أجرت يومية المساء في عددها ليومي السبت والأحد 17/16 أبريل 2016 حوارا شاملا مع الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، تطرق فيه لجملة من القضايا ذات الصلة بالأحداث الراهنة، خاصة ما يتعلق بمضوع الخلافة التي أسالت في الآونة الأخيرة كثيرا من المداد، وبعلاقة الجماعة بمختلف الأطراف في الميدان سلطةً وإسلاميين ويسارا… وبرؤية الجماعة لبعض القضايا كقضية “إمارة المؤمنين”، وما بات يسمى بـ”الإصلاح الديني”، إضافة إلى قضايا متفرقة يجمعها الاهتمام الذي توليه الصحافة والرأي العام، على السواء، بما يصدر عن الجماعة من مواقف.

وفي ما يلي النص الكامل للحوار.

أثار تصريحك الأخير حول الخلافة وضرب الأعناق ردود فعل قوية، هل يتعلق الأمر بتغير مفاجئ في تصورات الجماعة أم أنها زلة لسان جاءت في حمأة مناقشة الخلافة الإسلامية؟

اتهامي بالدعوة لضرب الرقاب محض افتراء. أنا نقلت الرواية ولم أتبناها أو أعقب عليها لأني موقن أن أغلب الناس يعلمون موقف الجماعة الرافض لكل أشكال العنف. ولم يثبت على أعضاء الجماعة ممارسة عنف وقد شوهدوا مرات متكررة مدة أربعة عقود كاملة يضربون من قبل القوات العمومية ويحرصون كل الحرص على السلمية. وذكري لهذه القصة كان الغرض منه تبيان حرص الصحابة على اجتماع كلمتهم وخوفهم من تداعيات أي فراغ في السلطة في دولة حديثة ولاسيما أن محيطها يعج بالمتربصين وقتئذ. ولا يتعلق الأمر بأي تغيير في منهاج الجماعة المناهض للعنف أيا كان مصدره أو فاعله، والداعي إلى الرفق والتواصل والتراحم والتعاون على الخير.

موقفك من الخلافة يتناقض تماما مع الإرث الفكري لمرشد الجماعة الراحل عبد السلام ياسين، حيث لم تكن الخلافة عنده مستندة على العنف وضرب الأعناق كما صرحت، بل على الاختيار الحر وعلى نبذ العنف، أريد أن أطرح عليكم سؤالا مباشرا: هل نفهم من هذا التصريح أن الجماعة اختارت طريق التصعيد ضد الدولة بعدما ما ازداد ما وصفتموه بـ”خنق” الدولة للجماعة المحظورة؟

دعني أنبه أن جماعة العدل والإحسان جماعة قانونية وليست محظورة وكثيرا من الذين يعلمون ذلك يصرون على وصف “الحظر” الذي تروج له السلطة ضدا على صريح القانون في هذا الباب. وهذا مخالف لمنطق الأمانة الإعلامية المنوط بها نقل الأمر كما هو وممارسة كامل الحرية في التعليق أو التحليل..

أما القول بالتصعيد فلم يرد في سلوكنا لا قديما ولا حديثا. ومنطلقات الجماعة ومبادؤها أصيلة وغير محكومة بأي مزاج أو ظرفية، ولم نغير منها شيئا. ومنذ تأسست الجماعة وهي تتعرض لأنواع مختلفة من التضييق من قبل السلطة، وما نعيشه الآن ليس جديدا علينا، بل يمكنني أن أقول إننا تأقلمنا مع هذه العراقيل نظرا لسمة الظلم وخرق القانون اللصيقة بممارسات السلطة تجاهنا من جهة، ونظرا لوضوح مواقفنا المبنية على العمل التربوي والدعوي والسياسي السلمي وعلى معاني الرفق والتدرج والتعاون مع غيرنا على كل خير، ونظرا كذلك لثبات وقوة مواقفنا المناهضة للاستبداد والفساد وعدم قبولنا الانخراط في حلبة الترويض المخزني التي أفسدت السياسة وكثيرا من السياسيين وضيعت على المغرب عدة فرص كان بإمكانها أن تكون منعطفا حاسما يستفيد منه الجميع في هذا البلد.

