تعالت أصوات وشُحذت أقلام “دبجت” مقالاتٍ “دعْوشت” جماعة العدل والإحسان استنادا إلى ما تضمنه شريط لأمينها العام الأستاذ محمد عبادي من إشارة لحرص جيل الصحابة الأول في شخص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على وحدة المسلمين مجسدة في تفادي الفراغ على مستوى الحاكم/الخليفة. الإشارة لم تُجَلِّهَا توضيحات الأمين العام للجماعة في شريط موالٍ، كما لم تُجَلِّهَا مضامين الاستجواب الذي خص به جريدة وطنية دققت في المفاهيم وجددت تمسك الجماعة بثوابتها وأسّها السلمية والرفق وذكرت بمواقفها في قضايا شتى، ومنها طبيعة الحكم الذي تقترحه وتصورها للخلافة الثانية الموعودة بنص الحديث النبوي الصحيح؛ ما يؤكد أن الخائضين في “دعوشة” الجماعة ليسوا طلاب حقيقة تنويرا للرأي العام، بقدر ما يقدمون خِدماتٍ لجهات معلومة ولغاية لم تعد خافية.

وجب التنبيه إلى أن الخائضين في هذا النقاش صنفان: صنف يناقش ويسائل الجماعة من خلال أدبياتها ومواقفها مستوضحا قبل إصدار حكم، وصنف يناقش أو يتظاهر بالنقاش من خلال أحكام مُسبقة تستند إلى منطق “ويل للمصلين” تسوغ الاتهامات المجانية التي دأب القوم على اجترارها دون ملل أو كلل؛ ومنتهى غاية هذا الصنف التشويش وتلغيم المجال لتنفير الفضلاء وعموم الشعب من التواصل مع الجماعة، كما يدل على ذلك هذا العنوان لما تفتقت عليه عبقرية هذا الصنف: “من يدافع عن الجماعة بعد اليوم؟”، ومعه نتساءل مستنكرين: من المستفيد من نزوع جماعة العدل والإحسان للتشدد والعنف؟

لنبدأ بالجماعة ذاتها، فالمتتبع لمشروعها القائم على قراءة لتاريخ الأمة وواقعها بــإكراهاته، والمطلع على تصورها لتأهيل أجيال تعافت من أوباء الأنانية والأثرة والاستكانة والسلبية التي كرسها الاستبداد في النفوس، أجيال تُسهم بسعة أفقها في تذويب جبال جليدية من التطاحن والتباغض الفكري بين مكونات المجتمع “نجح” الاستبداد كذلك في إذكائها وتأجيجها وصناعتها إذا اقتضى الحال؛ تتبع يُفضي إلى أن الجماعة أبعد ما تكون عن “الداعشية” خيارا، الذي تمنى المتربصون بها لو تنزع إليه ليقيموا عليها الحجة الدامغة لاستئصالها، لكن خيار الوضوح وعرض التصور وآليات تنزيله في مؤلفات وإصدارات مختلفة مبسوطة للعموم فوت عليهم فرصة الاتهام. ومن تمام الوضوح ووحدة الخطاب، عرض الشريط موضوع الجدل، إذ لو كانت الجماعة ترى فيه ما يمكن أن يثير مثل هذه الزوبعة من الكيد والتحامل لما عرضته، أم تراه تسريب نجحت جهات مخابراتية في وضع اليد عليه فضحا لنوايا الجماعة غير المعلنة؟

وإذا كان مشروع الجماعة الذي يستمد شرعيته ومشروعيته من تأصيله وإجرائيته ومرونته ومستقبليته وتجاوبه مع انتظارات المجتمع في حياة الكرامة أفرادا والعزة أُمةً أبعد مدى من حركة انقلابية وَرَمِيّة تسدي خدمة مجانية لأعداء الأمة لتشويه رسالية الإسلام وقيمه السمحة وللتشويش على المشاريع المجتمعية التي تحظى بحاضنة شعبية معتبرة متنامية؛ مشروع كرس تربية وسطية تتنافى وكل أشكال التطرف والتشدد فكرا وقولا وسلوكا، أسهمت إسهاما كبيرا في التماسك المجتمعي، كما أسهمت في تجنيب البلاد قلاقل عصفت ببلدان الجوار وما تزال، يشهد بذلك المنصفون، فمن تراه سيستفيد من “دعوشة” الجماعة؟

إن جماعة بحجم العدل والإحسان ومستوى تغلغلها في النسيج المجتمعي، لن يمر تصنيفها إرهابية/ داعشية دون تداعيات على المجتمع والدولة، ولست أدري، أيدرك النافخون في نار “دعوشة” الجماعة عواقب تهافتهم هذه على السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي والمصالح الاقتصادية للبلد: جلب الاستثمار، السياحة نموذجين؟ ما معنى أن تتكرر دعوات التحريض ضد الجماعة؟ أليس هذا قمة الاستهتار واستغباء أجهزة الدولة؟ هل يتصور هؤلاء المتهافتون على “دعوشة” الجماعة أن أجهزة الدولة نائمة وفي غفلة من الجماعة مشروعا مجتمعيا وأدوات تنزيل ومصادر تمويل؟ ثم إذا كان الأمر كما يزعم القوم، أين مؤسسات الدولة الرسمية من هذا السجال؟ أم أن القوم يخوضون “حربا” بالوكالة ضد جماعة استعصت عن التطويع وأبت الترويض؛ وبالتالي، فالأمر مدبر بليل، محبوكة خيوطه، متحكم في مخارجه معروفة وظيفته: صَرْفُ الشعب وإلهاؤه عن قضايا أهم وأكبر: ملف وحدة ترابية أفلس تدبيره الأحادي وأعادته مناورات الخصوم إلى ما كان عليه قبل عام 2007، وثروات مهربة تكفي لاجتثاث الفقر والحرمان والهشاشة والتحرر من نَيْر المديونية ورهن قطاعات البلد الحيوية!؟