يعتقد كثير من الناس أنهم يعرفون معنى كلمة “علمانية” معرفة تغني عن أي تقص زائد. ومرد ذلك إلى شيوع هذا المفهوم وكثرة تداوله. غير أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك، فللكلمة معان مختلفة واستعمالات متنوعة. في هذا الموضوع سأعرض بعض التعاريف التي أعطيت “للعلمانية” وسأبين أوجه الاختلاف أو التناقض الذي يكتنفها. وفي الأخير سأعرض التصور الذي أتبناه في هذه القضية 1 .

مصطلح العلمانية

هو ترجمة لكلمة Secularism الإنجليزية وقد استعملت الكلمة في البداية خلال النصف الأول من القرن السابع عشر في إنكلترا للدلالة على “علمنة” ممتلكات الكنيسة أي نقلها إلى سلطات غير دينية)وهي سلطة الدولة.

وأوضح الدكتور المسيري رحمه الله أن الكلمة استعملت للدلالة على معنيين متناقضين خصوصا لدي المفكرين الفرنسيين. فمن وجهة نظر الكنيسة كانت الكلمة تعني: المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة). أما من وجهة نظر الفلاسفة المدافعين عن قيم المادية والعقلانية فإنها كانت تعني: المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة) 2 . والملاحظ في هذين التعريفين أن المصطلح في البداية كان يحمل دلالة محدودة ولا يتسم بأي نوع من أنواع الشمول أو الإبهام. غير أن المجال الدلالي للكلمة اتسع، وبدأ يتجه نحو مزيد من التركيب والشمول بل والغموض أيضا. وسنبرهن على ذلك من خلال تحليل ومناقشة تعريفين اثنين نعتقد أنهما يختزلان جل التعاريف التي أعطيت لكلمة العلمانية.

التعريف الأول: وضع على يد هوليوك 3 ، الذي يعتبر حسب ما ذكره الدكتور عبد الوهاب المسيري أول من استعمل المصطلح بمعناه الحديث، فعرف العلمانية بأنها الاعتقاد بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان بالقبول أو الرفض) 4 . ويعلق الدكتور المسيري على هذا التعريف بكونه يبدو في أول وهلة محايدا، غير أنه ليس كذلك. فعبارة “إصلاح حال الإنسان” تفترض وجود حال فاسد أو غير صالح للإنسان) 5 . لكن بأي معيار سنحكم على حال الإنسان بالصلاح أو بالفساد؟ فبمعيار أمريكا مثلا كان حال العراق زمن صدام فاسدا وتدخلت “بطريقتها المادية” المعروفة لإصلاح حال العراقيين وجعل دولتهم دولة نموذجية في التنمية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان). وحال المسلمات المحجبات في فرنسا كان فاسدا وقد عملت فرنسا العلمانية على إصلاح حالهن بمنع الحجاب. وفي بلدنا كان حال المناضلين في فترة ما يسمى بسنوات الرصاص فاسدا وعمل النظام على إصلاح حالهم وتأديبهم بزجهم في المعتقلات… كل هذه الممارسات منسجمة مع تعريف هوليوك للعلمانية والذي يدعو من خلاله “لإصلاح حال الإنسان” على أن يكون ذلك من “خلال الطرق المادية”.

يؤكد المرحوم المسيري بأن الحديث عن “إصلاح حال الإنسان” يفترض وجود منظومة معرفية قيمية وبتعبير آخر يفترض وجود مرجعية معينة يمكن “إصلاح حال الإنسان” على غرارها، وإلا صار الإصلاح ضربا من العبث. وإذا كان الأمر كذلك فإن تعريف هوليوك للعلمانية يجد نفسه أمام وضعية صعبة ذات إشكالين:

الإشكال الأول: هل المنظومة أو المرجعية التي سيتم “إصلاح حال الإنسان” من خلالها قيمة موضوعية “تضاف” إلى العلمانية؟ وإن كانت كذلك فمن أي مصدر نستقيها؟ وهل يحق لأي مجتمع أن يختار المرجعية التي يشاء؟