هناك من ربط ما قلته عن الخلافة بالتصور الذي تدافع عنه الدولة الإسلامية في العراق والشام، وأعتقد أن ضرب الأعناق إذا لم تطبق الخلافة يكاد يكون مشابها لما تؤمن به منظمة داعش…

نعوذ بالله من هذا التشبيه. وهل العدل والإحسان تأسست منذ عام أو عامين حتى يؤتى بهذا التشبيه العجيب الغريب؟ لقد بدأ الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله التأسيس العلمي والفكري التصوري لهذا المشروع في بداية السبعينات من القرن الماضي واستمر في هذا التأسيس طيلة عشر سنوات مع ما رافقها من اضطهاد وسجن لعدة سنوات بدون محاكمة. ثم انطلق العمل التنظيمي للجماعة عام 1981 مسترشدا بكتاب المنهاج النبوي ورافعا لللاءات التاريخية الثلاثة الثابتة المشهورة المعلومة في منهاج الجماعة وهي لا للعنف أيا كان مصدره وأيا كان فاعله، ولا للسرية والعمل في الظلام أو إظهار غير ما نضمر -نعوذ بالله-، ولا للتبعية التنظيمية أو السياسية أو غيرها لأي جهة، خارج المغرب كانت أو داخله. فالجماعة مستقلة في شخصيتها المعنوية وفي مواقفها وقراراتها واختياراتها.

ومازالت الجماعة وستبقى كذلك بإذن الله تعالى وفية لمبادئها. أما رجوعنا إلى مفهوم الخلافة الآن فلأن من تسمى به شوه حقيقته ومعناه وكان لابد من التوضيح قصد التمييز وكي تحفظ للمفهوم دلالته التحررية الجامعة.

إن الخلافة في الإسلام كما نتصورها وحدة اتحادية مستقبلية في الأمة شورية ديمقراطية معاصرة تأتي سلمية وطواعية مبنية على المحبة، وتتويجا لكيانات قطرية هي كذلك شورية ديمقراطية مبنية على الاختيار الحر وعلى العدالة الاجتماعية وعلى فصل السلط وعلى احترام حقوق الإنسان والحريات العامة.. إذن لا مجال لنظام يستمد روحه من الإسلام أن يقمع الناس أو يكرههم على اختيار معين أو يصادر حقهم في اختيار من يحكمهم وكيف يحكمهم، وفي محاسبته وعزله إن اقتضى الأمر ذلك. ثم إنه ليس كل من رفع لواء الخلافة أو تسمى باسمها يعتبر بالضرورة نموذجا لها. العبرة بالجوهر الذي ذكرت بعض صفاته حتى لو لم يسم باسم الخلافة، قد يسمى اتحادا أو فيدرالية أو غيره. لكن إذا كان نظاما مستبدا كجل الأنظمة العربية والإسلامية فلن تنفعه المسميات التي قد يتدثر بها محاولا حجب جوهره القمعي التسلطي. فهل، مثلا، نترك كلمة الديمقراطية لأن بعض من تسمى ديمقراطيا يتصرف بسلوك مستبد؟ أما داعش فهي مجموعات عنيفة غامضة مجهولة التأسيس تضرب في كل اتجاه ولا علاقة لسلوكها بحقيقة الإسلام وبمقاصده وبرحمته. بل إن ما تأتي به يعمل على تشويه الإسلام وكأنها لم توجد إلا لهذا الهدف..

