ماذا تعني الخلافة؟

عندما نطرح سؤال ماذا يعني قيام الخلافة نكون بصدد البحث عن المعنى الشرعي لهذه الكلمة، وعن تطبيقاته في واقع المسلمين، الذي تحول بعد جهد وكد وعطاء وتفان إلى خير وبركة شملا العالم كله، وأصبح نموذج المسلم مطلبا عزيزا. ويجيبنا الإمام المجدد رحمه الله عن هذا السؤال بقوله: يعني: في ميدان الحكم الداخلي استبدال الحكم المستبد بالشورى، وفي ميدان السياسة الدولية بروز قوة مستقلة عن الجاهلية، مصيرها بيدها. تقرر ما ينفعها وينفع الناس. وتستطيع تنفيذ ما تقرر).

أن يكون أمرنا شورى بيننا، هذا يأمر به الله تعالى. لكن تأباه العادات التي فشت كالمخدر في مجتمعاتنا. تأباه فئات الظلمة والمستكبرين بيننا، لأن نظام الحكم الإسلامي يفطمها عما ألفت من الفساد في البلاد والعباد. تأباه الجاهلية ونظامها المسيطر على العالم، وتفرض بالدعم المادي والمعنوي، بالمال والسلاح والخبرة، دمى المسخ وطواغيت الجبر من بني جلدتنا).

أن يكون أمرنا شورى بيننا هذا هو الأصل لو بقينا على السلامة. لكن إسلامنا الموروث عقيدة وفهما وواقعا إسلام فتنة، يختلط فيه الحق بالباطل، فهو فهما وعقيدة وواقعا كما وصفه الحديث الشريف: “خير وفيه دخن”. والدخن دخان. ونار الفتنة متأججة. ولا جماعة لنا منظمة تحمل أهلية تلقي الخطاب القرآني ومسؤولية الحكم بما أنزل الله) 1 .

و”تعني ممارسة حق إلهي؛ حق الأمة المستخلفة في الأرض. لتفعل ماذا؟ الخلافة وسيلة غايتها أن يعبد الله في الأرض.

قال الله تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر 2 . ويعتبر رحمه الله أنه لا نحسب الخلافة بناء سياسيا على سطح واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وعلمي وعسكري وإداري وتنظيمي هزيل).

إنما الخلافة سبك هذه المجتمعات المسلمة سبكا جديدا في كل المجالات، وإعادة صياغتها على نموذج الكتاب والسنة. إنما هي مصارعة العدو الداخلي والخارجي. ولن يتركك العدو تزعجه من مواطن راحته وسلطانه، ولن يترك لك مهلة لتسبك وتصوغ كما تشاء).

وأكثر ما يستحث غضب العدو الداخلي والخارجي أن تمسه في مصالحه. الطبقية في الداخل وهي امتداد للاستكبار العالمي. استعمل كلمة “طبقية” حتى نألف كلمة “استكبار”) 3 .

ويضيف بأن الانتقال من الملك الجبري إلى الخلافة إنما محكه العدل في القسمة. محكه إنصاف المستضعفين. محكه جمع المال العام بحق، وصرفه بحق. وأين هذا من الفساد العام للمتسلطين المستكبرين في الأرض؟ أين هذا من جشعهم؟ أين هذا من أموال المسلمين التي يبذرها جبابرتنا تبذيرا فظيعا يتعذب به ضمير كل حر، ويندى له جبين المروءة؟) 4

ويستدل بالحديث المروي عن ابن سعد عن سلمان أن عمر رضي الله عنه سأله: “أملك أنا أم خليفة؟” فقال سلمان: “إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما، أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة؟”. فاستعبر عمر (أي بكى) 5 .

بين الخلافتين

بين الخلافة الأولى الراشدة التي مثلت أبهى معاني العدل والرحمة والرفق والفهم السديد والاجتهاد الفردي والجماعي، وبين الخلافة الثانية المنشودة الموعودة، حبل من الحق متين، ونقطة وصل مذكور أمرها في الحديث المروي هن النبي صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون مُلكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت” 6 .

