جاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة في الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله”.

نرى تجليات هذا الحديث الشريف في واقع الأمة الذي عاشته منذ مقتل سيدنا علي كرم الله وجهه، وما زالت تعيشه إلى يومنا هذا، نقف مع هذا الحديث النبوي الشريف وقفة نحاول فيها إن شاء الله تعالى مناقشة ما جاءت فيه من أوامر ونواهي.

جاء في بدايته أمر نبوي ينهى عن الرشوة، هذا الذي صار أمرا عاديا في إداراتنا ومؤسساتنا، كيف لا والنظام فاسد من أصله، الحكام يتعاملون بها وحاشيتهم وسكتها ماضية إلى أصغر موظف في دولتهم إلى من رحم ربي، فيأتي صلى الله عليه وسلم ليبين لنا أنه لا يمكن الابتعاد عنها وتركها لسبب الفقر والحاجة، فلن يمتنع عنها إلا من كان قلبه ممتلئ بتقوى الله ومتعفف للحفاظ على عرضه ودينه، فإن تحقق هذا تم الامتناع عنها.

بعد هذا يصور لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مشهدا لمستقبل الإسلام، إذ قال عليه السلام “ألا إن رحى الإسلام دائرة” فمن حكمته صلى الله عليه وسلم أن شبه الإسلام بالرحى، لماذا؟ فهذه الأخيرة لها نقطة انطلاق تتحرك منها وتعود إليها، ولتكتمل الصورة يجب أن ننظر فيما جاء بعد هذا التصوير النبوي الحكيم حيث يليه في قوله صلى الله عليه وسلم “فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب” إذن من هنا تفهم على أن السلطان والقرآن كانا متلازمان غير مفترقان، حيث كانت القاعدة التي تدور عليها رحى الإسلام هي القرآن والحلقة التي تدور عليه هي السلطان، لكن الانحراف وقع عندما دار السلطان على أساس غير القرآن، وانفصل الدين عن السياسة، وأصبحت الشعارات الغربية تنخر في الأمة الإسلامية كاللاييكية والتقدمية والاشتراكية… إلى غير ذلك من العبارات والألفاظ التي لا تمت لهويتنا بصلة.

ويأتي الحبيب صلى الله عليه وسلم ويوضح لنا صفة هؤلاء الأمراء الذين انحرفوا عن طريق القرآن، فيقول: “ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم” هنا نجد أنفسنا أمام صورة واضحة لا لبس فيها، صدق الحبيب صلى الله عليه وسلم في قوله، نرى في واقعنا أن حكام أمتنا يقضون لأنفسهم وعائلاتهم مالا يقضون لشعوبهم من المسلمين وغيرهم. انظروا إلى السيسي في الوقت الذي يقول فيه إن على مصر تعيش وضعا اقتصاديا حرجا، تفرش لسيارته وموكبه السجادات الحمراء في الطرقات، لم تعد الزرابي تفرش للقدمين فقط بل حتى السيارات أصبحت تمشي فوق الزرابي، في حين أن المسلمين لا يجدون ما يلبسون ولا ما يأكلون ولا سكن ولا تعليم ولا صحة … هذه فقط دويلة في بلاد المسلمين انظروا ما تعانيه من ظلم وجور، ناهيك عن الأخريات… دعونا نأخذ مثالا آخر هو المغرب، هذا البلد من الله عليه بكثير من الخيرات لا عد ولا حصر لها، هل تظهر على سكانه؟ لا للأسف سيتساءل القارئ أين تذهب هذه الخيرات؟ الجواب هو أنها تذهب إلى المسؤولين فيه من أكبرهم إلى أصغرهم، حيث أصبح الشعب المغربي مفقرا بامتياز؛ ففي التقرير العالمي حول التنمية البشرية الذي يعده برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية بنود PNUD والذي غطى الفترة ما بين 2007 و2008 احتل المغرب الرتبة 126 من بين 177 بلدا فيما يخص التنمية البشرية، بينما وصلت نسبة الفقر فيه إلى1 .18% الأكثر من ذلك أن أزيد من خمسة ملايين مغربي يعيشون بعشرة دراهم في اليوم أي أقل من أورو واحد والحد الأدنى القانوني للدخل اليومي لا يتجاوز 55 درهما أي خمسة أوروا، وما يزيد الطين بلت أن المديونية العمومية للمغرب سنة 2008 قفزت من نسبة 11 بالمائة إلى 11.9 مليار أوروا أي بنسبة 21 بالمائة من الناتج الوطني الخام في ظرف سنة واحدة. إذن أين هو فوسفاط هذا البلد وبحريه وفلاحته…؟ الجواب لكم.

إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا الدواء والأمر الذي سيبعدنا عن وسخ هؤلاء الأمراء الحكام الجبريين، حيث ينهانا صلى الله عليه وسلم من إتباعهم ويقول عليه الصلاة والسلام أنه باتباعهم سنضلل عن طريق القرآن والحق عز وجل، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن كيفية عدم اتباعهم قال: “كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله”.

وهنا يأتينا صلى الله عليه وسلم بعبرة لأصحاب سيدنا عيسى عليه السلام لما عذبوا لكن صبروا وفوضوا أمرهم لله، وإذا قرأنا هذه العبرة جيدا نجدها تأمر بالجهاد في سبيل الله لا أقول العنف ولا أدعو له ولا أقول الإرهاب ولا أعترف به، ولكن أقول الجهاد والصبر ونحن الآن في هذه المرحلة نحتاج إلى جهاد مهم لنبتعد عن ظلم هؤلاء الطغاة وهو جهاد النفس وأقصد به التربية، إن تربينا على طاعة المولى عز وجل وطلب وجهه والرفق بخلق الله واللين معهم، وأن نتقيد بما قيدنا به الشرع الحكيم من خير ورحمة وصبر على الابتلاء، فسنصنع لهذه الأمة جيلا يحررها من قبضت الجبر والظلم، وكل هذا بكلمة واحدة تجدد وتطهر وتربي وتنور وتوجه صاحبها لطلب وجه الله هي، لا إله إلا الله.

إن الناظر إلى تاريخ الدولة الإسلامية سيستشف كيف انقلبت المرحلة من خلافة إلى ملك عاض ثم إلى ملك جبرية، وكيف انقسم العلماء من علماء حق وعلماء بلاط أو سلطان، من ثبتوا على الحق منهم من عذب وسجن وقتل ومن انحرفوا مع السلطان عن القرآن أصبحوا يستخرجون الأحكام التي ترضي مواليهم من ملوك وسلاطين، لكن هذا الزمان إن شاء الله سيكون زمن التغيير بإذنه عز وجل، حيث برزت فيه الكثير من الحركات الإسلامية التي قامت لتوقظ الأمة من نومها الذي دام أزيد من 14 قرنا، ونختم بجزء من قصة محنة الإمام أحمد أحد بن حنبل أحد رجال هذه الأمة، قال أحمد في السجن: لست أُبالي بالحبس، وما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتْلاً بالسيف؛ إنما أخاف فتنة السَّوط، فسمِعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يَقع الباقي، فكأنه سُرِّي عنه، قالوا له في التقيَّة من الإجابة، فقال: فماذا تصنعون بحديث خبَّاب: “إنه كان فيمن كان قبلكم، يُؤتى بالرجل، فيُنشر بالمِنشار”، فأَيِسْنا منه، ثم أمر بخلْع ملابسه وضرْبه بالسِّياط، ويقول للجلاَّدين: أوجِع، قطَع الله يدَك، واستمرَّ ذلك التعذيب فترة طويلة والإمام صابرٌ مُحتسب، ثابت على عقيدته لا يَتزحزَح، ثم قال للجلادين: تقدَّموا، فلمَّا ضُرِب سوطًا، قال: بسم الله، فلمَّا ضُرِب الثاني، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلمَّا ضُرِب الثالث، قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلمَّا ضُرِب الرابع، قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا التوبة: 51.

إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

والحمد لله رب العالمين.