أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ الجامعي الدكتور هشام عطوش، منسق وحدة الاقتصاد في المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، حول الظرفية الاقتصادية الحالية وتوقعات النمو خلال السنة الجارية خاصة بعد تصريح والي بنك المغرب الذي حددها في 1% مخالفا توقع الحكومة السابق 3%. هذا نصه:

إلى أي حد تبدو توقعات بنك المغرب للنمو الاقتصادي صائبة؟

انطلاقا من معطيات التقرير حول السياسة النقدية للفصل الأول من 2016 الصادر عن مجلس بنك المغرب، تحت رقم 38/2016 بتاريخ 22 مارس 2016، فإن معدل نمو 1% يبدو منطقيا بالنظر للتقويم الداخلي والخارجي الذي استدل به واضعوا التقرير، ومن ذلك أن المحصول الزراعي للحبوب الذي يتوقع أن لا يتعدى 38 مليون قنطار، أي بنقص 13,8% من القيمة المضافة الفلاحية مقارنة بسنة 2015 وركود حركية القطاعات الفلاحية في معدل نمو 2,9%. هذه الأرقام دفعت المجلس المذكور من باب دعم السيولة والقروض الممنوحة للاقتصاد حسب رأي ذات المجلس ليخفض سعر الفائدة الرئيسي لرابع مرة بعد سنة 2012 ليصل إلى أدنى مستوى قياسي له وهو 2,25% بعدما كان يساوي 3,25% في السنة المذكورة سالفا. لا ننسى هنا أنه منذ سنة 2014 ومعدل الاحتياطي النقدي الذي يجب على الأبناك أن تحتفظ به لدى بنك المغرب لا يتجاوز 2% بعدما كان يقدر ب 16,5% سنة قبل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية أي 2007.

بذلك يكون بنك المغرب قد استنفذ تقريبا ما يمكنه فعله بخصوص الوسائل التقليدية للتدخل في السياسة النقدية. ولم تبقى إلا بعض الهوامش الإجرائية الثانوية كما أوردها والي بنك المغرب في آخر عرض له حول الظرفية الاقتصادية الوطنية بأكَادير أمام المجلس الوطني للمقاولة بتاريخ 2 أبريل 2016.

عموما أخذا بعين الاعتبار تجربة المؤسسة فإن توقعاتها غالبا ما تقارب الصواب علما أنني أعتقد أنه بتحسن الزراعات الربيعية مع الأمطار الأخيرة ومضي المغرب في بعض الاستراتيجيات قد يضطر البنك المركزي للمراجعة الطفيفة للرقم في حدود تقريبا 0,5%.

ماذا عن توقعات المندوبية السامية للتخطيط والمؤسسات الدولية؟ وهل تتوافق مع ما ذهب إليه بنك المغرب؟

سبق للمندوبية السامية للتخطيط في الميزانية الاقتصادية التوقعية لسنة 2016 والصادرة بتاريخ 27 يناير من نفس السنة أن حذرت من تراجع النمو الاقتصادي إلى 1,3%؛ وذلك لتوقع انخفاض القيمة المضافة للقطاع الأولي ب 10,2% بعد زيادة بلغت 14,1% سنة 2015، ولعدم قدرة القطاعات غير الفلاحية من الرفع من مساهمتها إذ لن يتعدى نموها 2,2%. إذن توقعات المندوبية سابقة تفتل في نفس ما ذهب إليه بنك المغرب. وفي حال تدني النمو للمستوى المذكور فإن ذلك ستكون له عدة انعكاسات سلبية على الاقتصاد مقارنة بسنة 2015 نذكر منها: ارتفاع معدل التضخم ب 0,4%، وتراجع الطلب الداخلي ب 0,5%، وازدياد الدين العمومي الإجمالي بنقطتين ليصل 82,5% وهو حد مرتفع جدا دون الدخول في التفاصيل التقنية. ينضاف لذلك تراجع الطلب الخارجي ب 0,5%. ولم تغير المندوبية من موقفها خلال مارس متمسكة بأن إنتاج الحبوب لن يتعدى 40 مليون قنطار مما سيؤدي لفقدان 1,2% من الناتج الداخلي الخام.