وهذا الرباط الوثيق القائم والفهم للحديث الدائم يعطينا أن الخلافة الثانية واقع ماثل، يتطلب حتما عملا وجهدا ومثابرة وسعيا مستمرا دؤوبا على جميع المستويات والمجالات، يتغلغل في النفوس بالتربية الإيمانية الإحسانية وبالرفق اللطيف الرقيق وبالمثال الحي والقدوة الصالحة. فالامتداد بين الخلافتين يؤسس لمجتمع العمران الأخوي الذي يتساوى فيه الأفراد والجماعات، وتلاقى فيه الأمم والشعوب، وتنجلي الغشاوة عن عيون أعماها الشك، وخذلها الفهم، وقصر بها بعد النظر. ويعني قيام الخلافة الإسلامية واستقلالها بالقرار، وقدرتها على التنفيذ التحرر الاقتصادي، ومن ثم العسكري والسياسي لثلثي سكان العالم، وهم المستضعفون).

وننظر إلى حالنا الآن وأمريكا تملك القمح، تملك السلاح والمال، فتتجلى لنا مظاهر عبوديتنا للجاهلية. تقول الجاهلية بلسان الحال والمقال والدبلوماسية، وبكل لغة: “إذا أردتم خبزا فكونوا لطيفين معنا”).

وحكام الجبر لا يضيرهم “اللطف” مع الأعداء ولا يخشونه بل يستلذون الركوع لهم ما دامت كراسيهم لا تزعزعها المجاعات التي يعالجها القمح الجاهلي، ولا تزعزعها الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي يعالجها السلاح والخبرة الجاهليان) 7 .

الخلافة/الوعد الحق

ليست الخلافة الإسلامية المنشودة وهْما كما يعتقد الكثيرون، ويدعيه المتشككون، بل هي الوعد الحق الذي نبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور آنفا، والناس في تلقيهم للوحي (قرآنا وسنة) مختلفون، فنمهم من عادى الوحي منذ نزوله،، ومنهم من انشرحت سريرته للإسلام. وهذه من المسلمات التي أقرها القرآن وأكد عليها القرآن، تنطبق على الناس في كل زمان ومكان، فقد عادى الرسولَ صلى الله عليه وسلم قومٌ هم أقرب الناس إليه نسبا وأشدهم تعلقا، كما استجاب لدعوته وندائه أبعدهم نسبا، ولا يزال الأمر على ذلك فأبناء اليوم أحفاد الأمس تشكيكا وتصديقا، والصادقون ينتفعون بصدقهم دنيا وأخرى، والمترددون الشاكون يضرهم شكهم دنيا وأخرى والله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم.

ووراء اعتراض الشاكين ورفض المعترضين دائما أسباب منها:

– عدم الفهم وسوء التقدير والميل مع الهوى ومنطق الإقصاء الخبيث.

– الخوف الشديد على المصالح والمراكز والكراسي والمنافع الشخصية.

– العجز عن قول الحق والسعي للانتصار له بما يستجيب للعقل والشرع.

– ضيق الأفق والاستعلاء على الخلق وحرج الصدر في تقبل الحق، واستصغار الآخر على ضوء ذلك.

وإنما يتقبل الخبرَ الصادقَ كل صادق شرح الله قلبه وعقله وفكره لتلقي الخير، ونوّر بصيرته لمعرفته والصدع به من غير خوف أو شك أو تردد ولا مكابرة. وبشارة الخلافة الإسلامية هي كالنار على العلم في ليل بهيم مدلهم لا تحتاج إلى دليل ولا إلى برهان وبيان، لأنها وحي منقول عن المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى 8 .

خلاصات

وفي الأخير نصل إلى بعض الخلاصات وهي:

– أن إقامة الخلافة الإسلامية فريضة عازمة على كل مسلم. ففريضة عازمة على المسلمين أن يقيموا الخلافة الإسلامية. وهي هدف لن نبلغه بانتظار أن تنزل الخلافة مهيأة على حد سواء على كل الأقطار، في وقت واحد. لابد من البدء بالإمارات القطرية حتى تتحرر دار الإسلام تباعا إن شاء الله) 9 .

– أن الخلافة وهي وعد من الله مرحلة طبيعية لما يشهده العالم من فتن وحروب ودمار يصيب القريب قبل البعيد والصديق قبل العدو والحاضر قبل الغائب. فرض الله تعالى على المؤمنين الولاية والتناصر والتعاون. وإن تجديد الإسلام وإقامة الخلافة الإسلامية مسيرة شاقة لجند الله، تقاومهم قوى الشر المتضامنة المتألبة. فسبيل المؤمنين أن يتقدموا يدا في يد ويواجهوا قوى الباطل. وعلى جند الله أن يبسطوا يد الرحمة للمسلمين، ويبرهنوا للشعب بحملهم همومه، ورعايتهم لحقوقه، أن برنامج الحل الإسلامي إقامة مجتمع العدل والرحمة والكرامة).

