يعتبر حدث الإسراء والمعراج من الكرامات الجليلة والمعجزات العظيمة التي خص الله بها سيدنا محمدا عليه أفضل الصلاة والتسليم، لما شهدت من الآيات الكبرى والمشاهد العظمى من ركوب للبراق واختراق للسماء والوصول إلى قاب قوسين أو أدنى وحظوته بما لم يحظ به نبي مرسل أو ملك مقرب وصلاته إماما بالأنبياء الاخيار والملائكة الأطهار واطلاعه على الجنة والنار.

ورحلة الاسراء والمعراج ليست حدثا تاريخيا انقضى بعودة الحبيب إلى مكة من سدرة المنتهى، وإنما هي حدث عظيم ممتد معانيه العميقة والسامية التي وجب الوقوف معها استخلاصا للدروس العبر.

منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظم قدره عند الله عز وجل

بقدر ما كانت معجزة الإسراء والمعراج مواساة وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما لقيه من أذى وتضييق وابتلاءات بلغت ذروتها بموت عمه أبي طالب الذي كان ذرع وقايته وحمايته، وكذا موت أمنا خديجة رضي الله عنها، وتكالب الأعداء عليه وخاصة بعد تنكيل واستهزاء أهل الطائف به صلوات ربي وسلامه عليه. فقد كانت هذه الرحلة العظيمة تبيانا لعظيم قدره ومكانته عند رب العزة ودليلا قاطعا على صدق رسالته ونبوته. وهكذا أسرى به المولى عز وجل فصلي بالأنبياء إماما ثم عرج به إلى السموات العلا حتى بلغ إلى سدرة المنتهى وأراه من آياته الكبرى.

مكانة بيت المقدس

آثرت أن أثني بهذا الأمر لما تشهده هذه البقعة الطاهرة في هذه الأيام من تدنيس وتهويد من طرف قطعان المستوطنين الغاصبين.

فرحلة الإسراء والمعراج كانت تأكيدا على المكانة العظيمة لتلك الأرض المباركة مهبط الوحي وقبلة الأنبياء وثالث الحرمين. فالأقصى يستغيث، مقدساته تدنس ومعالمه تطمس وتغير، وأطفاله ونساؤه ينكل بهم في غفلة من أمة المليار والنصف. أما “ما حوله” من الأرض المباركة فحالها لم يعد يخفى على أحد، فحلب الشام تحترق ويُقتل أطفالها ونساؤها وشيوخها.

لذا ينبغي أن تكون هذه الذكرى مناسبة للتعلق بالأقصى والاستعداد للذود على حماه وتجديد العهد للعمل على تحريره؛ فالأمة مطالبة بتحمل مسؤوليتها الدينية والتاريخية في هذا التحرير، فمتى كانت القدس حرة كان ذلك مقياسا وعنوانا على يقظة الأمة ورقيها.

التصديق واليقين

إن كان قد قالها فقد صدق)؛ هكذا أجاب الصديق رضي الله عنه المغرضين والمستهزئين من صناديد قريش حينما أرادوا أن يسخروا منه ومن صاحبه صلى الله عليه وسلم بعد أن سمعوا قصة الإسراء والمعراج. فما كان منه رضي الله عنه وبدون أدنى شك أو ريب إلا أن صدق بيقين تام، وكيف لا “وقد صدقته فيما هو أكبر في الخبر ينزل عليه من السماء”.

درس ما أحوج الأمة إلى استيعابه وهي تستشرف موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط أمواج متلاطمة من الفتن والضعف والهوان.

إن معاني وبركات الإسراء والمعراج ينبغي أن تبقى حاضرة في الأمة لتكون مدعاة لانبعاثها ومنارا هاديا لإحيائها.