الإشكال الثاني: هل المنظومة أو المرجعية التي سيتم “إصلاح حال الإنسان” على ضوئها تعتبر جزءا عضويا من العلمانية؟ وإن كانت كذلك فما هي سماتها؟ إن الإجابة على هذين السؤالين سيكون أمرا صعبا. غاية ما نجده في تعريف هوليوك أنه يتحدث عن الإصلاح “من خلال الطرق المادية” فهل يعطينا هذا مفتاحا لطبيعة النموذج الذي سيتم الإصلاح على نهجه؟ وإذا ألا يعني تبني “الطرق المادية” تبنيا للرؤية المادية للإنسان؟ ثم ألا يعني هذا رفضا كاملا للإيمان، وليس مجرد عدم التصدي له بالقبول أو بالرفض كما يدعي هوليوك 6 .

التعريف الثاني للعلمانية نجده عند الكثير من المفكرين المعاصرين وتعني العلمانية عندهم: “فصل الدين عن الدولة”، وهذه العبارة من أكثر التعريفات شيوعا لدى الناس. وكثيرا ما تستعمل للدلالة على الفصل بين الدين والدولة على جميع المستويات، رغم أن العبارة في أصل صياغتها الإنجليزية والتي هي “Separation of church and state” لم تكن تعني ذلك. فالترجمة الحرفية للعبارة تعني: “فصل الكنيسة عن الدولة” والكنيسة مؤسسة لتدبير الشأن الديني وليست هي الدين كله 7 .

وإذا استحضرنا السياق التاريخي الذي وردت فيه العبارة ظهر لنا أن لها معنيين مختلفين إلى حد ما. ففي أوربا حيث تميزت الأحداث التاريخية بتنازع السلطة والنفوذ بين بابوات الكنيسة الكاثوليكية المسيطرين لمدة طويلة على مقاليد الأمور من جهة وملوك أوروبا الذين يسعون جاهدين للتخلص من سطوة الباباوات من جهة ثانية- فإن المعنى المقصود يصبح كالآتي: فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية). أو بتعبير آخر عدم تدخل الكنيسة باعتبارها مؤسسة دينية في شؤون الدولة باعتبارها مؤسسة دنيوية. وهذا المعنى تجسده كذلك المقولة الشهيرة أعط ما لقيصر لقيصر، وأعط ما لله لله).

أما عند الأمريكان فدلالة كلمة “العمانية” مختلفة، وتعني عندهم فصل الدولة عن الكنيسة) أي عدم تدخل الدولة في شؤون الكنيسة. ومرد ذلك إلى الظروف التاريخية التي ميزت فترة بدابة الاستيطان هناك. ذلك أن معظم مستوطني أمريكا الأوائل “Pioneers”، وخصوصا النخب منهم، كانوا من بعض الطوائف البروتستانتية “The Puritans” (= المتطهرون) الذين فروا من اضطهاد ملوك أوروبا بإيعاز من الكاثوليك، ولجأوا إلى العالم الجديد بحثا عن مكان آمن لممارسة معتقداتهم بكل حرية. فكان طبيعيا أن يحافظوا على هذا المكتسب في نظام الدولة التي ساهموا في تأسيسها. وهذا ما يفسر كون الدستور الأمريكي لا ينص صراحة على أن الدولة علمانية بل يؤكد على أن الدولة لا تتدخل في شؤون الدين 8 . ومن المعروف أنه في أمريكا لا يترشح للرئاسة إلا من كان مسيحيا بروتستانتيا. ومن المعروف أيضا أن الكنيسة ما يزال لها تأثير على بعض القضايا السياسية في أمريكا 9 .

