زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها

يحكي أصحاب السير أن سيدتنا خديجة رضي الله عنها لما رأت البركة والأمانة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبهر القلوب، أبدت رغبتها في الزواج به صلى الله عليه وسلم، فرضي بذلك بعد أن وافقه أعمامه. وكان الذي ألقى خطبة النكاح هو عمه أبو طالب: فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر شرف النسب وفضل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر كلمة العقد وبين الصداق.

وقد تمّ هذا الزواج لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمس وعشرون سنة، بينما سيدتنا خديجة رضي الله عنها عمرها أربعون سنة على الأشهر. وقد سعدت بهذا الزواج سعادة يغبطها عليها الأولون والآخرون. فهي رضي الله عنها تعدّ أول أزواجه صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وكل أولاده منها إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وهم: القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم عبد الله، وقيل غير ذلك في عددهم وترتيبهم، مات البنون كلهم صغارا. أما البنات فقد أدركن كلهن زمن النبوة، فأسلمن وهاجرن، ثم توفاهن الموت قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا فاطمة رضي الله عنها فإنها عاشت بعد أبيها ستة أشهر.

ومما جاء في فضلها رضي الله عنها ما ورد في الحديث النبوي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوماً، فقلت: ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال: “ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل منها ولدا إذ حرمني أولاد النساء “ 1 .

الرؤية المنهاجية

يرى الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله أن الزواج نعمة من نعم الله المشكورة، وآية من آيات الله المذكورة، يقول الله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة 2 . فالزواج ألفة وأنس وسكينة، ولولاه لكانت الحياة وحشة وغربة وقلقا. ومن جانب آخر يعتبره أكثر مما يعتقده بعض الناس أنه مجرد متعة جسدية، ذلك أنه إذا حاولنا أن ندرج قضية الزواج في سياق الآيات الواردة والمذكورة معه في القرآن سنجد آية الزواج دليلا على عظمة الله في خلقه الذكر والأنثى، وبرهانا على قدرته سبحانه في الإحياء والإماتة.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (7) حلف الفضول

وفي سياق التحرك الدعوي والجهادي يعتبر الإمام قضية الزواج ورسول الله يمثل ذلك النموذج النبوي الأكمل والأمثل، يعتبره مشروع دعوة وجهاد. لا يقف عند التحصن من الفتن، وإنجاب الأولاد ما يمكن به بقاء النسل واستمراره، بل إلى جانب ذلك يؤسس لاستقرار أُسر تُكوّن الدعم الأساسي لنجاح الدعوة وتوسّعها، ولمحضن يكون المأوى الآمن الذي تأوي إليه هذه الدعوة. ولمدرسة تربوية إيمانية تشكل الحصن الحصين لجيل الخلافة الموعودة من الانحراف. زواج لا ينتهي مشروعه بانتهاء الحياة الدنيا بل يتجاوزها إلى الخلود في الجنات النعيم. يقول الله تعالى:والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين 3 .

وفي هذا المجال يوصي الإمام رحمه الله تعالى باستحضار سنن الإسلام عند اختيار الزوج المناسب، وفي تيسير النفقة والمهر، وبالتركيز على تأسيس مجتمع طاهر يتم فيه تخصيص الطيبات للطيبين بهدف التقريب والتعارف أكثر بين أسر وعائلات المؤمنين. كما يحث على أن تكون مناسباتنا فرصة للدعوة ولعرض النموذج النبوي في إقامتها وإحيائها.

نعم السّند بأفضل وسام

أمنا خديجة رضي الله عنها التي آمنت من الأوائل وصدّقت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت نعم السند المادي والمعنوي له صلى الله عليه وسلم، فقد تزوجت به صلى الله عليه وسلم وأحاطته بعنايتها وأنفقت على دعوة الإسلام ونصرت دين الله ورفعت لواءه بهمة وثبات وعطاء لا مثيل له. كانت رضي الله عنها تزوده لغار حراء ليتبتل، وتثبته حينها جاءها يرجف من رؤية الملك جبريل عليه السلام لما فاجأه بالوحي. وتقول له: كلا! أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمِل الكَلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق) 4

إنها الطاهرة (كما كانت تلقب) التي نهضت بالإسلام، ونهض بها الإسلام. و بعد إيمانها وعطائها وجهادها يجيئها وسام الشرف من رب العالمين. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتْ ومعها إناء فيه إدام -أو طعام أو شراب- فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني. وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب “ 5 .

