حلف الفضول

خبرُ حلف الفضول) كما جاء عند ابن هشام هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لقَدْ شهِدتُ في دار عبد الله بن جُدعانَ حِلفاً ما أحِب أنّ لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو أدْعَى به في الإسلام لأجَبْتُ”. وذلك أن بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وبني زُهرة وبني تيم اجتمعوا في دار عبد الله بن جُدْعان زمان كان محمد صلى الله عليه وسلم لا يزال غلاما. فتعاهدوا وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلَمه حتى تُرَدَّ عليه مَظْلِمَتُه. فسمّت قريش ذلك حلف الفضول. وهو حِلف للفضائل والمروءة يُحْمَى بمقتضاه الضعيف والغريب.

وقال الإمام السهيلي رحمه الله في كتابه الروض الأنُف): وكان حلف الفضول أكرمَ حِلف سُمِعَ به، وأشرفَه في العرب. وكان أولَ من تكلم به الزبـير بن عبد المطلب. وكان سبَبَه أن رجلا من زبيد قَدِم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بنُ وائل، وكان ذا قدر بمكة وشرف، فحبس عنه حقه. فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف (…). فصاح بأعلى صوته:)يا آل فِهـر لَمظلـومٌ بضاعتَه ** ببطن مكـة نائى الدار والنَّفَـرِومُحْرِمٌ أشعثٌ لم يَقْضِ عُمْرَتَه ** يا للَرجال! وبين الحِجْر والحَجَرإن الحـرام لَمَنْ تمت كرامَتـه ** ولا حرامَ لثـوب الفاجر الغُدُر

قال رحمه الله: فصنع (عبد الله بن جدعان) لهم (للمتحالفين) طعاما، وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام، قياماً، فتعاقدوا وتعاهدوا: بالله ليكونُنَّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُؤدَّى إليه حقُّه ما بَلَّ بحرٌ صُوفةً، وما رَسَا حِراءُ وثَبيرٌ مكانهما. وعلى التأَسِّي في المعاش). أي التكافـل والتعاون ومساعدة المحتاج.

الرؤية المنهاجية

يعتبر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله قضية الحلف والتحالف من أجل تحقيق الخير ودفع الشر أمرا مهما في تحركنا الدعوي والجهادي، على المؤمنين أن يحرصوا على الدعوة إليه إن أُعدم، والدخول فيه والانضمام إليه إن دعا إليه غيرهم من أهل الفضل والمروءة. فإن هذا من صميم ديننا وله سابقة فيه، ومما جاءت به سنة نبينا صلى الله عليه وسلم وعمل به. لا يضير كون من استجاب لدعوة المؤمنين إلى الحلف أو هو من دعا إليه قبلهم لا يعتقد بنفس تصورنا وفكرنا وحتى مرجعيتنا، فقط أن تتوفر فيه المروءة بما تعنيه من كمال الرجولة والكفاءة العلمية والعملية الهادفة إلى الخير والصلاح.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (2)ما قبل عهد النبوة

العصر الحالي الذي تمكنت فيه جذور الفساد والظلم والاستبداد لا يقدر على قلع تلك الجذور طرف واحد من الأطراف الرامية إلى التغيير في المجتمع، بل لا بد من تحالف أطراف من أهل الخير، وتأسيس جبهة أو جبهات قوية بناء على أرضية مشتركة بأهداف واضحة تخدم المصلحة العامة للمجتمع. فالبحث عن المساحات المشتركة مع الغير في الشأن العام أمر لا يقل أهمية عن الأمور الأخرى التربوية والدعوية. يقولوا الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب 1 .

والحلف قبل كل شيء هو مدّ لجسور التفاهم والحوار والتقارب في جملة من القضايا التي تخص المجتمع أو الأمة على حدّ سواء جلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة. وليس هناك من مصلحة أعظم من تحقيق العدل وترسيخ قيمه ومبادئه، ومحاربة الظلم بأنواعه، والدفاع عن حقوق الإنسان وعن المستضعفين في الأرض. ويقسم الإمام رحمه الله الحلف كما سبق وأن تعامل به النبي صلى الله عليه وسلم في العهد النبوي إلى قسمين:

– الأول داخلي، يتمّ بين المؤمنين عقدا للأخوة وتوثيقا للرابطة الإيمانية، وسماه الحلف الولائي.

– والثاني خارجي، يتم مع الآخر من الأفراد والتنظيمات والهيئات والمؤسسات سواء كانت محلية أو دولية أو عالمية، وسماه بالحلف المروئي.

ويشير رحمه كما أورد ذلك في كتاب “العدل” إلى أن وجود الحلف الولائي الداخلي بين المؤمنين لا يلغي الحلف المروئي مهما كان لأنه ضرورة استراتيجية في تدافعنا الحضاري، بل في سعينا للتمكين لدين الله وإقامة الخلافة على منهاج النبوة، كما يعتبر في ذات السياق أن هذا ليس ردّة كما يعتقد البعض، كما أنه ليس من البغض في الله أن ننسف جسور التقارب والتعاون والتفاهم بين الخلق. خاصة ونحن نحمل رسالة دعوة الإسلام نرجو من وراء كل حلف أن يهدي الله بنا رجلا أو رجالا.

– الحلف الولائي

يؤصل الإمام رحمه الله لهذا الحلف الولائي بما وقع في المدينة المنورة بعد الهجرة النبوية من حلف بين المؤمنين، إذ آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار اثنين اثنين، وذلك لتعميق عقد الأخوة وترسيخه، وتمتين صفّ التنظيم وتقويته. فقد جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرا عقد حِلفاً بين المهاجرين والأنصار. وفي السيرة أنه صلى الله عليه وسلم آخَى بين المهاجرين والأنصار اثنين اثنين.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (3)ميلاد نور النبوة

فلئن كان الحلف المروئي الحدث الأسبق في السيرة النبوية في مكة عن الحلف الولائي زمانا، فإن ضرورة التحرك الدعوي والجهادي الحالي تؤكد أنه لا يمكن أن يتمّ حلف مروئي إن لم يكن الحلف الولائي قائما بشروطه التربوية والعلمية والتنظيمية. فالآخر لا يؤمن بك إن لم يكن لك وجود ووزن وتأثير في الواقع. وعلى هذا يؤكد الإمام على تعزيز الصف الداخلي بالأطر الإدارية والكفاءات العلمية والعملية التي تشجع الآخر وتدفعه إلى الرغبة في التحالف ومدّ جسور التعاون والتواصل والتفاهم.

ومن النماذج التي ذكرها الإمام رحمه الله في سياق حديثه عن الحلف، والتي خلدها لنا التاريخ كموقف عملي مهم في مجال تحقيق العدل ودفع الظلم ما ذكره ابن إسحاق رحمه الله أن الوليد بن عُتبة والي المدينة لعمه معاوية نازع سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما في مال، وتحامَل الوليـدُ على الإمام رضي الله عنه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتُنْصِفَنَّنِي من حقي أو لآخذنَّ سيفي، ثم لأقومنَّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدْعُوَنَّ بحلف الفضول!). فقال له عبد الله بن الزبير وكان حاضرا: وأنا أحلِـف بالله لئن دعا به لآخذَنَّ سيفي، ثم لأقومنّ معه حتى يُنصَف من حقه أو نموت جميعا). فبلغ الخبرُ المِسْوَر بنَ مخرمة رضي الله عنه فقال مثل ذلك. وقال عبد الرحمان ابن عثمان بن عبيد الله مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليدَ أنصف الحسـين من حقه حتى رضي.

– الحلف المروئي

عندما يتحدث الإمام عن ضرورة الحلف للتعاون على الخير والوقوف ضد الفساد والمفسدين نصرة لقضايا الشعب والأمة والمستضعفين فإنه لا يتحدث عن أي حلف أيّا كان، بل يقصد التحالف مع من تتوفر فيه خصلة أخلاقية مهمة وهي المروءة. والمروءة كما قال أهل اللغة هي كمال الرجولة. هي البذل والعطاء وكَف الهمة عن الأسباب الدنيئة. هي كفاآت عملية. هي معلومات وتقنيات مؤصلة لا يُؤثر في الواقع غيرهُا) 2 . وإلى هذا الخلق النبيل أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقُهوا”. وأشار إليه مولانا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين بقوله: الناس صنفان: أخوك في الدين ونظيرك في الأخلاق). وأشار إليه أمير المؤمنين عمر الذي كان يقول: أشكو إلى الله جَلَدَ الخائن وعجْزَ الثقة). يشكو عمر رضي الله عنه -وهو الخبير بالرجال الناجح في الحكم- نُدْرة الجامعين بين القوة -عبر عنها بالجَلَد- وبين الأمانة. القوة والأمانة هما مجتمعتين شرط الكفاءة للوِلايات الإسلامية والوظائف والإدارات. لكنهما قلّما تجتمعان. ولذلك تَنتظرك “ضرورة الحال” لتختار بين تولية “الثقة العاجز” وتولية الجَلَدِ ولو كان فاجرا. وقد اختار أميرُ المؤمنين عمر تولية المحنك القادر على تولية التقي المسَبِّحِ العاجز. واختار ذلك أيضا علماؤنا السابقون، وفقهاؤنا المبجلون) 3 .

فالذي يدفعنا إلى الحلف مع الآخر هي متطلبات ساحة التدافع ضد الباطل، وكذلك الرغبة في فتح باب الدعوة الرحيمة على مصراعيها لعل الآخر يجد ما يدفعه حين يقتنع إلى تبني قضية الإسلام والانضمام إلى صفه. فإن لم يتمّ له ذلك فعلى الأقل يكسب ثقتنا بمعرفة ما معنا من مشروع مجتمعي فيقف الموقف المناسب. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الناس تَبَعٌ لقُرَيْش في هذا الشأن[أي الإسلام]: مسلمهم تبَعٌ لمسلمهم، وكافرهم تبَع لكافرهم. الناس معادن، خِيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا. تَجدون من خير الناس أشدَّ الناس كراهية لهذا الشأن حتى يَقَعَ فيه” 4 .

ومنطلقنا في ذلك رجاء الخير الذي في الناس، وكلما وجدنا هذا الخير حبّذناه وتمسّكنا به. فالذين عقدوا الحلف قبل الإسلام كانوا مشركين ومنهم عبد الله بن جدعان الذي تزعمه مع الزبير بن عبد المطلب، لكن لمّا كان هذا الحلف يهدف إلى صلاح الناس في الدنيا قدّره رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتزّ به. وقال: “ولو أُدْعى إليه في الإسلام لأجبت”. وقال أيضا: “ما كان من حِلف في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة”.

هذا الدافع وهذا المنطلق إنْ دلاّ على حبّنا للدين بالسعي لإقامته، فإنهما يدلان أيضا على حبنا للوطن ووفائنا له وإخلاصنا في خدمته. ذلك أننا كما نرى في الوطن أنفسنا نرى فيه غيرنا الذي نحتاج لمدّ الجسور معه. وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة مع المشركين في زمان الجاهلية حلف الفضول).


[1] المائدة: 2.\
[2] ياسين عبد السلام، العدل الإسلاميون والحكم، ص: 600.\
[3] نفس المرجع، ص: 601-602.\
[4] روى الشيخان.\