يبدو أن الجماعة فقدت مرشدها وموجهها الفكري، فمنذ رحيل عبد السلام ياسين، بدا عليكم الكثير من التخبط بدليل أن خروجكم الأخير، جعل حتى من كانوا يدافعون عن حقكم في الوجود، يهاجمونكم بقوة، بمعنى آخر، هل تفتقد الجماعة لرجل الفكر القادر على ضبط التوازنات؟

أين يتجلى هذا التخبط؟ نحن لا نعاني من أي شيء من هذا القبيل. وبالعكس الذين يتواصلون معنا في ازدياد. أما الذين هاجمونا فأغلبهم جهات مغرضة ومتربصة اجتزأت الكلام عن سياقه وحاولت النيل من الجماعة وكيل تهم باطلة لا صلة للجماعة بها. لكن عتابنا لمن كتب بحسن نية ولم يتبين ولم يتصل بنا للتوضيح وانساق مع ما أرادته الحملة المخزنية من محاولات التشويه. مع العلم أن بعضهم خبر هذه الدسائس ولا ندري كيف انطلت عليه الحيلة؟

أما عن الجماعة بعد رحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله فإننا نشهد أن الرجل قد كتب ونظر وأسس ونظم وربى. وأمد الله في عمره حتى رعى غرس هذه الجماعة، وشهد في حياته رحمه الله مؤسسات الجماعة قائمة برجالها ونسائها قوية ومتراصة ومتطاوعة ومنسجمة وشورية ديمقراطية ينتخب مسؤولوها من أصغر حلقة في حي أو دوار إلى المكاتب المركزية للتربية والدعوة، والأمانة العامة ومجلس الإرشاد. وأغلب الناس يعرفون الإمام عبد السلام ياسين مربيا ومنظرا، لكنهم لا يعلمون كفاءته العالية رحمه الله في مجال التدبير وإرساء العمل المؤسساتي والتي استفادت منها الدولة عندما كان إطارا مشهودا له بذلك، قبل أن تستفيد الجماعة من هذه الكفاءة استفادة كبرى كي يتناغم الامتداد الدعوي والتنظيمي مع تقدير العمل المؤسساتي وتفعيله وتجويده واحترامه. وقد توفي رحمه الله مطمئنا بحمد الله على الجماعة. وإن هذه التربية ممزوجة بروح الوفاء جعلت مؤسسات الجماعة تستمر بعد وفاته على نفس النهج وبروح متجددة تواصل الفعل والعطاء. ثم إننا أينما نظرنا في أنفسنا أو فيما حولنا في لبنات الجماعة وجدنا أثرا طيبا مستمرا متجددا مصاحبا لنا من آثار الإمام المرشد رحمه الله. بل وفي كثير من الأحيان نشعر وكأنه حي بين أظهرنا رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عنا وعن الأمة كل خير. لهذا أقول بأن الجماعة لا تعاني من أي تخبط كما ذكرت في سؤالك ولها من الكفاءات العلمية والفكرية والتنظيرية والسياسية والاقتصادية والتقنية وغيرها ما هو معروف ومعلوم لكل متتبع لعملنا. وهذه الكفاءات تواصل عملها كل في تخصصه واهتماماته بما يفي بحاجات الجماعة ويسهم بما يتيسر، في ظروف الحصار المضروب على الجماعة، في تلبية ما يستطيعون من حاجات الأمة والحمد لله رب العالمين.

المتغيرات الإقليمية والدولية ونجاح النموذج المغربي في التدين، منح مؤسسة إمارة المؤمنين قوة كبيرة وأظهرها بمظهر المؤسسة الحامية للبلاد من كل أشكال التطرف المنتشرة في مناطق عربية أخرى، بل وأحرزت إشادة من دول عالمية، ألم يحن الوقت لتغير الجماعة موقفها من إمارة المؤمنين بالمغرب؟

