المعارضة، السلطة، الديمقراطية، مفاهيم متلازمة ومرتبطة ببعضها ولا يمكن الفصل بينها، فحيثما وجدت سلطة لا بد من معارضة تواكبها وتلازمها حتى لا تنحرف عن مقاصدها وأدوارها الطبيعية، كما أن المعارضة أيضا ترتبط بالديمقراطية ارتباطا وثيقا حيث تشكل جزءا من النظام السياسي الديمقراطي حتى قيل: لا ديمقراطية بدون معارضة موجهة وفعالة، ولا سياسة أصلا بدون تعددية، ومن التعددية تنبثق المعارضة… هذه الأخيرة تكون ندا للحكومة ومعارضا لها وبديلا عنها) 1 ولا يمكن أن تكون كذلك إلا في إطار نظم ديمقراطية تعترف بشرعية المعارضة وتحترم حقوقها وفي مقدمتها، حقها في التداول على السلطة) 2 .عرفت علاقة النظام المغربي بالمعارضة منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، تقلبات وتوترات تراوحت بين التوافق والاحتواء أو الاختلاف والإقصاء، مما جعل هذه المعارضة تتخذ مظهرين مختلفين، معارضة رسمية من داخل المؤسسات، موضوع هذا المقال، ومعارضة شعبية من خارج المؤسسات، موضوع مقال لاحق.

تؤطر ترسانة من القواعد والضوابط الدستورية والقانونية تواجد المعارضة من داخل المؤسسات كما تحدد نطاق ممارستها وتدخلها، مما يؤثر على فاعليتها ومصداقيتها.

لقد تم الاعتراف صراحة بوضع المعارضة البرلمانية وتمت دسترتها وتخويلها مجموعة من الحقوق والآليات حتى تؤدي دورها في بناء نظام ديمقراطي تعددي)، وتتجلى هذه الحقوق كما ينص على ذلك الفصل العاشر من دستور 2011 في:

– حرية الرأي والتعبير والاجتماع.

– حيز زمني في وسائل الإعلام الرسمية يتناسب مع تمثيليتها.

– الاستفادة من التمويل العمومي، وفق مقتضيات القانون.

– المشاركة الفعلية في مسطرة التشريع، لاسيما عن طريق تسجيل مقترحات قوانين بجدول أعمال مجلسي البرلمان.

– المشاركة الفعلية في مراقبة العمل الحكومي، لاسيما عن طريق ملتمس الرقابة، ومساءلة الحكومة، والأسئلة الشفوية الموجهة للحكومة واللجان النيابية لتقصي الحقائق.

– المساهمة في اقتراح وانتخاب الأعضاء المترشحين لعضوية المحكمة الدستورية.

– تمثيلية ملائمة في الأنشطة الداخلية لمجلسي البرلمان.

– رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع لمجلس النواب.

– التوفر على وسائل ملائمة للنهوض بمهامها المؤسسية.

– المساهمة الفاعلة في الدبلوماسية البرلمانية، للدفاع عن القضايا العادلة للوطن ومصالحه الحيوية.

– المساهمة في تأطير وتمثيل المواطنات والمواطنين، من خلال الأحزاب المكونة لها، طبقا لأحكام الفصل 7 من الدستور.

يجب على فرق المعارضة المساهمة في العمل البرلماني بكيفية فعالة وبناءة… 3

هذه الحقوق وضع لها المشرع الدستوري آليات للاستفادة منها وممارستها سواء في مجال التشريع أو في مجال الرقابة ومنها:

– حق سدس أعضاء مجلس النواب وربع أعضاء مجلس المستشارين في إحالة أي التزام دولي إلى المحكمة الدستورية للنظر في مدى مطابقته لأحكام الدستور 4 .

– اعتبار المعارضة مكونا أساسيا في المجلسين وتشارك في وظيفتي التشريع والمراقبة 5 .

– منح المعارضة البرلمانية حق رئاسة لجنة أو لجنتين على الأقل من بينها لجنة التشريع التي نص عليها الفصل العاشر 6 .

-تخصيص يوم واحد في الشهر لدراسة مقترحات القوانين ومنها طبعا تلك الصادرة عن المعارضة 7 .

– حق تشكيل أو المشاركة في تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق 8 مع إمكانية عرض تقاريرها على القضاء.