ويبدو أن صندوق النقد الدولي في تقريرين حول المغرب (16.37 و16.38) صادرين في فبراير 2016 يتوقع لمتم سنة 2016 نمو اقتصادي بمعدل 3,1% معتمدا في ذلك على ما سيحققه المغرب في المتوسط ما بين 2015 و2016 من ربح في الموجودات الخارجية ناتجة عن تدني أسعار البترول وقد قدرها ب 5,7% من الناتج الداخلي الخام ونمو القطاعات غير الفلاحية ب 3,8% وتراجع الفلاحة ب 1,8%. وللغرابة نفس المؤسسة في تقرير آخر (mreo1015f) للتوقعات الاقتصادية الجهوية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا مضاف إليهما أفغانستان والباكستان تقول بأن المغرب سيحقق 3,7% نهاية 2016 (صفحة 34).

أكثر من ذلك رسم صندوق النقد الدولي مغربا ورديا إلى متم 2020 بأرقام نمو اقتصادي في كل القطاعات بما في ذلك الفلاحة تتجاوز 4%. فهل يا ترى الصندوق المذكور على صواب أم أن أهل مكة أدرى بشعابها؟ الجواب لن يعلم تماما إلا في يناير 2017، حينها سنتحقق إذا ما كانت مؤسساتنا لها من الدربة والدراية ما يجب أن يعترف به.

هل من رد فعل للحكومة والبرلمان أمام هذه التوقعات التشاؤمية؟

الظاهر أن ما ورد في ميزانية المواطن 2016 من تقدير لمعدل النمو لم يطرأ عليه أي تغير لاعتبار صانعي القرار أن 3% المتوقعة تستند لفرضيات واقعية منها 70 مليون قنطار! وقد أكد ذلك وزير الاقتصاد والمالية في عرضه بالبيضاء يوم 5 فبراير 2016 بل أكثر من ذلك أورد نفس الأرقام الوردية لصندوق النقد الدولي إلى حدود 2020 (صفحة 24 و25).

واعتمادا على ما نشر من تقارير، منها تقرير جلسة 297 من مداولات مجلس النواب للأسئلة الشفهية المتعلقة بالسياسة العامة الموجهة لرئيس الحكومة بتاريخ 2 فبراير، تبقى الردود تحوم حول المنجزات الايجابية فقط من قبيل أن قطاع السيارات أضحى أول مصدر (21% من إجمالي الصادرات) وذكر المليارات المخصصة لبعض القطاعات وتحسن بعض التصنيفات. وعلى الرغم من الاعتراف بأن الفلاحة تساهم ب 14% من الناتج الداخلي الخام وأنها مصدر عيش 75% من سكان القرى إلا أن الإجراءات الاستثنائية خارج مخطط المغرب الأخضر همت فقط إغاثة الماشية وحماية الموارد النباتية ودعم الفلاحة التضامنية بغلاف 5,3 مليار درهم. إذن لا من جهة البرلمان ولا الحكومة لا يظهر أن تداعيات التراجع على الإطار الماكرو اقتصادي استرعت انتباهما بما يكفي. هذا إذا علمنا مثلا أن النشرة الشهرية لإحصائيات المالية العمومية والمتعلقة بشهر فبراير تبرز بجلاء أن الوضع مقلق: تراجع للضريبة على الشركات ب 15,5% وللضريبة على القيمة المضافة المحصلة بالداخل ب 8,3% في الوقت الذي ارتفعت فيه المديونية الداخلية ب 2,4% خلال شهرين فقط لتبلغ 483,1 مليار درهم. علما أنه في المقابل وبنفس الوزارة أصدرت مديرية الدراسات والتوقعات المالية نشرة النتائج الأولية لسنة 2015 الصادرة في 14 مارس ونشرة الظرفية 229 الصادرة في 17 مارس لا تتضمنان على العموم إلا أرقاما وردية تبعث على التفاؤل. فمن نصدق يا ترى؟

للتوجيه فقط، البحث الشهري رقم 110 لفبراير 2016 حول الصناعة الذي قام به بنك المغرب أظهر على العموم ركودا للإنتاج ونقصا في المبيعات وهذا يتناغم مع معطيات الخزينة العامة.