من حيث المبدأ المقارنة لا ينبغي أن تكون مع من هم أسوأ منا، بل مع من لهم ظروف كظروفنا وتقدموا. وكذلك المقارنة مع من هم أفضل منا. أما التدين الذي نفهمه في الإسلام وتكون لإمارة المؤمنين مهمة السهر عليه هو نشر الفضيلة ومعاني الصدق والعدالة الاجتماعية والأمانة وحفظ الكليات الخمس والعدل في الحكم وفي القضاء وفي تقسيم الأرزاق عبر تكافؤ الفرص وحق الشعب جميعا في الثروة الوطنية، وحفظ هذه الثروة من التبذير ومن التهريب بملايير الدولارات نحو عدة مناطق معلومة ومجهولة في العالم، واستقلالية المساجد عن السلطة وعن التيارات السياسية ومحاسبة الحاكمين.. فأين يتجلى هذا النموذج المغربي من هذا التدين؟ وأين نجاحه؟ وأين دور إمارة المؤمنين في رعايته؟ أين حفظ مال الأمة؟ وأين حفظ العقل من المخدرات؟ وأين حفظ العرض من الفساد والإفساد؟ إذا كان يقصد بنجاح النموذج المغربي في التدين هو احتكار تدبير ما يسمى الشأن الديني وتكميم أفواه العلماء وتنميط المواعظ وخطب الجمعة وترهيب الخطباء ورعاية “إمارة المؤمنين” لمهرجان موازين الذي تصرف عليه الملايير من قوت الشعب ويرقص ضيوفه شبه عرايا على القنوات التلفزية الرسمية، والملايين من الشعب المغربي تعاني الفقر والحرمان.. إذا كان هذا هو المقصود بالنجاح الذي نريد تصديره للغير فبئس النموذج. ثم من يحمي البلد من التطرف؟ هل يحميها هذا السلوك المستفز لتدين المغاربة ولمشاعرهم؟ أم تحميها سياسة التفقير والتهميش والإقصاء المتبعة في بلادنا والحلول دون نشر التصور الإسلامي الوسطي الذي يربي الناس على مناهج التدين الرحيمة الشفيقة المستنبتة في بيئتها المغربية؟ إن معظم ما تفعله السلطة يدعو إلى التطرف وإلى تفكير كثير من الشباب لهجرة البلد مع الأسف. الذي يحمي البلاد حقيقة بإذن الله من التطرف والجحود هو اتباع سنن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في التربية والرفق والرحمة بالخلق. وقد كان للأستاذ تبد السلام ياسين رحمه الله أثر حاسم عندما كان سباقا لتأسيس نهج اللاعنف منذ أواخر السبعينيات. عجبا لمن يطلب منك أن تغير موقفك أو تتغير كما حصل للبعض كي تتماهى مع وضع سياسي غير سليم، عوض طرح السؤال الحقيقي: هل الحاكمون في بلدنا مستعدون لتغيير يطابق فعلا الأسماء مع المسميات في سياق تغيير جدي شامل نحو الأفضل في بلدنا؟

ألا يمكن القول إن تصريحاتك الأخيرة هي محاولة يائسة للخروج من العزلة التي باتت تحاصر الجماعة؟

هذه التصريحات فهمت خطأ، بل تم تحوير مقاصدها في اتجاهات غريبة عن مبادئنا ومواقفنا وقد شرحت ذلك في كلمة مصورة موجودة حاليا على اليوتوب. ونحن لا نعاني من أي عزلة. كيف نكون في عزلة والإقبال الجماهيري علينا لا يتوقف، ولنا قوة حقيقية في المجتمع وفي حسابات السياسة الوطنية، والتقدير والتواصل والاحترام مع أغلب الهيآت الوطنية متبادل والحمد لله.

مشاركة حزب العدالة والتنمية في الحكومة وضع علاقة الإسلاميين مع الدولة على المحك، إذ يظهر أنها أثرت كثيرا في شعبية العدل والإحسان، وزجت بها في عزلة غير مسبوقة.

