أمست التنظيمات النقابية خصوصا في غضون السنوات الخمس الأخيرة تطالب بحقوق اجتماعية مشروعة قانونا وعادلة طبعا، إنها مشروعة بحكم الاعتراف والتصريح بها في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، والتي صادق عليها المغرب، كما أقرها في نطاق أحكام الدستور المغربي رغم علاته. كما أنها عادلة بحكم أنها حقوق يمتلكها الإنسان ما دام إنسانا.

غير أن الدولة وحكومتها المنفذة لإرادتها لم تنضج لديها نية وإرادة سياسية حقيقية لإنصاف الشغيلة المغربية في حقوقها المشروعة والعادلة، الشيء الذي يجعل عروضها المحتشمة لا ترقى إلى قرارات فعلية تسعى إلى تمكين هذه الحقوق وتوفير آليات إعمالها. يشهد على ذلك واقع تعاطي الحكومة المتحكم فيها مع الملفات الاجتماعية العالقة، والذي يمكن وصفه بأنه تعاط سلبي يغلب عليه منطق الانفراد بالحلول عوض الإشراك، والمساومة عوض التوافق. الشيء الذي أفرز وضع اجتماعي نقابي مغربي عنوانه العريض جعجعة بلا طحين)، آلة جوفاء تعج ضجيجا بين الفينة والأخرى بدون طحين، وهو جراء تخلي الحكومة عن أدوارها التدبيرية التشاركية، وتقلدها لأدوار الترويض والإطفاء والتجميل. يتضح هذا التخلي وهذا التقليد في فشل تدبير أهم الملفات الاجتماعية الأكثر إثارة للجدل اليوم:

بنود اتفاق 16 أبريل 2011 في مهب الريح

لم تستجب الحكومة الحالية لحد الآن لجميع البنود المقررة في اتفاق أبريل، بل تعاملت مع ذلك بمنطق التجاهل حتى أصبحت في خبر كان، وهو دليل واضح على الرغبة الدائمة والأكيدة في الالتفاف على الحقوق المنتزعة والمكتسبة، ويبدو من ذلك أن الاتفاق كانت الغاية منه هو إطفاء موجات الحراك الاحتجاجي المتنامي وقتئذ.

ملف التقاعد وإذكاء منطق الانفراد

ما فتئت الحكومة الحالية تسوق لعرضها المشؤوم المتعلق بحل أزمة الصندوق المغربي للتقاعد، والمتمثل في الرغبة في تنزيل مقتضيات أقل ما يمكن القول عنها إنها مؤلمة ما دامت تستهدف أن يؤدي الأجير ضريبة الإفلاس المزعوم.

كما يزعم العرض الحكومي أن هذه المقتضيات لا بديل عنها، إنها الحل الوحيد والمحتوم والمنقذ السحري من الأزمة. إنه دليل آخر على منطق التدبير الانفرادي والإقصائي الذي لا يعترف بشريك، إلا في حالة انتزاع موافقته بعطايا توقعه في صنارة التدجين والإدماج والاحتواء.

الاحتجاجات الاجتماعية وشرارة العنف الأبدي

عانق الشارع المغربي في الآونة الأخيرة حركات احتجاجية بنكهة اجتماعية صرفة، تتقدمها حركة الأساتذة المتدربين والأطباء ومعركة الكهرباء بطنجة على سبيل المثال لا الحصر، عنوانها البارز الإصرار والسلمية والوضوح من أجل مواجهة قرارات مشؤومة لا غاية وراءها سوى تضييق الخناق على المواطنين ووضع المزيد من الحصون المنيعة لصدهم عن ولوج الوظائف العمومية، وفي ذلك إجهاز سافر على حق الشغل، وحق المواطنين والمواطنات في الاستفادة من جودة الخدمات العمومية: تعليم، صحة، سكن لائق… وكلها مقتضيات دستورية. وفي المقابل أضافت الحكومة المطاوعة لقراراتها المشؤومة مواجهة سلمية الاحتجاجات بعنف سافر ومجازر بشرية تبقى وصمة عار على جبين الحكومة الحالية، وإن كانت تسعى جاهدة لإخفائها بأنواع مساحيق التجميل. إنها دلالة أخرى على منطق العنف الأبدي سواء في مظهريه السافر أو المقنع والذي يؤطر التدبير الحكومي للملفات الاجتماعية.

الحوار الاجتماعي ومنطق المساومة

الحوار في أصوله ومقوماته لغة تدل على تدبير الاختلاف وتقريب وجهات النظر ومقارعة الحجة بالحجة وفق منطق نتعاون على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا البعض على ما اختلفنا عليه). أما الحوار الذي ألفناه مع الحكومات المتعاقبة وسارت على نهجه الحكومة الحالية هو مصادرة حق الاختلاف ودفع الطرف المحاور معه ليوافق بهدوء على وجهة نظر نسجت مسبقا على مقاس الطرف الحاكم مقابل هدايا وعطايا رمزية أو مادية. وجولات الحوار الاجتماعي الماراطونية التي نتابع أطوارها اليوم شاهد على الرغبة الجامحة في أن تنال الحكومة حلمها في تنزيل مقتضياتها المتعلقة بالصندوق المغربي للتقاعد، وأن تمرر القانون التنظيمي المتحكم في حق الإضراب وليس المنظم له، مقابل عطايا تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع.

إنها ملفات وغيرها، تبقى شهادة حية على أن الحكومة الحالية لا تروم سوى امتصاص الغضب الشعبي والالتفاف على مطالبه الاجتماعية وتسويق خيارات مفروضة عليها سلفا، ينتج عن ذلك وضعية اجتماعية محبطة ومفتوحة على طرق مسدودة. إنها وضعية تضعنا أمام أفق مفتوح على الزمن ننشد فيه أن يستعيد الفاعل والفعل النقابي حيويته وفاعليته ومقاومته باعتباره الحصانة والجدار السميك أمام كل الخيارات التصفوية والمسكنات المثبطة. كما يضعنا على مشارف أفق صناعة تنظيم نقابي راشد يمتلك المقومات الطلائعية لمواجهة التحديات المصيرية، وإنه لإنجاز يمكن وصفه بالتاريخي.