من القضايا التي نعتبرها حقا مطلقا للإنسان أينما وجد؛ الحرية؛ أن يعتقد المرء ما شاء ويفكر كيفما شاء، بدون أن تطال قواه العقليةَ وآليته الفكرية سطوةُ محاكم التفتيش وحصار جمارك الحدود، حتى وإن كان حسب الظاهر تفكيرا خطأ أو آراء غير مقبولة ما دامت حبيسة العقل والفكر و لم تخرج إلى حيّز الفعل.

هل نكون فعلا من دعاة الحرية والتنوير ونحن نحارب الفكر المخالف ونحاصر الهيئات الرافضة للمشاركة في كعكة المخزن؟ وهل التطرّف الذي يجنح له الشباب إلا نتيجة للفراغ المهول في حرية التعبير وغياب تعددية حقيقية في المدارس الفكرية والسياسية، حتى أصبحنا أمام دكاكين بأسماء مختلفة وبمحتوى واحد وفكر واحد وبرنامج واحد؟

أين يتجلى المشكل إن طلع علينا امرؤ وقال: إني أرى الحل للأزمة الاقتصادية الراهنة في تبني الاشتراكية، أو قال آخر: إني أرى الخلاص من الاستبداد الذي ترزح تحت نيره الشعوب، بإرجاع حقها المسلوب في الاختيار الحر لمن يمثلها والمشاركة الفاعلة عبر ممثلين منتخبين حقيقة ومضمونا لا شكلا و صورة؟

المشكل يتمثل في تضييق قنوات الحوار وحصار الأصوات المخالفة، ويتمثل أكثر عندما يتم إخراج قضايا مصيرية في حياة الإنسان من مجالها الفكري التنويري الذي يتسم بالموضوعية والبحث الأكاديمي والعلمي المستفيض الذي يتطلب حلقات من النقاش الهادئ والبحث العلمي الجاد عبر ندوات فكرية ومحاضرات ثقافية ولقاءات تعليمية، إلى المجال السياسي الراهن الذي يعاني مرض صراع المصالح والكيل بمكيالين والاستقرار في ظل عدم تكافؤ الفرص وغياب التوزيع العادل للخيرات… بمعنى، هل من الصواب أن نناقش قضايا فكرية في غير مجالها التداولي؟

تحدث الأستاذ العبادي أمين عام جماعة العدل والإحسان عن الخلافة، فثارت قريحة بعض المخالفين متهمين بالداعشية.

لست هنا الآن في صدد الدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، ولكن أتبنى مسألة مهمة؛ أظن لا يختلف عليها اثنان، إعطاء الحرية لكل طرف أن يعبر عن أفكاره وتصوره.

مسألة الخلافة، المصطلح والمفهوم، لنناقش المسألة بموضوعية وبعيدا عن جبة بعض الصحفيين المحكومين بعقلية السبق الإعلامي، ما معنى الخلافة؟ مقوماتها؟ الفرق بين الخلافة والملك؟ هل الخلافة تعني الحكم الثيوقراطي؟ وخصوصا أن الخلفاء الأربعة أجمعوا على قول “إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”، وقول عمر رضي الله عنه: “أخطأ عمر وأصابت المرأة”؛ إن كانوا يعتقدون بأنهم يمثلون الله على أرضه ويحكمون باسم الله، فهل ستتسع مداركهم لقبول الرأي المخالف والاستماع إلى الاعتراض داخل المساجد؟ إن كانوا ممثلين لله ولحكم الله على أرضه ويحكمون نيابة عن الله، فهل سيلجأون للشورى والاختيار لانتخاب من يحكم؟ أليس الفارق بين حكم الخلفاء الراشدين، أو بين فترة الخلافة الراشدة التي لم تدم سوى ثلاثين سنة التي انتهت بمقتل علي رضي الله عنه وبين حكم بني أمية ومن تلاهم من الملوك هو غياب آلية الشورى والاختيار وعودة الكسرية والتوريث؟ نحاول ما أمكن أن نناقش المفهوم ونحدد معناه ومغزاه، عسانا نظفر بحكمة أو مضمون ينير لنا الطريق، بناء على قراءة واعية للماضي ورسم خط لاحب واضح للمستقبل، و”الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها”، نبحث عنها لدى الصينيين والأوربيين والأمريكيين… ونستكثر على أنفسنا قراءة تراث المسلمين وأخذ العبرة من تاريخ من سبقونا!

كنّا نتنمى أن نرى حوارا فكريا لمسألة شغلت بال المسلمين قديما وحديثا، حوارا بعيدا عن التشنج والأحكام المسبقة، حوارا يخضع لمعايير البحث العلمي الرصين المدعم بالحجج والأدلة، لا لعقلية حاطب الليل الذي لا يفرق بين الأخضر واليابس، وبين الغث والسمين؛ حاطب الليل “إن نطق لغا وإذا حكم طغى”، بضاعته من العلم زهيدة، إن جر قلمه فله فيه مآرب أخرى، والمثال الواضح الفاضح لحاطب الليل الصحفي توفيق بوعشرين الذي أبان عن بضاعة مزجاة، وضعف الباع العلمي وخفة وقلة تحرٍّ من وثوقية الأخبار. أو الذي يحكمه الاستعجال في الوصول إلى النتائج مستعينا بالنت وخلاصاته المبهمة والمتناقضة، آفتهم “لا بالحجة يقارعون الحجة ولكن بالغمز واللمز والتجريح”.

إذا كنّا نؤمن بأولوية الروح على الجسد وبالمعني على المبنى؛ فالأولوية في كل نظام سياسي، سمه ما شئت من تسميات، هو ارتكازه على أساسات سليمة ومقومات تضمن الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

كم من الأنظمة الشمولية تتضمن ديباجات دساتيرها “دولة ديمقراطية، شعبية” وهي لا تعرف من الديمقراطية إلا الاسم ومن الشعبية إلا الرسم كأداة لذر الرماد في العيون.

وفي النهاية فالحوار والنقاش لا يأتي إلا بخير ولا يساهم إلا في خلق جو سليم من الرأي والرأي الآخر، فهو فهم إنسان وليس وحيا إلهيا؛ وحق الناس في السؤال والبحث عن حقيقة المواقف من مصادرها ومظانها لا مما تروجه التيارات المخالفة، والجرائد المأجورة وما تخطه بعض الأقلام تحت الطلب، كيف يعقل أن نضرب حصارا على فكر رجل ونقول للناس احذروا فلانا فهو يقول كذا وكذا؟ أليس هذا هو العبث بعينه؟ إن كنّا فعلا بلد الحرية والتعبير الحر، والانفتاح الثقافي، ألا يجدر بِنَا أن نحترم عقول الناس وتفكيرهم؟