إذا كنا في عزلة فلم نحاصر ونضطهد؟ هذان وضعان لا يجتمعان. إن الذي في عزلة في تقديرنا هي السلطة باختياراتها الاستبدادية غير الشعبية.. وليس هناك أي تأثير على شعبيتنا. والدليل عزوف الأغلبية الكبيرة من الشعب عن المشاركة الانتخابية نتيجة لعدة أعطاب تكتنف الوضع ببلادنا، منها غياب إرادة حقيقية في الإصلاح، ومنها تقديم واجهة حكومية تتصارع مع ملفات قطاعية فرعية ينخرها الفساد المستمر الذي لا يستطيع أحد الاقتراب منه أو مساءلته.. وهذه الملفات مرتبطة بملفات استراتيجية استثمارية كبرى تديرها حكومة الظل المعلومة.. ومنها الجمع بين السلطة الحقيقية والثروة الفاحشة التي فاضت على بنوك سويسرا وباناما ولم ترحم فقراء المغرب ولم ترحم المحرومين من التعليم ومن الصحة والمعزولين في القرى النائية.

تدل تجربة العدل والإحسان في السنوات الأخيرة أنها أصبحت أقرب إلى أحزاب اليسار لاسيما النهج الديمقراطي منها إلى المكونات الإسلامية، هل تتقاسمون نفس المرجعية مع النهج؟

مرجعيتنا الإسلامية واضحة لا غبار عليها. كما أن مرجعية أحزاب اليسار واضحة أيضا في انطلاقهم من الاشتراكية. لكن اختلاف المرجعيات لا يمنع من التواصل والحوار والتعاون على القواسم المشتركة التي تنفع بلدنا، فنحن نعيش تحت سقف واحد، والتفكير في مصير البلد على ضوء الصعوبات الحالية المحلية والإقليمية والدولية يجب أن يكون جماعيا يضم كل غيور على هذا البلد وعلى تقدمه وتحريره من إصر الفساد والاستبداد.

العلاقة بين العدل والإحسان والسلفيين ما تزال مطبوعة بالكثير من الضبابية، فبينما كانوا يكفرون -أقصد السلفيين- عبد السلام ياسين، كانت الجماعة تهاجمهم في كل مناسبة.. كيف يمكن أن تقيم العلاقة بينكما؟

أولا لا أتذكر أننا في الجماعة هاجمنا السلفيين في مناسبة أو غير مناسبة. نعم تعرضنا لتهجمات منهم في عقد التسعينات عندما حاولت السلطة إيجاد صدام بيننا وبينهم، لكن فشلت هذه الخطة عندما أحجمنا عن الرد عليهم وقتئذ. وبعد أحداث 2003 في المغرب تعرضوا لمحنة رهيبة فأغلب من سجن وحوكم كان بريئا. وللأسف مازالت محنة مئات منهم مستمرة في السجون. ونحن كنا دائما إلى جانب أحرار البلد نطالب برفع الظلم عنهم ومازلنا.. فكل من نبذ العنف وتكفير المسلمين فنحن مستعدون للتواصل معه كباقي من نتواصل معه من فضلاء هذا البلد.

هاجم شيعة مغاربة مؤخرا الجماعة وموقفها من الخلافة، رغم أن الجماعة لم تعلن يوما عن موقف صريح منهم، علما أن الكثير من أعضاء الجماعة تشيعوا في وقت سابق..

