1- مقدمة: مدخل إلى الرسالة

اختار الأستاذ المربي الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للكتيب الذي بين أيدينا، والذي لا تتجاوز عدد صفحاته خمسا وثلاثين صفحة من الحجم الصغير، إذ تستغرق مدة قراءته زهاء خمس دقائق، عنوان: رسالة تذكير)، لما تحمله هذه العبارة من معاني المحبة والشوق، وإرادة الخير وتجديد العهد، وتمتين أواصر الصحبة والمحبة في الله والنصيحة، عملا بقول الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات 10)، القول الداعي إلى مد جسور الولاية والأخوة العامة؛ الموجبة للنصحية والدعوة إلى الخير والبر، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث قدسي رواية عن ربه عز وجل: “حقت محبتي للمتحابين في، حقت محبتي للمتواصلين في، حقت محبتي للمتزاورين في، حقت محبتي للمتباذلين في” (رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه)، القول الداعي إلى الولاية والأخوة الخاصة؛ الموجبة إضافة لما ذكر آنفا من النصيحة والخير والبر… التعاون على حمل أعباء الدعوة وتبليغ كلمة الرحمة والعدل والكرامة للعالمين، والسلوك الجماعي الجهادي الرامي لبناء مجتمع العمران الأخوي وتشييد أركانه، وتثبيت أساساته.

الرسالة وسيلة جميلة بليغة للتعبير عما تكنّه النفس من محبة وتقدير وشوق إلى اللقاء والوصال والصحبة… الرسالة تَعْظُم بمكانة المرسِل وما يحمله من إرادة الخير والدلالة على الله عز وجل، ودلالة على صُوى طريق الدعوة والسلوك ومعالمه، قال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (آل عمران 104)، وتَعْظُم بعظم وأهمية ما تحويه من مضمون التذكير بالله عز وجل ومصير الأمة أفرادا وجماعات، وتذكير بواجب الأمة إلى تجاوز زمن الغفلة والسبات والزيغ عن الحق المبين واستئناف الجهاد لبناء مجتمع العمران الأخوي، مجتمع المحبة والعدل والإخاء…

اختار الإمام المجدد رحمه الله زمن كتابة الرسالة – كعادته في جلّ كتاباته – زمنا مباركا وليلة مباركة؛ ليلة الجمعة التي وافقت ليلة الإسراء والمعراج، تعرضا لنفحات الله عز وجل، وتجديدًا لمعاني الصبر على أَذى المارقين عن الحق، واليقين في موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر والتمكين لعباده الصالحين، لتتّحد أهمية الرسالة وجدواها مع شرف الليلة ومكانتها.

2 -رسالة تذكير: من سؤال الوجود إلى سؤال السلوك

في هذه الرسالة المختصرة الجامعة وبعد التذكير بدروس وعِبر ذكرى الإسراء والمعراج المنوّرة المباركة، ينطلق الإمام ياسين رحمه الله من مقدمة أساسية مفادها: من يعيش الشتات والهوس والغفلة والتنكب عن الحق المبين وإضاعة الحقوق والاستخفاف بيوم الفزع الأكبر، لا تفتأ أن تكون دعوته صيحةً في واد، وحركته حركةً جوفاء في مهب الريح، أو في أحسن الأحوال تعبيراً عن إسلام فكريٍ حركيٍ خال من حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وتذكير بلقاء الله وبما عند الله، محذراً من طغيان الجزء على الكل والفرع على الأصل والزبد على اللب والجوهر وهذا ما يعبر عنه رحمه الله بالمزالق الثلاث: الإسلام الحركي، الإسلام الفكري، إسلام الزهادة والهروب من المجتمع.

بعد هذه المقدمة ينتقل الأستاذ رحمه الله إلى سؤال العمل والسلوك بعدما بسط الغاية الإحسانية التي لا ينبغي لنا أن نرضى بغاية دونها، مذكرا بهوية وماهية جماعة العدل والإحسان، هذه الهوية والماهية التي تدور معها وجودا وعدما، تزول بزوالها وتدوم بدوامها، وهي ما عبر عنها الإمام رحمه الله بقوله: لا ترضى جماعة العدل والإحسان بهدف سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، الإحسان أن تحسن إلى الناس، الإحسان أن يحسُن عملُك، الإحسان أن تُجيد وتُفيد).

“العدل والإحسان” كما كان يذكر دائما رحمه الله – كتابة ومشافهة – ليسا شعارا نتميّز به عن غيرنا ولكنه شعار نسعى إلى تحقيقه في أنفسنا وندعو الناس إلى تمثله وتحقيقه.

“العدل والإحسان” ليس شعارا أجوفا تلوكه الألسن وتنتشي به الأنفس في ميدان المنازلات الانتخابية، أو المقارعات الفكرية؛ وإنما هو دين ندين لله به ونتعبد، هو صك وعربون كينونتنا مع الباري عز وجل، وجواز انتمائنا لهذا الوطن ونصرتنا للمستضعفين. نعم “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” كما جاء في الحديث الشريف.

لكن!! كيف السبيل إلى التربية والسلوك؟ كيف السبيل إلى إحياء هذه الأمة من موات وجمعها من شتات؟ هنا يضعنا الأستاذ أجزل الله له المثوبة أمام سكة الهدي النبوي سيرا على المنهاج النبوي، الجامع بين العلم والعمل، بين العلم النافع والعمل الصالح، بين صناعة وصياغة الفرد وبين بناء وتشييد المجتمع، وبين السؤال الوجودي والسؤال الأخلاقي السلوكي، المنهاج المؤسَّس (المبني) على شعب الإيمان التي صنفها وجمعها في عشر خصال تشكل صوى الطريق في سير السالكين القائمين:

– الصحبة والجماعة – الذكر – الصدق – البذل – العلم – العمل – السمت الحسن – التؤدة – الاقتصاد – الجهاد.

وللتفصيل في الخصال العشر بين أيدينا كتب المرشد رحمه الله .

والحمد لله أولا وأخيرا.