده ضيق المكان المخصص للسوق وتعالجه حسبة الحاكم أو القاضي، لكن كيف وقد أصبحت السوق فلسفة وأخلاقا ونظاما ومعتقدات وحضارة؟ وكيف بها وقد أصبحت الآمر الناهي في مصائر العباد والبلاد؟ كيف بها وهي تتحكم في السياسة، في العلم، في الثقافة، في الخلق والدين، في المأكل والمشرب؟ كيف بها وقد أصبحت هي الحضارة وأصبحت الحضارة هي السوق، وكل ما يتصل بالإنسان والكون إذا لم يحقق تجارة أو ربحا بميزان السوق فهو لاغ وباطل رغم قيمته وفائدته؟

هذا ما سنحاول مناقشته في هذه الورقة مستعينين بالله وحده، رائدنا كتاب الله الشاهد على الناس وحديث رسول الله الموحى به من عند الله بثه في صدر رسوله المصطفى فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وحتى لا أشق على القارئ أبين هنا منهجية المقال وأهدافه:

اعتمد على المدخل اللغوي لكلمة السوق (السوق تذكر وتؤنث على السواء)، مبينا مفرداتها واشتقاقاتها ونظائرها وعلائقها، وموقع السوق ضمن سنة التدافع بين الحق والباطل، ثم أنظر في تطور معادلة السوق الحضارة: كيف تطورت، من طورها، نتائجها… ثم أعرج على الأساس الأخلاقي للسوق استنادا إلى القرآن والسنة.

الوعاء اللغوي

اللغة هي وعاء الفكر والثقافة، لذلك ارتأيت أن أعتمد مدلولات اللغة شاهدا على اعتبار السوق وقيمته التاريخية والأخلاقية عند الأمم – خاصة العرب المسلمين – وأعتمد ثلاث مفردات أساسية وردت في القرآن الكريم تتقاطع فيما بينها وتتآزر لتشكل لنا مفهوما شاملا عن السوق ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا: “السوق” و”الحوذ” و”الجلب”.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (3)خصائص حضارة السوق

– السوق لغة

السين والواو والقاف أصل واحد، وهو حَدْوُ الشَّيء. يقال ساقه يسوقه سَوقاً.

والسَّيِّقة ما استيق من الدوابّ. ويقال سقتُ إلى امرأتي صَدَاقها، وأَسَقْتُهُ.

والسُّوق مشتقّةٌ من هذا، لما يُساق إليها من كلِّ شيء، والجمع أسواق.

قال رؤبة: وسُوق الحرب: حَومة القِتال 1 .

تسوق القوم: باعوا واشتروا 2 .

والسُّوق موضع البياعات. ابن سيده: السُّوق التي يُتعامل فيها، تذكر وتؤنث وسميت السُّوق سوقاً لأَن الأَشياءَ تُساق إِليها.

قال أَبو منصور: السُّوقة بمنزلة الرعية التي تَسُوسُها الملوك، سُمُّوا سُوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم، يقال للواحد سُوقة وللجماعة سُوقة. الجوهري: والسُّوقة خلاف المَلِك 3 .

والتَفَّتِ الساقُ بالساقِ: آخِرُ شِدَّةِ الدُّنْيا بأَوَّلِ شِدَّةِ الآخِرَةِ، يَذْكُرونَ الساقَ إذا أرادوا شدَّةَ الأمرِ والإِخْبارَ عن هَوْلِهِ 4 .

يقال للطيمة من اللطم أو تصافق الأيدي: السوق 5 ويقال إنما السلطان سوق 6 .

– الحوذ

الحاء والواو والذال أصلٌ واحد، وهو من الخفّة والسُّرعة وانكماشٍ في الأمر. فالإحْواذ السَّير السريع.

ويقال حاذَ الحمارُ أُتُنَه يحُوذها، إذا ساقَها بعُنْف. قال العجاج: والأحوذيُّ: الخفيف في الأمور، الذي حَذِقَ الأشياءَ وأتْقَنَها.

قال: ومن الباب استحوَذَ عليه الشيطان، وذلك إذا غَلَبَه وساقَه إلى ما يريد من غَيِّه 7 .

الحَوْذُ: الطَّلْقُ.

والحَوْذُ والإِحْواذُ: السيرُ الشديد.

وحاذ إِبله يحوذها حَوْذاً: ساقها سوقاً شديداً كحازها حوزاً؛ وفي حديث الصلاة: فمن فرّغ لها قلبه وحاذ عليها، فهو مؤمن أَي حافظ عليها، من حاذ الإِبل يحوذها إِذا حازها وجمعها ليسوقها.

والحَوْذُ: السوق السريع، يقال: حُذْت الإِبل أَحُوذُها حَوْذاً وأَحْوَذْتها مثله.

ويقال: أَحْوَذَ ذاك إِذا جمعه وضمه؛ ومنه يقال: استحوذ على كذا إِذا حواه.

واستَحْوذ عليه الشيطان واستحاذ أَي غلب، جاء بالواو على أَصله، وقوله تعالى: أَلم نستحوذ عليكم؛ أَي أَلم نغلب على أُموركم ونستول على مودّتكم.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (4)بإزاء القرآن والسنة

وفي الحديث: “ما من ثلاثة في قرية ولا بَدْوٍ لا تقام فيهم الصلاة إِلا وقد اسْتَحْوَذ عليهم الشيطان” أَي استولى عليهم وحواهم إِليه. وقد فسر ثعلب قوله تعالى: استحوذ عليهم الشيطان، فقال: غلب على قلوبهم 8 .

والأَحْوَذِيُّ: الخَفيفُ الحاذِقُ، والمُشَمِّرُ للأُمورِ القاهِرُ لها، لا يَشِذُّ عليه شيءٌ، والحُوذِيُّ، بالضم: الطارِدُ المُسْتَحِثُّ على السَّيْرِ.

واسْتَحْوَذَ: غَلَبَ واسْتَوْلَى 9 .

أن يتبع السائق حاذيي البعير، أي: أدبار فخذيه فيعنف في سوقه، يقال: حاذ الإبل يحوذها، أي: ساقها سوقا عنيفا، وقوله: استحوذ عليهم الشيطان 10 ، استاقهم مستوليا عليهم، أو من قولهم: استحوذ العير على الأتان، أي: استولى على حاذيها، أي: جانبي ظهرها، ويقال استحاذ، وهو القياس، واستعارة ذلك كقولهم: اقتعده الشيطان وارتكبه،

– الجلب

الجلب الجيم واللام والباء [أصلان]: أحدهما الإتيان بالشيء من موضعٍ إلى موضع، والآخر شيءٌ يغَشّي شيئاً 11 .

أصل الجلب: سوق الشيء 12 .

الجَلْبُ: سَوْقُ الشيء من موضع إِلى آخَر.

والجَلَبُ والأَجْلابُ: الذين يَجْلُبُون الإِبلَ والغَنم للبيع.

والجَلَبُ ما جُلِبَ مِن خَيْل وإِبل ومَتاعٍ.

وجَلَبَ لأَهلِه يَجْلُبُ وأَجْلَبَ: كَسَبَ وطَلَبَ واحْتالَ، عن اللحياني.

والجَلَبُ والجَلَبةُ: الأَصوات.وقيل: هو اختِلاطُ الصَّوْتِ.

والجَلَبُ الجَلَبةُ في جَماعة الناس، والفعْلُ أَجْلَبُوا وجَلَّبُوا، من الصِّيَاحِ.

يقال أَجْلَبُوا عليه إِذا تَجَمَّعُوا وتأَلَّبوا.

وقيل: هو إِذا رَكِب فَرساً وقادَ خَلْفَه آخَر يَسْتَحِثُّه، وذلك في الرِّهان.

وقيل: هو إِذا صاحَ به مِنْ خَلْفِه واسْتَحَثَّه للسَّبْق.

وقيل: هو أَن يُرْكِبَ فَرسَه رجلاً، فإِذا قَرُبَ من الغايةِ تَبِعَ فَرَسَه، فَجَلَّبَ عليه وصاحَ به ليكون هو السابِقَ، وهو ضَرْبٌ من الخَدِيعةِ.