على مستوى التنظيم تشاع مستلزمات الأخوة بين جند الله، يكرم بعضهم بعضا، ويصلحون ذات بينهم، ويسترون عورات الناس ما لم يكن فسق، أو بدعة قادحة في العقيدة، أو خيانة لأمانات الجماعة) 10 .

– أن الخلافة واقع ماثل تترقبه عيون المستضعفين في الأرض وأمتنا كم هائل منهم عبر العالم. الخلافة الإسلامية أمل كل المسلمين، ويراها غيرنا من مستكبرينا ومستكبري العالم الخطر الأخطر. هي في عينهم وفي حقيقة الأمر خروج أغلبية سكان الأرض من الاستضعاف؛ لأن كتلة العالم الفقير المستعمر المتخلف لن تجد بديلا عن التقلب بين الولاء لشرق الجاهلية وغربها إلا في الخلافة الإسلامية. يوم يتم التحرير، ويعلم العالم المستضعف أن نصرة المستضعفين ديننا وليس شعار سياسة).

وهذا يتصدى له ويمنعه الجاهليون. وعلى جند الله أن يعدوا القوة كما أمروا -لا سيما قوة الإيمان- ثم الله غالب على أمره) 11 .

– أن ما ستنتهي إليه التجارب الإنسانية في شتى المجالات والميادين والقطاعات، تبشر بالخلافة الثانية وتؤدي إليها، لأن الناس في حاجة إلى الرحمة والرفق والتعاون والمحبة والأخوة، وإلى العدل في القسمة والحكم والقضاء، وعبادة الله في الأرض، وهذا هدف الخلافة وغايتها.

– أننا مسؤولون أمام الله تعالى وأمام رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمام الرسل، ومسؤولون أمام الأمم الشعوب والملل، لتبليغ ما أمرنا بتبليغه إنقاذا للناس من الظلم والجهل والكفر والنار. وهذه هي المهمة التي تضطلع بها الخلافة، فهي إطار الدعوة ونظامها الشرعي العلني العام. فالخلافة الإسلامية وهي جوهر الحضارة الإسلامية المرجو بناؤها، ما هي بديل لحضارة المادة من حيث صناعتها وإنجازاتها الاجتماعية والسياسية والحياتية، بل تكون استمرارا على شكل جديد لنفس الحضارة المادية إن لم تكن الدعوة إلى الله، البالغة إلى كل إنسان، الملحة عليه، المتحببة إليه بالعيش الكريم تحت ظلها، والإيواء الكريم إلى كنفها، هي روح الحضارة ومهمة الخلافة. نحن المسلمين موعودون بالخلافة في الأرض لنعمرها، لكن عمارتها ليست مقصودة لذات العمارة، إنما عمارتها شرط ليعرف العبد ربه ويتهيأ للقائه بعد الموت. بهذا نحن قوة لا تقاوم) 12 .

ومسك الختام وتمام الكلام ما جاد به فهم الإمام حين يقول: علينا أن ننظر عاليا وبعيدا لنخطط حركة الإسلام، ونقودها في ساحات الجهاد، يجب أن نصحح المنطلق لئلا نتشتت على سطح الأحداث. آن لأمتنا أن تطمح طموحا عالميا رغم قصورنا الحاضر وانهزامنا الحضاري المؤقت. وليس لنا ما يميزنا عن شعوب الأرض عندما تقارن المقومات والوسائل إلا أننا حملة رسالة الله إلى العالم. قرآننا زادنا وسلاحنا. والله عز وجل ولينا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نموذجنا وإمامنا. فلكي نكون على مستوى المهمة التاريخية أمامنا وهي أن نسعى لإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة يلزم أن نعطي للإنسان، لكل إنسان، النموذج الحي الناجح للفرد السعيد والأمة المهيبة) 13 .


[1] سورة الحج: 41.\
[2] سورة الحج: 41.\
[3] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 449.\
[4] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 449.\
[5] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 449.\
[6] رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.\
[7] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 448.\
[8] سورة النجم: 3- 4.\
[9] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 60.\
[10] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 60.\
[11] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 446.\
[12] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 11.\
[13] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 10.\