ملخص ما بسطناه من كلام ومؤداه أن كلمة “علمانية” ليس لها معنى واحد متفق عليه. بل تعطيها كل طائفة المعنى الذي ينسجم مع مصالحها. لذلك من حقنا نحن أيضا أن نحملها المعنى الذي نريد. فإذا كانت العلمانية تعني: “فصل الدين عن الدولة”، فصلا مؤسسيا تخصصيا لا فصلا مرجعيا واعتقاديا فإني أقول وبكل وضوح بأن كثيرا من الإسلاميين يقبلون بهذا المعنى بل ويعملون بمقتضاه في حركتهم داخل المجتمع وفي الأشكال التنظيمية التي يتبنونها. بعضهم يسمي هذا الفصل بفصل العمل السياسي عن العمل الإرشادي التربوي وبعضهم يسميه بفصل الدعوة عن الدولة وكلها مسميات لفكرة واحدة تعني في النهاية أن العمل الدعوي والتربوي والإرشادي والتعليمي يجب أن يستقل عن العمل السياسي الميداني اليومي التدافعي أو الصراعي وفق مجموعة من المحددات نبسطها في الفقرة المتبقية من هذه الورقة.

محددات فصل الدين عن الدولة

نعم عندما يقبل بعض الإسلاميين بفصل الدين عن الدولة أو بالأحرى فصل الدعوة عن الدولة فإنهم يقصدون بذلك ما يلي:

أولا: فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية. ونحن نعتقد أن هذه العملية حاصلة في جميع المجتمعات المتحضرة المركبة. إذ لا بد من تمايز بين السلطات والاختصاصات. ولنا في قصة سيدنا داود خير دليل على ذلك. فقد كان سيدنا داود نبيا مكلفا بالدعوة والتربية. وكان في عهده ملك يسمى طالوت مكلفا بأمور الدولة وشؤون الحرب. قال الله تعالى على لسان قوم داود: قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا 10 . غير أنه لا يبغي أن يفوتنا بأن العقيدة التي كان يقاتل طالوت من أجلها والشريعة التي كان يحكم بها هي تلك التي كان يدعو لها سيدنا داود عليه السلام. إننا عندما نقول بضرورة فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية لا نعني بذلك إقصاء الدين عن حياة الناس كعقيدة وكمرجعية للقيم والقوانين. نعم إنه لا يسعنا ذلك والله تعالى يقول وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ 11 (الظالمون/الفاسقون)، وقال أيضا فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 12 .

ثانيا: التمييز بين رجال الدين ورجال السياسة: فكما نميز بين رجال القضاء ورجال الجيش ونوعا من الموظفين في بعض الإدارات العمومية ونمنعهم من التحزب السياسي حرصا على المصلحة العامة وضمانا لحيادهم، فكذلك يجدر بمن يتصدى لمهمة الدعوة والوعظ والإرشاد أن لا يتقلد مناصب سياسية (وأخص هنا مرحلة ما بعد التمكين) حفاظا على رفعتهم وتنزيها لقداسة ما يدعون إليه أن يوصم بالفشل أو أن يوصف بالنقص إن هم فشلوا في تدبير الشأن السياسي والاقتصادي اليومي. وقد عبر سيدنا عمر عن ذلك حين سأله أحد الصحابة متعجبا: لم لا تتخذ من كبار الصحابة وفقهائهم عمالا لك على الأمصار؟) فأجاب رضي الله عنه قائلا: لا أريد أن أدنسهم بالدنيا أو بالعمل) 13 .

ثالثا: فصل معايير الكفاءة في تدبير الشأن العام عن معايير المستوى الإيماني، خصوصا في مستويات معينة من المسؤولية وبعد السيادة العامة للإسلام. فكثيرا ما استعان المسلمون في أمور دنياهم بأناس غير مسلمين. فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل سيدنا عمر بن العاص قائدا للجيش شهرين بعد إسلامه وتحت إمرته رجال أمثال أبي بكر وعمر. بل أكثر من ذلك استعان صلى الله عليه وسلم بدليل كافر ليسلك الطريق بين مكة والمدينة أثناء الهجرة نظرا لكفاءته وخبرته في معرفة مسالك الصحراء. وكثيرا ما نجد في تاريخنا أن المسلمين استعانوا بأطباء أو بنائين أو صناع غير مسلمين استحسانا لعملهم واقتناعا بكفاءتهم بغض النظر عن دينهم وعقيدتهم. ونجد في قول الله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ 14 . فأشار سيدنا يوسف إلى أنه يريد أن يُكلف بهذه المهمة بناء على ما يتمتع به من حفظ وعلم لا بناء على كونه نبيا. ولما اعترض قوم داود على لوط لكونه لم يؤت سعة من المال قال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ 15 .