ما موقع المقاولات والأسر من كل ما يتوقع؟

توقعات أرباب المقاولات حسب البحث الميداني للمندوبية السامية للتخطيط برسم الفصل الأول 2016 والصادر في مارس الأخير إما تشاؤمية أو في أحسن الأحوال مستقرة. الاستثناءات التفاؤلية همت فقط الصناعة الاستخراجية وتجار الجملة في الوقت الذي يرى أكثر من نصف المقاولين المستجوبين في بعض القطاعات كالطاقة والبناء والخدمات النفعية غير المالية والصناعة التحويلية أن السوق لا تبشر بخير. وقد كان الاتحاد العام لمقاولات المغرب في آخر مؤشر صادر له حول الظرفية في الفصل الثالث 2015 قد بين أن انتظارات المقاولات لمواجهة الأزمة متعددة وعلى رأسها تسهيل التمويل لمواجهة إشكالات السداد وتحسين الإجراءات الضريبية وتشجيع الاستثمار ودعم التصدير.

بالنسبة للأسر في غياب معطيات جديدة يكفي التذكير أن الحذر هو سيد الموقف. فحسب المذكرة الإخبارية للمندوبية السامية للتخطيط الخاصة بنتائج بحث الظرفية لدى الأسر خلال الفصل الثالث من سنة 2015 لم تكن الآراء مطمئنة وأذكر بالحرف الخلاصات الواردة: إحساس بتدهور مستوى المعيشة؛ توقع بارتفاع أقل حدة للبطالة؛ رأي متحفظ للأسر بخصوص فرص شراء السلع المستديمة؛ إحساس بتحسن الوضعية المالية؛ استمرار تشاؤم الأسر فيما يخص قدرتها على الادخار في المستقبل؛ توقع ارتفاع أقل حدة لأثمنة المواد الغذائية.

أزيد من 10 سنوات من الاستراتيجيات والمشاريع الكبرى المكلفة ألم تكن كافية لضمان استقرار معدل النمو الاقتصادي؟

مغرب أخضر، تسريع صناعي بعد محاولة الإقلاع، سياحة 2020، رواج، مرافقة تعاونية… إذا غيبنا منطق الكلفة المقدرة بملايير الدراهم المصرفة والمبرمجة واقتصرنا على الربح المعلن في تصريح وزير الاقتصاد والمالية في فبراير 2016، فالظاهر أن عطاء بعض المهن العالمية للمغرب 3M والتي شقت طريقها للأرقام الايجابية من قبيل قطاع السيارات الذي أضحى المصدر الأول من حيث القيمة غير كافي في الوقت الحالي لتغطية العجز الاقتصادي الناجم عن شح الأمطار.

مثال آخر عن قلة جدوى بعض الاستراتيجيات أو إشكالات تنزيلها قطاع السياحة الذي أصبح التوجه الأساسي لتعويض تراجع السياحة الخارجية هو السياحة الداخلية حسب ما جاء على لسان وزير السياحة والمتضمن في محضر جلسة 2 فبراير 2016 بمجلس المستشارين صفحة 20. حيث أورد أن نمو السياحة الخارجية تراجع من 8% سنة 2013 إلى 2% سنة 2014 إلى -1% سنة 2015. ونتساءل هل فعلا السياحة الداخلية ستنتعش أكثر في ظل تراجع القدرة الشرائية.

علما أن فاتورة استيراد المحروقات استفادت من الانخفاض الحاد للأسعار الدولية ألم يكن ذلك ليرفع معدل النمو بحكم انخفاض جزء من التكاليف؟

هذا كان ليكون صحيحا لو أن تركيبة أسعار المحروقات معلن عنها لمعرفة الأسعار الحقيقية التي يجب أن تكون في المحطات. لكن والحالة هذه، ورغم وجود بعض التدني الناتج عن تراجع الأسعار الدولية إلا أنه غير كاف ليغطي التأثير المهم الذي يتركه تراجع القطاع الفلاحي ولا ركود الطلب الداخلي.

النقطة الإيجابية تهم تحسن معدل تغطية الصادرات للواردات وارتفاع الموجودات الخارجية (8 أشهر من الواردات) خاصة وأن قطاع السيارات حسن مردودية الصادرات حيث حقق تصديريا 49 مليار درهم سنة 2015.