لا نعلم كثيرا أو قليلا تشيع من الجماعة كما تقول. يمكن أن يحدث هذا لفرد أو بضع أفراد غادروا الجماعة منذ سنوات الله أعلم بهم. وهؤلاء الذين تتحدث عنهم يهاجمون الجميع، يهاجمون كل السواد الأعظم ذي التوجه السني في الأمة. وبلدنا المغرب أرض سنية بولاء أهلها عن قناعة راسخة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولآل بيته ولصحابته رضي الله عنهم أجمعين، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة الراشدون ساداتنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وقد حاولت عبر التاريخ دعوات ودول حتى، أن تنشر التشيع في بلادنا ولم تستطع لأن بلدنا استطاع أن يمزج في نسق عميق بين حب آل البيت وحب جميع الصحابة الكرام.. والأولوية الآن ليست للصراعات الطائفية في الأمة -والتي للأسف انجرت إليها دول وحركات- بل الأسبقية الآن لمواجهة الاستبداد والفساد ولحق الشعوب في العيش الكريم وفي الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية. ونحن ندعو عقلاء الشيعة ممن لا يطعن في الصحابة ولم يلوث يده بدماء الأبرياء إلى التعاون على إخماد نار الفتنة في الأمة.

لدى الجماعة حضور قوي جدا خارج المغرب، ولذلك توجه لها انتقادات واسعة بأنها لا تدافع عن ثوابت الوطن بقدر ما يقتصر عملها على معارضة النظام.

ينبغي تصحيح هذه الصيغة جيدا، الجماعة باعتبارها تنظيما مهيكلا لا يتجاوز وجودها حدود المغرب، لكن المنتسبين لمدرسة العدل والإحسان في فهم الإسلام وخصوصا في الأساس التربوي منه وما يرتبط به من سبل تزكية النفس وإخلاص العمل والتحلي بالأخلاق الفاضلة، هؤلاء ينتظمون في بلدان إقامتهم في جمعيات خاضعة للقوانين المنظمة للعمل في تلك البلدان وبكل شفافية ووضوح. يمكن أن نتبادل التعاون والتأطير، لكن لا دخل للجماعة في مؤسساتهم وفي قراراتهم. بصيغة أوضح لا مجال في تصورنا لأي شكل من أشكال التنظيمات الدولية العابرة للحدود. أما عن الدفاع عن قضايا الوطن فإن القصر قد أعفى جميع المغاربة من هذا الهم باحتكاره تدبير هذه القضايا الكبرى..

انخرط المغرب في مسلسل إصلاح ديني ترفضه الجماعة، بيد أن المثير للاستغراب أن عناصر كثيرة تنتمي للعدل والإحسان تشتغل داخل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بل إنها تضطلع بالخطابة من فوق “المنبر”، أليس هذا تناقضا ينطوي عليه موقف جماعتكم؟

قضية الإصلاح الديني أجبتك عنها. ووضع المساجد اليوم في المغرب يرثى له. ووزارة الأوقاف تتصرف في مال يقدر بملايير الدراهم أغلبه وقفه أصحابه لينفق على المساجد لعمارتها وصيانتها وأداء رواتب ومعاشات الأئمة والمؤذنين والقيمين والإنفاق على المدارس العلمية ومدارس تحفيظ القرآن، لكن للأسف يتم التقتير في الإنفاق في كل هذه الأبواب، ولا نعلم مصير المداخيل الضخمة المحصلة من هذه الأوقاف ومتى ستصرف في المجالات التي أوقفها عليها أصحابها. وكان ينبغي أن يتحلى من يهمه الأمر من حكومة وبرلمان بالجرأة الضرورية للسؤال عن مصير هذه الأموال. لكن يبدو أنه لا حياة لمن تنادي. أما قضية خطباء الجماعة فقد أراحتك الوزارة من الجواب إذ كل من يشم فيه رائحة الجماعة يتم فصله. وأنا شخصيا تم توقيفي عدة مرات إلى أن أوقفت نهائيا قبل سنوات. بل حتى مجموعة من الذين لا يخالفونهم سياسيا، ويحدث أن يحيدوا عن النهج المحنط الذي رسمته الوزارة يتم عزلهم وإيقاف رواتبهم ولا يفكر أحد في مصيرهم المعاشي والاجتماعي. وقد بلغ عدد الموقوفين في المجموع أكثر من 200 خطيب، ولا حق لهم في التظلم لمحكمة ابتدائية أو إدارية. ولمجرد خطأ بسيط أو شبه خطأ أو توهم خطأ أو خلاف في رأي أو مزاج يتم التوقيف النهائي الملغي لكل الحقوق.. عكس المجالات الأخرى التي قد ترتكب فيها الموبقات ولا تسمع عن عزل أو توقيف، إلا الخطيب المسكين فسيف الوزارة مصلت على رقبته.

