تقديـم

يضع الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله “التعليم” في المرتبة الثالثة من أبواب خصلة الجهاد، بعد جهاد النفس وجهاد المال، بل إن “التعليم” في نظره، يعد محورا حاسما في البناء والتغيير ومؤشرا على تقدم الأمم والشعوب أو تخلفها، عليه يقوم مصير الأمة. يقول رحمه الله: وأعظم ميدان للمواجهة ميدان التربية والتعليم، ذلك الميدان الذي يتقرر فيه المستقبل، وعلى نتائج غرسه يتوقف مصير الأمة) 1 .

كما اعتبر الإمام رحمه الله جهاد التعليم بذلا وممارسة من أفضل وأعلى أبواب الجهاد -جهاد التعبئة والبناء- قائلا: وللتعليم مكان الصدارة في أولويات البناء مما هو التعلم، ومعاهد التعليم ومدارسه الابتدائية والثانوية والجامعات ومحاضن الصغار أمكنة للتربية والتأثير) 2 .

وبما أن التغيير يقتضي أولا التركيز على تكوين الإنسان المؤهل للبناء، لأنه أس التغيير وأداته ووسيلته وهدفه وغايته في الوقت نفسه، فإن السياسة التعليمية هي العامل الحاسم في ذلك: السياسة التعليمية هي روح السياسة لأنها مفتاح الازدهار الإنساني ومفتاح الازدهار الاقتصادي، أي مفتاح حياة الأمة، السياسة التعليمية مفتاح المستقبل) 3 .

التعليم مفتاح التغيير

لا يكاد يختلف اثنان في كون التعليم هو قاطرة التنمية، وهو سبب الظهور والرقي والرفعة، والدولة التي تحافظ على نظامها التعليمي هي الدولة التي تتفوق في كافة المجالات وعلى كافة الصعد، وهذا الذي يؤكده الأستاذ عبد السلام ياسين في غير ما موضع من نظريته المنهاجية. يقول رحمه الله: نظام التربية والتعليم هو العمود الفقري للدولة، وإعادة ترتيب هذا الجهاز ضرورة الضرورات في حياة الأمة، يجب إنشاؤه إنشاء جديدا وصياغة قنواته، وسد منابع الفساد المخلفة فيه لإعداد أجيال سليمة العقيدة والفطرة، مسلحة بالمعارف العملية التطبيقية) 4 .

إذن، فدور التعليم في البناء والتغيير، ومكانته المحورية في الرقي والازدهار مرتبطان بإعادة ترتيبه وبنائه وفق نظام يساير التطورات المتتالية في كافة المجالات، وإعداد برامج ومناهج تقطع الصلة عن مخلفات الفساد والإفساد وتسهم في تربية أجيال سليمة العقيدة، مستوعبة للمعارف والمهارات العلمية والعملية.

أما الرسالة التي من أجلها ينبغي الاهتمام بقطاع التعليم فيحددها الإمام المجدد رحمه الله في تصوره المنهاجي، وتتمثل في بناء أجيال حاملة رسالة، تتضلع من علوم القرآن والسنة وأحكام الشريعة على كل المستويات. ثم تستطيع أن تخدُمَ تلك الأهداف التي حددها القرآن، وعلمتها السنة، وحددتها أحكام الشريعة، بأحدث خبرة وأعلاها وصل إليها الإنسان) 5 ، هدف التعليم إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله. تفتح العقل على علم الشريعة وعلوم الكون وسيلة لمعرفة الواجب الديني والتعامل مع الخلق ومع الأشياء، لكن التعامل مع الخالق، ونيل مواهبه ورضاه، لا يصح إلا بسلوك وتربية ينفتح القلب على إثرهما لمعرفة الله عز وجل) 6 .

المعلمون طليعة الأمة

ينأى الإمام المرشد بنفسه من أن يجعل من المعلم مجرد موظف أجير، بل يعتبره واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية، المعلم المربي القدوة هو الواسطة الحية في عملية التربية والتعليم) 7 ، لأن المهام الموكولة إليه، اليوم وغدا، على قدر كبير من المسؤولية والخطورة، مهمة الأنبياء والرسل. يقول رحمه الله في المنهاج النبوي: إن طليعة الأمة -جند الله المجاهدون- هم معلمو الأمة غد النصر إن شاء الله. هم المبعوثون ليعلموا كما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معلما. هو بعث برسالة وهم ورثتها القائمون عليها، وبعثهم ميراث من ميراثه صلى الله عليه وسلم) 8 .

هذه المسؤولية تقتضي التحلي بصفات وخصال تخول لصاحبها القيام بمهامه على أكمل وجه، وأهمها الكفاءة والحافز: فإذا كان المعلم واسطة الخير بين جيل وجيل، وكان حامل الكلمة ومفشي الرسالة، فينبغي أن يكون من الخيار، ومن خيار الناس، مروءته وعلو همته صفتان بارزتان يستوي عليهما دينه ليكون خير الناس. يقول رحمه الله مطلبنا عالم متوازن، ومعلم منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة) 9 .

خاتمة

إذا كان مفهوم “الجهاد” في حاضرنا يرتبط بالقتل وسفك الدماء، خصوصا مع انتشار الفكر “الداعشي”، فإن الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أعطى لهذا المفهوم معنى أشد ارتباطا بالمنهج النبوي، وما أحوجنا إلى تدبر تفاصيله وفهم مقتضياته. ولا أرى أن أحدا يماري في كون جهاد المرحلة يقتضي إعادة بناء منظومة التربية والتعليم في العالم العربي الذي يتجرع كؤوس الخيبة في كل الميادين. ألم يحن الوقت بعد لنعي أن سبب هذه الخيبات المتتالية والأزمات المتراكمة هو ضعف منظومتنا التعليمية؟ ألم نتعظ بما حققته مجموعة من المجتمعات من قفزات نوعية بعد نهوضها بقطاع التعليم؟ أكيد أن الحاجة ملحة لجعل التعليم أولوية الأوليات بعيدا عن المزايدات السياسية والمقاربات الارتجالية، وإلا ستبقى دار لقمان على ما هي عليه إلى حين.


[1] العدل: الإسلاميون والحكم، ص 567.\
[2] حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص 121.\
[3] حوار مع صديق أمازيغي، ص 105.\
[4] العدل: الإسلاميون والحكم، ص 568.\
[5] إمامة الأمة، ص 183.\
[6] نفس المصدر، ص 151.\
[7] حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص 169.\
[8] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 393.\
[9] حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، ص 172 – 173.\