وفي الحديث: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ. فالجَلَبُ: أَن يَتَخَلَّفَ الفَرَسُ في السِّباق فيُحَرَّكَ وراءَه الشيءُ يُسْتَحَثُّ فَيسبِقُ.

والجَنَبُ: أَن يُجْنَبَ مع الفَرَس الذي يُسابَقُ به فَرَسٌ آخَرُ، فيُرْسَلَ، حتى إِذا دَنا تَحوّلَ راكِبُه على الفرَس الـمَجْنُوب، فأَخَذَ السَّبْقَ.

طالع أيضا  سوق الحضارة وحضارة السوق (2)المساق الشيطاني

وقيل، الجَلَبُ: أَن يُرْسَلَ في الحَلْبةِ، فتَجْتَمِعَ له جماعَةٌ تصِيحُ به لِيُرَدَّ عن وَجْهِه.

وامرأَةٌ جَلاَّبةٌ ومُجَلِّبةٌ وجلِّبانةٌ وجُلُبَّانةٌ وجِلِبْنانةٌ وجُلُبْنانةٌ وتِكِلاَّبةٌ: مُصَوِّتةٌ صَخّابةٌ، كثيرة الكلام، سيئة الخُلُق، صاحِبةُ جَلَبةٍ ومُكالَبةٍ.

الجُلْبةُ في الجَبَل: حِجارة تَرَاكَمَ بَعْضُها على بَعْض فلم يكن فِيه طَرِيقٌ تأْخذ فيه الدَّوابُّ.

والجُلْبةُ من الكَلإِ: قِطْعةٌ متَفَرِّقةٌ ليست بِمُتَّصِلةٍ.

والجُلْبةُ العِضاهُ إِذا اخْضَرَّتْ وغَلُظَ عُودُها وصَلُبَ شَوْكُها.

والجُلْبةُ السَّنةُ الشَّديدةُ، وقيل: الجُلْبة مثل الكُلْبةِ، شَدَّةُ الزَّمان؛ يقال: أَصابَتْنا جُلْبةُ الزَّمانِ وكُلْبةُ الزمان. والجُلْبةُ:

شِدّة الجُوعِ؛ وقيل: الجُلْبةُ الشِّدّةُ والجَهْدُ والجُوعُ 13 .

خلاصة

– مادة “ساق” تفيدنا في ثلاث معان:

المكان: السوق موضع للبياعات.

الهدف: سوق الأشياء قصد بيعها و شرائها وهو ما تشترك فيه مع كلمة “الجلب”.

السوقة: هم الرعية، سُمُّوا سُوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم.

– مادة “حوذ” تضيف لنا معان أخرى أشد وضوحا عن طبيعة السَّوْق:

طريقة السَّوْق: العنف، السرعة، الخفة، الغلبة والاستيلاء والقهر.

– مادة “جلب” تصف حالة السُّوق:

كثرة الصياح واختلاط الأصوات وكثرة الكلام وسوء الخلق.

الاجتماع والتآلب والتآمر على فعل ما يستحث من خلاله المجلوبون السبق والفوز في الرهان.

السباق المحموم بالحيلة والخديعة وفي الحديث: لا جَلَبَ ولا جَنَبَ.

الشدة والجهد والجوع وهي من نتائج السوق.

نحتفظ بهذه الإشارات اللغوية ثم ننظر في إضاءات القرآن الكريم والسنة النبوية الغراء التي تعطي لهذه الألفاظ معنى وروحا متجددة في سياق تدافع الحق والباطل.


[1] مقاييس اللغة.\
[2] مختار الصحاح.\
[3] لسان العرب.\
[4] القاموس المحيط.\
[5] تاج العروس.\
[6] معجم الأمثال والحكم.\
[7] مقاييس اللغة.\
[8] لسان العرب\
[9] القاموس المحيط.\
[10] المجادلة، 19.\
[11] مقاييس اللغة.\
[12] معجم مفردات القرآن الكريم.\
[13] لسان العرب.\