قدم الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات بتاريخ 04 مايو 2016 عرضا حول أعمال المحاكم المالية أمام البرلمان، وذلك طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 148 من الدستور.

فبعد أن ذكر ببعض مؤشرات سنة 2013، وأحال على عرضه خلال السنة الماضية معطيات سنة 2014، عرض بعض النتائج المتعلقة بسنة 2015. وفي هذا السياق، أثرت الظرفية الاقتصادية التي تميزت بتراجع أسعار النفط والغذاء في السوق الدولية، إيجابا على مستوى عجز الحساب الجاري لميزان الأداءات وعجز الميزانية. لكن المالية العمومية ظلت تعاني من اختلالات بنيوية كبرى، يمكن إجمالها في العناصر التالية:

1. نفقات الاستثمار والدين العمومي

إن الارتفاع المسجل في نفقات الاستثمار مقارنة مع سنة 2014، وازاه ارتفاع في حجم الاعتمادات المرحلة (أي الاعتمادات التي وفرها قانون المالية ولم تجد طريقها للتنفيذ)، وهذا يؤشر على ضعف كفاءة مؤسسات الدولة في تدبير ميزانياتها، ويخل بواجب الدولة في الوفاء بالتزاماتها تجاه المقاولات والمواطنين المستفيدين المحتملين من مشاريع الدولة الإنمائية.

على الرغم من التحسن الظرفي لعجز الميزانية، واصلت ديون الخزينة ارتفاعها سنة 2015، حيث سجلت مستويات قياسية بلغت 626,6 مليار درهم. أما الدين العمومي، بما في ذلك دين المؤسسات العمومية، فقد قفز من 743 مليار درهم سنة 2014 إلى 807 مليار درهم نهاية 2015.

فعلى مستوى ملف المديونية، فإن خطورتها تظهر عند دراسة تطورها على الأقل خلال الخمس سنين الأخيرة. فخلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2015، ارتفع دين الخزينة بحوالي 45,5%. أما الدين العمومي الخارجي، فقد ارتفع بأكثر من 57%. فيما الدين العمومي الإجمالي، فقد ارتفع بحوالي 55%.

وإذا كان دين الخزينة يمثل حوالي 64% من الناتج الداخلي الخام، وهذا يفوق الحدود المحتملة والمعايير الدولية، فإن الدين العمومي الإجمالي يمثل 81,3% من الناتج الداخلي الخام.

ورغم هذه الأرقام المهولة، فإن مقاربة الدين العمومي تبقى قاصرة، حيث لا تأخذ الإحصائيات الصادرة عن الدولة بعين الاعتبار ديونا أخرى هي في ذمة الدولة، كمتأخرات أداء الخزينة لصالح مقاولات القطاع الخاص، ومتأخرات الضريبة عن القيمة المضافة المستحقة لفائدة المؤسسات العمومية. دون الحديث عن تضارب المعطيات الصادرة عن مؤسسات الدولة ذات الصلة، ومنها مثلا وزارة المالية، والمندوبية السامية للتخطيط، والمجلس الأعلى للحسابات. فإذا أخذنا مثلا الدين العمومي الإجمالي نهاية سنة 2015، فإن كل مؤسسة من المؤسسات الثلاث السالفة الذكر نشرت رقما مختلفا عن الأخرى. وهذا قد يطرح سؤال الحكامة وصدقية منظومة المعلومات المتوفرة لدى الدولة.

وإذا كانت الحكومة تبرر سياستها لرفع الدعم عن بعض المواد الأساسية، بكون نظام الدعم بالمغرب كان مكلفا وغير عادل ويساهم في تدهور عجز الميزانية، فإنها لم تف بوعودها بإعادة توجيه ما تم اقتصاده من الدعم إلى إنعاش الاستثمار. حيث أن مجموع النفقات المتعلقة بالاستثمار برسم سنة 2015 تم تمويلها كليا باللجوء إلى الدين، مع ما يطرحه هذا الخيار من مخاطر على مستوى حجم الدين الذي بلغ مستويات يمكن ألا تحتمل، وعلى مستوى نجاعته في تحقيق الأهداف المرجوة اقتصاديا واجتماعيا.