وكان الوفاء لها بعد موتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة من المواقف ما يدل على تلك المكانة الرفيعة التي كانت تحتلها في قلبه. وعام الحزن خير دليل.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (2)ما قبل عهد النبوة

فإن كانت أمنا خديجة رضي الله عنها هي قمة الكمال وكمال المثال فإن من تربى من الصحابيات في صحبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يعتبرهن الإمام رحمه الله تعالى كلهن نماذج تحتذى في الإيمان والجهاد الاقتداء والسند المادي والمعنوي للرجل، وفي منعه من التدحرج من على طريق اقتحام العقبة، بل يعتبر منهن من تقتحم العقبة لا تنتظر الرجل أن يسحبها معه كما يُسحب التابع. كم من صحابية أسلمت وتخلت عن المشرك الزوج، والمشرك الأب، والمشركة الأم، والمشركين العشيرة والقوم والحماية والرزق. كم منهن هاجرن إلى الله ورسوله ابتداء من ذاتهن وهمتهن ومبادرتهن) 6

فمن نموذج أمنا خديجة ومن نماذج الصحابيات الأخريات رضي الله عنهن: من أمثال فاطمة الزهراء وعائشة وأم عمارة وأم سليم تستلهم الأجيال الصاعدة من المؤمنات الهمة والإرادة على الاقتحام ومواجهة التحديات. فما تركنه من سيرة عطرة خالدة تُتلى وتُقرأ بين أيدينا هو المنهاج النبوي بالنسبة للمؤمنات في اكتساب الإيمان وتربية القوة الاقتحامية. ذلك أن ما وصلْن تلك المرتبة من التربية والجهاد إلا لأنهن كغيرهن من الرجال ربطن مصيرهن بمصير الإسلام ومصير الجماعة والأمة، فكان مصير الإسلام والجماعة والأمة عندهن وكما عند الرجال من الصحابة هو النفس والغذاء والشراب، هو الحياة والموت. فكما نهض بهن الإسلام نهضن بالإسلام رضي الله عنهن جميعا.

نعم بخير الأنام

شاءت حكمة الله وأنا بصدد كتابة هذه الفقرة أن يجمعني مجلس بالأستاذ عبد الله الشيباني حفظه الله، وشاءت حكمته أيضا أن يكون من بعض حديثه الجميل وهو ممن صاحب الإمام من قرب حديثا عن حياة الإمام المجدد رحمه الله في بيته مع أهله وأولاده. ومما حكاه لنا الأستاذ الشيباني أنه كان يحصي للإمام أكثر من عشرين مرة في اليوم وهو ينادي ويسأل بكل عطف وحنان وحب وود على زوجته خديجة رحمها الله. يقول لها الإمام رحمه الله مرة: لالة (سيدتي) خديجة كيف أصبحت؟) وتارة: سيدتي خديجة هل شربت دواءك؟) وتارة: سيدتي خديجة حان وقت الصلاة هل أنت متوضئة؟ هل تستطيعين الصلاة معنا قائمة؟) وهكذا المرات الأخرى طيلة اليوم. أما الأطفال من أولاده وأحفاده وحتى من زاره من الأطفال بصحبة المؤمنين والمؤمنات فإنه يقبلهم ويجلسهم بجانبه ويعطي لهم الوقت الكافي في الحوار والتعارف كأنه يخاطب الكبار. وكان يقول رحمه الله: إننا منهم نتعلم).

وذكر الأستاذ الشيباني كذلك مما استلهمه من الصحبة القريبة للإمام وهو صهره وزوج نجلته الكريمة الأستاذة ندية، عشرة مبادئ للأسرة الطيبة، وهي باختصار: المحبة، الرحمة والشفقة، التحفيز والتشجيع، الاحترام والتقدير، التواصل، حسن الظن، التماس العذر، الثقة، الحوار، والمبدأ العاشر الدعاء باب استمداد البركة والصلاح والسداد.

طالع أيضا  الرؤية المنهاجية للسيرة النبوية (4)البركة النبوية في ديار بني سعد

ويتم التعبير عن هذه المبادئ كلها بمشاعر القلب وكلمات اللسان وحركات الجسد.


[1] رواه الإمام أحمد وحسنه الهيثمي في المجمع\
[2] الأعراف:20\
[3] الطور:21\
[4] الحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها.\
[5] رواه الشيخان\
[6] ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات ج1، ص:79.\