رابعا: فصل معايير الجودة والفاعلية في البرامج الاقتصادية التي لا تتعدى حدود الشريعة عن مقتضيات التقوى الخاصة ودرجات العبودية. وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجد المسلمين تعلموا أشياء كثيرة من غيرهم ولو كان غيرهم من ملل أخرى. ولقد كانت تعرض في الأسواق بضاعات شتى بعضها في حوزة مسلم وأخرى في حوزة صانع أو تاجر ذمي وربما اشترى الناس بضاعة الذمي لجودتها وتركوا بضاعة المسلم لرداءتها. وحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنتم أعلم بأمور دنياكم” بعد قصة تأبير النخل، فهو في واقع الأمر يقرر مثل هذا التمايز المؤسسي. فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد من خلال هذه الواقعة أن يفهم الصحابة أن هناك تمييزا بين النبوة التي يعتبر الوحي مصدر معرفتها وبين الزراعة التي ورد بشأنها الحديث المذكور وما قد يقاس عليها من مهن وصناعات تَعتبر الخبرةُ البشريةُ التجربةَ العلميةَ مصدرَ العلم بها وإتقانها.

وأخيرا أقول بأنه مهما تكن آراء العلمانيين مخالفة لما ندعو له ونؤمن به، فإن الحوار -إن انضبط بقواعده وآدابه- يظل دائما الوسيلة الأفضل للتفاهم والتعايش. إنه لا شيء كالحوار يعين على توليد الأفكار وتمحيصها لكي يعيش القوي الصالح منها ويفنى ويندثر الضعيف السقيم.


[1] المقال كتب في الاصل للمشاركة في ندوة عن “العلمانية” من تنظيم الجمعية الامازيغية “تماينوت” بتنغير في مارس 2004.\
[2] انظر “العلمانية تحت المجهر” للدكتور عبد الوهاب المسيري ص 12.\
[3] John Holyooke (1817-1906).\
[4] “العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية” لعبد الوهاب المسيري ج 1 ص 15.\
[5] “العلمانية تحت المجهر” للدكتور عبد الوهاب المسيري ص 13.\
[6] المصدر نفسه.\
[7] والعبارة الانجليزية التالية تعبر عن هذا المعنى بوضوح: “The separation of church and state” is a concept defining the distance in the relationship between organized religion and the nation state. – Retrieved from: https: //en.wikipedia.org/wiki/Separation_of_church_and_state.\
[8] تأمل العبارة التالية الواردة في خاتمة إعلان الاستقلال الأمريكي: We, therefore, the Representatives of the united States of America, in General Congress, Assembled, appealing to the Supreme Judge of the world for the rectitude of our intentions, do, in the Name, and by Authority of the good People of these Colonies, solemnly publish and declare, That these United Colonies are, and of Right ought to be Free and Independent States… And for the support of this Declaration, with a firm reliance on the Protection of Divine Providence, we mutually pledge to each other our Lives, our Fortunes and our sacred Honor…\
[9] مثال: الحملة الأمريكية على أفغانستان سميت في البداية “العدالة المطلقة” واعترضت الكنيسة على ذلك علما بأن “العدالة المطلقة لا تكون إلا من الله” فأصبحت تسمى “النسر النبيل”.\
[10] سورة البقرة آية 246-247.\
[11] سورة المائدة آية 44.\
[12] سورة النساء آية 65.\
[13] انظر كتاب: “العدل، الإسلاميون والحكم” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ص 674.\
[14] سورة يوسف آية 55.\
[15] سورة البقرة آية 247.\