فزيادة على لجوء الدولة المفرط للدين، كثيرا ما نغفل الحديث عن مدى ضرورة ونجاعة هذه الديون وانعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية المحتملة التي تبقى محط تساؤل كبير. حيث أن المداخيل المتأتية من الديون غالبا ما يتم استعمالها لتغطية نفقات الدين، عوض توجيهها لتمويل الاستثمارات العمومية. كما أن توجه الدولة لإبرام عقود الدين على المدى المتوسط والطويل بهدف إرجاع الديون القصيرة الأمد، ينطوي على كلفة عالية ومخاطر كبرى.

2. صناديق التقاعد

شكل عجز أنظمة التقاعد موضوع نقاش عمومي لم يفضي لحد الآن إلى توافق بين الأطراف. فانفردت الحكومة باقتراح إصلاح معياري مؤقت بمقاربة تقنية ومالية، يتحمل فيها المؤمنون أخطاء من دبروا أموال صناديق التقاعد.

يشكل عجز أنظمة التقاعد خطرا على مستقبل وحقوق المؤمنين، ويهدد هبة الدولة ودورها القانوني والأخلاقي في الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤَمِّنين، باعتبارها ليس فقط ضامنة لمصالحهم، وإنما مسؤولة مباشرة عن تدبير صناديق التقاعد.

وقد عاد المجلس الأعلى للحسابات من جديد ليفسر هذا العجز، الذي أرجأه إلى العامل الديموغرافي وإلى كرم نظام المعاشات، دون أن يشير إلى الاختلالات التي طبعت تدبير هذه الصناديق، وتحديد المسؤوليات عن ذلك.

وقال إن الإصلاح المقياسي يبقى قاصرا ومؤقتا، لأنه لا يشمل مجموع أنظمة التقاعد بل يقتصر على الشق المدني للصندوق المغربي للتقاعد، وبالتالي لا يساهم في إحداث تقارب بين أنظمة التقاعد حتى داخل القطاع العام.

ومعلوم أن هذا الصندوق يدبر نظامين للمعاشات، مدني وعسكري. فالنظام المدني يحقق فوائض مالية بشكل بنيوي، أما النظام العسكري فيحقق عجزا بنيويا. فمصدر العجز إذا هو نظام المعاشات العسكري.

ومن جهة أخرى، يتم استثمار الاحتياطات التقنية للصندوق في سندات الخزينة ذات المردود الضعيف. في حين، كان بالإمكان استثمارها في مجالات أخرى كسوق الرساميل مثلا ذي المردودية العالية.

وحيث إن الدولة مؤتمنة على مصالح المؤمنين، وحيث إن الصناديق المدبرة لأموال التقاعد هي مؤسسات عمومية، تبقى المسؤولية الأخلاقية والقانونية للدولة ثابتة. ولهذا ينبغي أن تحل مشكلة هذه الصناديق في إطار التوافق بين كافة الأطراف، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة والذي يقتضي القطع مع ماضي الفساد في تدبير الشأن العام.

3. الإدارة

تعاني الإدارة العمومية من اختلالات كبرى، يعزى بعضها إلى:

– ضعف في ترشيد استعمال أعداد الموظفين وسوء توزيعهم؛

– صعوبات الولوج للمرفق العمومي خاصة في المجال القروي والمناطق النائية؛

– استئثار نفقات الموظفين بميزانية الدولة، حيث ارتفعت كتلة الأجور خلال الفترة 2008-2015 بحوالي 47%، أما أعداد الموظفين فلم ترتفع إلا بحوالي 8,5%. ويرجع هذا الارتفاع أساسا إلى اختلال بنية الأجور والنفقات المتعلقة بالموظفين، وعدم عدالتها، حيث تنحصر أعلى الأجور في الطبقة العليا من الجهاز الإداري البيروقراطي؛

– اختلال التوازن بن مكونات منظومة الأجور.

إدريس شكربةّ: أستاذ الاقتصاد بجامعة مولاي إسماعيل – مكناس / وحدة الدراسات الاقتصادية والمالية /المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات