إنه لا أبشع من تسويق الوهم! كما أنه لا أبشع من تشكيك الأمة في معتقداتها ونفث سموم الإحباط في أجيالها مُصادرة لحقها في العزة! وعليه، استخلاف الأمة الإسلامية حقيقة أم وهم وخرافة؟ وهل من سبيل ــــ والمسلمون على هم عليه من وهن وتخلف ـــ ليستعيدوا عزتهم المفقودة منذ قرون؟ وإذا كان كذلك، هل لتمكينهم واستخلافهم ــــ بالتعبير القرآني ــــ مسوغات ومبررات حتى لا يغدو تسلية لشعوب محبطة مثخنة بالهزائم والانتكاسات؟

نقرأ في القرآن الكريم كتاب الله ورسالته الخالدة إلى الإنسانية وعدا لعباده المؤمنين بالتمكين مشروطا بإقامة العبودية الحقة، يقول عز سلطانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا 1 . ونقرأ في السنة النبوية حديثا عدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مراحل تاريخ المسلمين: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون مُلكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”. 2 وحْـــيٌ مُـوحى صدقه التاريخ: نبوة ثم خلافة راشدة ثم مُلك عاض، ثم جبري تعيش الأمة كابوسه وتصارع معه مخاضا عسيرا استشرافا للنقلة التاريخية الاستثنائية: خلافة على منهاج النبوة تتأسس على الشورى والعدل والاجتهاد والجهاد بأبوابه الكثيرة تفتل في حبل بناء صرح الأمة وتخلصها من الغثائية، بتعبير حديث القصعة.

هذا عن الأسس العقَدِيَّــــة أن بعد دياجير المُلكين العاض والجبري تبزغ شمس العزة والاستخلاف، أما المرتكزات المادية والميدانية فتتخلص في:

ـــــ طبيعية متمثلة فيما حبا الله تعالى به ديار الإسلام من جاكارتا إلى طنجة من موارد وثروات مختلفة ومؤهلات فلاحية تكفي الحاجة وتزيد، ذلك أن الكفاية من الطعام والمواد الطاقية والمعدنية شرط وجوب في امتلاك القرار السياسي في عالم تنظم تحالفاته المصالح والمنافع.

ــــ بشرية ممثلة في هرم سكاني شاب هو عنوان العطاء والإنتاج، متى أحسن تأهيله ودمجه في مشاريع تحررية. وممثلة كذلك في هذه الخميرة العلمية المنبثة في مراكز الأبحاث العلمية في بلدان الغرب مستفيدة من شروط البحث العلمي ومناخه، وهي ـــ إن شاء الله ـــــ تكون ركيزة إقلاع تنموي وتوطين للتكنولوجيا.

ـــــ ميدانية تتجسد في يقظة الشعوب المستضعفة ومنها الإسلامية مطالبة بالتحرر والانعتاق من الاستكبار محليِّه وعالميّه، وليس حرص الغرب ــــ أنظمته وليس شعوبه ــــ على وأد ثورات الربيع العربي ودعم أنظمة الاستبداد إلا شعورا بجدية هذه اليقظة الشعبية.

هي إذن مؤشرات لاستخلاف الأمة وعزتها أو غيرها من المسميات ــــ إذ لا مُشاحّة في الأسماء ــــ فالأمور بجوهرها وحقيقتها، والاستخلاف والتمكين ليس استحواذا أو صراعا على السلطة، بل هو قدرة على العِمارة والإصلاح لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان… فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض وينشرون فيها البغي والجور وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض إنما هم مبتلون بما هم فيه أو مبتلى بهم غيرهم ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله…) 3

استخلاف وتمكين يعتبر تحريرُ الإرادة بعد تحرير العقول من آفة الانقياد للغرب فلسفته وفكره وثقافته شرطَ وجوب تعافيا من الهزيمة النفسية التي أضحى معها التتلمُذ على الغرب واقتفاء خطاه غاية أماني من تخرجوا من طواحين مدارسه، ذلك أن العطب الأفدح من تجزئة الأرض هو تجزئة الفكر وزحزحة الإيمان والهيمنة الثقافية التي صنعت وتصنع من بني جلدتنا بدائلَ ونظائر للمستعمر، على شكل فكره وشعوره وبِزته ونمط حياته وشُغْلِ عمره، يَخْلُفونَه من بعد انسحابه). 4

هزيمة نفسية وانسداد أفق نسي معه الناعون نهاية تاريخ الإسلام ــــ على حد تعبير فيلسوفهم ــــ كيف كانت شعوب أوروبا تتخبط في ظلمات الجهالة قرونا وسطى؟ وكيف نكّل بشعوبها الاستبداد؟ وكيف تطاحنت في حروب داخلية، قبل أن تتوافق على عقد اجتماعي ينظم شؤون حياتها؟ ترى، كيف كان سيُنظر لمن “يُبشر” الأوربيين وقتذاك أنهم سيتوحدون قوة اقتصادية وموقفا سياسيا على ما هم عليه اليوم؟ وقياسا عليه، لماذا يُستعظَم على الأمة مجرد التفكير في عزة مؤشراتها باديةٌ، يمثل الإسلام نقطة ارتكازها وخيطها الناظم؟ ولماذا يستكثر بعض مثقفينا على الأمة توحيدها على أساس المصالح الاقتصادية المشتركة؟

إن عزة الأمة الإسلامية أمل مشروع تقول به دراسات مستقبلية مستقلة، وإلا لماذا هذا التركيز على الساحة الإسلامية إذكاء لعوامل الفرقة بين مكوناتها وتمكينا لتصورات شاذة في فهم الإسلام تشوش على المشاريع التحررية للأمة؟ لماذا كل هذا الإصرار على مساندة ودعم الغرب أنظمته للاستبداد في أوطاننا، في الوقت الذي لا يرتضيه لشعوبه؟

استخلاف الأمة الإسلامية والتمكين لها وعد غير مكذوب، وليس وهْما أو خرافة أو تمني العاجز تسلية للنفس وتخفيفا من مآسي الواقع، بل هو مطلب الانسانية جمعاء وليس المسلمين فقط، إقامة لنظام عالمي أساسه العدل وغايته ضمان كرامة الانسان من حيث هو انسان بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو عرقه أو معتقده، وتخلصا مما راكمه الاستكبار العالمي من الويلات والمآسي تهدد السلم والاستقرار العالمي: فقر، أوبئة، اقتتال، استنزاف للمقدرات الطبيعية، تسلح نووي وكيماوي، تلوث بيئي.


[1] سورة النور: 53\
[2] رواه الإمام أحمد رحمه الله بسنده الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه\
[3] في ظلال القرآن (تفسير سورة النور) ــــ سيد قطب\
[4] العدل: الإسلاميون والحكم. عبد السلام ياسين. ص: 247\