هل قرار بنك المغرب بخفض سعر الفائدة الرئيسي يحل المشكل؟

بداية سعر الفائدة الرئيسي والذي ينطبق على تمويل الأبناك لدى بنك المغرب هو أحد دعامات السياسة النقدية والتي ميزتها الأساسية الظرفية وقصر مدة التأثير على الثوابت الاقتصادية ذات الطابع الهيكلي. والظاهر أن توقعات الحكومة والتوقعات المضادة غالبا لبعض مؤسسات الحكامة توضح بجلاء أن استدامة النمو الاقتصادي في حدود تمكن فعليا من التنمية غير ممكنة. إذ أن التذبذب مع الأمطار يبقى هو سيد الموقف على الرغم من التقدم الحاصل في بعض الصناعات وبعض المزروعات السقوية. بلغة الأرقام تخفيض سعر الفائدة الرئيسي من 2,50% إلى 2,25% ميكانيكيا المراد منه تخفيض كلفة إعادة تمويل المؤسسات المالية ومن تم إمكانية منح قروض للاقتصاد (الدولة والمؤسسات العمومية والمقاولات والأسر) أقل تكلفة مما يرفع الاستثمار والاستهلاك ومن تم يدعم النموذج التنموي للمغرب المبني على الطلب الداخلي. هذا الأنموذج التسطيحي لا يمكن أن يشتغل تلقائيا بهذا الشكل لتعقد آليات القرار الاقتصادي لدى كل فاعل على حدى وحتى إن افترضنا جدلا بفاعليته فإن النمو الاقتصادي المبني على الاستدانة المفرطة لا يعدو أن يكون إلا سحابة صيف حالما تنقشع تبدو الشمس المحرقة للسداد.

لنوضح قليلا أسباب عدم جدوى القرار على المدى المتوسط:

1) الأبناك تعتمد في سياستها الاقراضية على أكثر من النصف في مواردها المالية على الودائع القصيرة المدى غير المكلفة (ما يناهز 900 مليار درهم) ولا تلجأ لتسبيقات بنك المغرب لسبعة أيام إلا لتغطية 5% من حاجياتها.

2) الأبناك الأربعة التي تتحكم في ثلثي السوق تتقاسم هذا الأخير دون الحاجة للتنافس الشرس ولا تغير أوتوماتيكيا أسعار فائدتها علما أن هذه الأخيرة تتغير بعوامل أخرى من قبيل الآجال وطبيعة القرض وطريقة الحساب…

3) بين تقرير بنك المغرب الذي أوردنا مراجعه في بداية الحوار أن الأبناك تكتفي بخفض أسعار فائدتها فقط بالقدر الذي يقوم به بنك المغرب أي أنها لا تمس بهامش ربحها.

4) إشكاليات السداد والاسترداد خلال السنوات الأخيرة والتي اعترف بها بنك المغرب في تقاريره النقدية الأخيرة تجعل الأبناك لا تعطي إلا للمضمون بعائد مريح وهو هنا سندات الخزينة.

5) ارتباطا بالنقطة الأخيرة ارتفعت خلال السنة الأخيرة القروض الممنوحة للدولة ب 2,8% في حين تراجعت مثلا تلك الممنوحة للمقاولات ب 2,2% وهذا يعني أن الدولة تسحب جزءا من بساط القروض من تحت أرجل المقاولات علما أنها تعيد دعم بعضها بالإعانات.

6) معلوم اقتصاديا أن في إطار الأزمة وتوقع الأسوأ لا تلجأ الأسر والمقاولات للاقتراض خوفا من تقلبات الأسواق بشتى أنواعها بما في ذلك سوق الشغل، وهنا من الضروري القول بأن توقع المندوبية السامية لمعدل البطالة الوطني متم سنة 2016 سيرتفع ب 0,6% أي طوابير إضافية من العاطلين تنضاف إلى تلك التي قال بها بنك المغرب حينما نص في تقريره لسنة 2014 أن النمو الاقتصادي بالمغرب ليس بالضمن مشغلا.

تطول اللائحة وما هو هيكلي لا يمكن مواجهته حقيقة إلا بسياسات هيكلية مندمجة واضحة المعالم ومصاغة بالتوافق لتفادي ردود أفعال المقصيين ويكفي ذكر دعوة المركزيات النقابية لإضراب عام يوم 10 أبريل 2016 للاستدلال على ما نقول وإن كانت قد علقته بدعوى الحفاظ على الحوار الاجتماعي الجاد والمسؤول.