– إمكانية قبول ملتمس الرقابة إذا وقعه خمس أعضاء مجلس النواب وموافقة الأغلبية المطلقة عليه 9 وبالنسبة لمجلس المستشارين يمكنه طرح ملتمس المساءلة إذا وقع عليه خمس أعضاء المجلس وصوتت الأغلبية المطلقة لصالحه 10

إنها حقوق وآليات تبدو في ظاهرها متقدمة ومقبولة قد تغني عن البحث في قوانين أخرى مؤطرة لعمل المعارضة السياسية خصوصا القانون التنظيمي للأحزاب 11 هذا الأخير الذي يبقى دوره منحصرا في تنزيل المقتضيات الدستورية وترجمتها وبالتالي لا يمكنه أن يتعارض معها أو أن يخرج عن إطارها…

لكن، وبالرغم من كل ذلك، لا يمكن فهم وتقييم دور المعارضة البرلمانية دون ربطه بدور كل من المؤسسة التشريعية والمؤسسة التنفيذية على السواء وعلاقتهما بالمؤسسة الملكية في إطار المشهد السياسي العام، وأثر ذلك على دور وفاعلية الأحزاب السياسية بالرغم من إقرار تعدديتها…

لا يختلف اثنان على أن المؤسسة الملكية هي الفاعل الرئيسي والمحوري في كل الحياة السياسية المغربية دون أن يكون ذلك مقرونا برقابة أو محاسبة، كما أن باقي السلط ليست سوى مجرد هياكل تنفيذية لا حول لها ولا قوة، لا تملك من السلطة والاختصاص إلا ما فوض لها، وبالتالي فإن أي معارضة أو انتقاد لها يكون في غالب الأحيان مجحفا لأن فاقد الشيء لا يعطيه). نقول ذلك دون أن نبرأها من كامل المسؤولية مادامت قد ارتضت لنفسها لعب هذا الدور أو فرض عليها، خصوصا بالنسبة للأحزاب ذات الامتداد الشعبي والتاريخي والتي اختارت في منعطف تاريخي إدارة الصراع من داخل النسق كما يقول محمد ضريف مما أدى إلى انتصار الاستراتيجيا الاحتوائية) بل أدى كذلك إلى تحول في طبيعة المعارضة السياسية بالمغرب، إذ لم تعد هناك معارضة للحكم بل أضحت معارضة صرفة للحكومة، ولم يعد الصراع حول طبيعة نظام قائم بل انحصر في طبيعة سياسة حكومية متبعة، بل إن المعارضة للحكومة ستختزل في معارضة لوزارة الداخلية تحديدا 12 .

هكذا تحولت المعارضة من معارضة نظام الحكم إلى معارضة حكومة ليست في الحقيقة سوى أداة تنفيذية لا تصنع الخيارات الكبرى ولا ترسم السياسات العامة.

مركز القرار الفعلي مغلق وخارج نطاق المراقبة أو المحاسبة، رغم ذلك تبقى المعارضة تتحاشى تسمية الأشياء بمسمياتها والتوجه بالنقد المباشر إلى الحاكم الفعلي إما بسبب الخوف أو بسبب الاستفادة من هذا الدور الهامشي.

ينضاف إلى ذلك ضعف ومحدودية الصلاحيات المخولة للمؤسسة التشريعية خاصة في المجال الرقابي حيث أضحت مجرد غرفة تسجيل أو رجع الصدى لما تقرره الحكومة والحاكم، كما أن ضعف الإعلام الحزبي وتطويقه بمجموعة من الخطوط الحمراء، وتكبيله بالموقف والسقف وكذا التقاليد السياسية والمقتضيات القانونية يجعل دوره محدودا وأثره غير كاف لتحقيق التوعية والتعبئة وبالتالي خلق رأي عام يمكن من خلاله التأثير في السياسيات والقرارات العامة، ويتجلى الأمر أكثر بالنسبة للمعارضة.

تعاني المعارضة أيضا من واقع التشتت وعدم الانسجام والذي يصل أحيانا إلى حد التضارب والتنافر مما يعيق توحيد جهودها وطاقاتها، كما تعاني من افتقارها للمعلومات والمعطيات والأرقام التي تمكنها من تشخص الواقع بشكل دقيق وبالتالي كشف الخروقات وفضح التجاوزات… ناهيك عن ضعف طاقاتها وإمكاناتها البشرية والتقنية المتخصصة وتراجع مستوى التجنيد الحزبي وتجديد النخب…

من خلال كل ما سبق يتضح أن المعارضة من داخل المؤسسات السياسية الرسمية يبقى دورها محدودا ولا يحقق مفهوم المعارضة الحقيقية من حيث المراقبة والتقويم وكذا القوة الاقتراحية، مما يجعلها في الأخير أداة صورية تأثث المشهد السياسي الرسمي وتساهم في تلميع صورته وتسويق مشروعية ديمقراطية مزيفة.


[1] زين المراسي، تجديد مفهوم المعارضة السياسية وتداول السلطة والعلاقة بينهما، موقع درر العراق. www.dorar –aliraq.net/threads/157212\
[2] برهان عليون – الحوار المتمدن، العدد 2276، 9-5-2008. www.ahewar.org/\
[3] الفصل 10 من دستور 2011.\
[4] الفصل 55.\
[5] الفصل 60.\
[6] الفصل 61.\
[7] الفصل 82 – الفقرة 2.\
[8] الفصل 67 – الفقرة 2.\
[9] الفصل 105.\
[10] الفصل 106.\
[11] القانون التنظيمي رقم: 11-29.\
[12] محمد ضريف، المغرب في مفترق الطرق، قراءة في المشهد السياسي، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، م. س، ص104.\