لاحظت أنك كلما ذكرت الديمقراطية ربطتها بالشورى. هل من توضيح..؟

نحن موقفنا واضح أننا مع الآليات الديمقراطية التي تحترم قيم ودين المجتمع والتي تنص على القواعد والمبادئ المعروفة، كفصل السلط والاختيار الحر للشعب والتداول على السلطة والقضاء الحر والنزيه وكذالك الانتخابات الحرة والنزيهة والحريات العامة وحقوق الإنسان. ونحن أكثر من ذلك مع التوافق في المرحلة الانتقالية التي قد تطول أو تقصر، لا يهم، المهم هو بناء الثقة والطمأنة بين الفرقاء والتأسيس لنموذج شوري ديمقراطي حقيقي صلب وغير مهلهل، ينصرف إلى التنمية الحقيقية واستنفار كل طاقات البلد لأجل البناء والتقدم. ولا نرى أن الديمقراطية تشترط علينا من أجل الالتزام بهذه المبادئ أن ننسلخ من ديننا. كما أننا ضد احتكار أي كان للدين. فالدين دين المجتمع ككل. لا تحتكره السلطة ولا الحركة الإسلامية ولا غيرهما. وبهذا المعنى قد يدافع الكل أو البعض عن الدين أو عن قيمه لكن لا أحد ينصب نفسه أو ينصبه غيره ناطقا باسم الدين. وفي تصورنا للمستقبل ينبغي أن يكون تدبير الشأن الديني مستقلا كأن يعهد مثلا لجهة علمية دعوية مستقلة عن السلطة وعن الجميع ولها نفس المسافة منهم جميعا. أما عن مسألة ربط الديمقراطية بالشورى فهي -انطلاقا من مرجعيتنا- يجب، ونحن نمارسها، أن نستحضر فيها الإخلاص لله عز وجل حتى نتجاوز الأنانية والمصلحة الذاتية ونحرص على المصلحة العامة للوطن. كما ينبغي أن نمارسها بالمحبة في الله ورجاء الخير لكل الناس. والإخلاص والمحبة في تقديرنا تبنيهما التربية الإيمانية الحاضرة تلقائيا في مفهوم الشورى. وإنما الأعمال بالنيات. وقد يمارس الديمقراطية غيرنا انطلاقا من مرجعيات أخرى، لكننا نلتقي جميعا في احترام مقتضيات الديمقراطية والوفاء لالتزاماتها المشتركة بكل وضوح ومسؤولية.

سؤال أخير: ما رأيكم في هذه الأسماء:

عبد الإله ابن كيران؛ رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية

رجل نحترم غيرته على دينه ووطنه ونختلف معه في الاختيارات السياسية.

أبو بكر البغدادي؛ زعيم تنظيم داعش

مصيبة في هذه الأمة عندما تكون الزعامة في التكفير وسفك الدماء وخدمة سياقات ضد دين الإسلام وضد مصالح الأمة وفي السطو على مصطلح الخلافة قصد التغرير بفئات كثيرة من شباب هذه الأمة.

عبد السلام ياسين؛ مرشد الجماعة الراحل

مرب ومفكر نعتبره إماما مجددا -ولا نزكي على الله أحدا- رفع شعار السلمية والوضوح ومواجهة الظلم منذ بداية دعوته. وعاش وفيا لذلك ومات ثابتا على ذلك، وليس من السهل أن يموت المرء ثابتا على مبادئه لا يبدل ولا يغير، رغم كل ما تعرض له من أذى رحمه الله ورحم جميع موتى المسلمين.