بحلول شهر مايو من السنة الجارية 2016، تحل الذكرى العاشرة لتشميع بيوت نشطاء العدل والإحسان وقيادييها، وعلى رأسهم بيت الأستاذ محمد عبادي الأمين العام للجماعة، حيث تعرض ليلة الخميس 25 ماي 2006 على الساعة الحادية عشرة ليلا لاقتحام من الأجهزة الأمنية بعد كسر أبوابه بالعنف، واعتقاله رفقة من كان حاضرا معه بالمنزل على خلفية عقده لـاجتماع عمومي دون سابق تصريح)، وكذا بمصادرة جميع ممتلكاته التي كانت بالمنزل المذكور، وتشميعه وحجز سيارات زواره دون تقديم أي مبرر قانوني أو سند قضائي يخول لهم القيام بهذه الأفعال والإجراءات.

فهل قرار تشميع البيوت قرار تسعفه المنظومة الكونية لحقوق الإنسان وله مسوغ وسند قانوني؟ أم إنه لا يعدو أن يكون مجرد قرار تحكمي؟

التقويم الحقوقي لقرار التشميع

بتاريخ 08 يوليوز 2013، وبعد مرور 7 سنوات على واقعة تشميع بيوت نشطاء العدل والإحسان وجهت منظمة هيومن رايتس ووتش في شخص نائب مديرها العام بقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا السيد جو ستورك إلى وزيري العدل والداخلية المغربين مصطفى الرميد وامحند العنصر آنذاك، رسالة احتجاج على وقائع تتعلق بإغلاق منازل سكنية لمواطنين مغاربة بدوافع سياسية محضة لا علاقة لها بالقانون أو المنطق السليم.

وقد عبرت عن هذا الاحتجاج بصيغة قوية حيث قالت:

تكتب إليكم هيومن رايتس ووتش للاحتجاج على ما يبدو أنه إغلاق تعسفي تحركه دوافع سياسية لمنازل تعود لاثنين من أعضاء جماعة العدل والإحسان؛ بمن في ذلك الزعيم الجديد السيد محمد عبادي، ولم يسمح للمالكين بالوصول إلى منازلهم منذ عام 2006، عندما شمعتها الشرطة).

كما أشارت إلى أن أصحاب هذه البيوت ينتمون إلى جماعة العدل والإحسان، التي تدعي أنها حركة دينية وطنية في المغرب تعمل كجمعية مصرح بها قانونا، وأنها تتعرض لاعتقالات متفرقة لأعضائها بتهم مثل المشاركة في اجتماعات أو مظاهرات “غير مرخص لها”، وأنه من بين التدابير العقابية التي استخدمتها السلطات المغربية تجاه هذا التنظيم هو تشميع منازلهم على أساس أنهم استخدموها لاحتضان اجتماعات “غير مرخص لها”.

لتنتهي في الأخير إلى خلاصة مفادها أن قرار تشميع البيوت قرار مناف للمشروعية وغير متناسب مع طبيعة التهم التي من أجلها صدر هذا القرار، معبرة على ذلك بما يلي:

يبدو الإغلاق الطويل للمنزلين مرتبطا بـ”جريمة” عقد اجتماعات سلمية “غير مرخص بها”، الأمر الذي يجعل منه عقابا ليس فقط غير متناسب ولكن أيضا مخالفا للحق في حرية التجمع السلمي المعترف به دوليا والذي تكفله المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبموجب المادة 29 من الدستور المغربي لعام 2011).

وبخصوص منزل الأستاذ محمد عبادي قالت:

يبدو الإغلاق الطويل لمنزله على أساس استضافة اجتماعات “غير مرخص بها”، مثل قضية السيد عطواني، انتهاكا لالتزام المغرب بدعم حرية تكوين الجمعيات، وعلاوة على ذلك، يبدو أنه عقاب غير متناسب مع ما هو في الأقصى جنحة صغيرة، لهذا ندعوكم إلى تمكين السيد عبادي من أن يستعيد الاستفادة الكاملة من ملكيته، وتعويضه إذا ظهر من تحقيق أن الإغلاق كان تعسفيا، كما ندعوكم إلى الامتناع عن تشميع المنازل في المستقبل عندما تكون الجريمة المزعومة هي استضافة اجتماعات سلمية “غير مرخص بها”).

ونحثكم أيضا عند إغلاق المنازل على إبلاغ الأطراف المعنية كتابة بالأساس في القانون المغربي والإشارة إلى سبل المساطر القانونية المتاحة لهم).

وفي الختام طالبت الوزيرين بالرد العاجل على كتابها، والذي بقي إلى حد الآن دون جواب رسمي مقنع.

ونسجا على نفس المنوال عبرت مجموعة من المنظمات الحقوقية المغربية والدولية وشخصيات سياسية وبرلمانية ونقابية وجمعوية وفنية عن دعمها لملف البيوت المشمعة من خلال مشاركتها في القافلة التضامنية مع قياديي العدل والإحسان المشمعة بيوتهم خارج القانون، والتي نظمت يوم السبت 12 يناير 2013، التي انطلقت من العاصمة الرباط وحطت رحالها بعاصمة المغرب الشرقي مدينة وجدة، حيث اختتمت بندوة صحفية. ومن هذه المنظمات والشخصيات:

العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المركز المغربي لحقوق الإنسان، المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، الفيدرالية المغربية لحقوق الإنسان، جمعية عدالة، المنظمة الدولية للتحالف من أجل الحرية والكرامة AFD international، الأستاذ النقيب عبد الرحمان بن عمرو، الأستاذ خالد السفياني، الأستاذ عبد العزيز النويضي، الأستاذ أحمد ويحمان، البرلماني الاستقلالي عادل تشيكيطو، الأستاذ محمد الزهاري، الأستاذ عبد الإله بن عبد السلام، الأستاذ عبد العالي حامي الدين، الأستاذة أمينة بوعياش، محامون من هيئات الدار البيضاء والرباط وطنجة وتطوان ووجدة، ومحامون من بروكسيل، ومراقبون دوليون من بلجيكا وإسبانيا، وإعلاميون من المغرب وخارجه، دون أن ننسى تضامن منظمة هيومن رايتس ووتش.

إجماع حقوقي إذن من قبل المنظمات والهيئات والفعاليات الحقوقية وطنيا ودوليا على أن قرارات تشميع بيوت نشطاء العدل والإحسان تطعن في مصداقية الدولة المغربية حيال الأسرة الدولية بخصوص احترام التزاماته الحقوقية التي وقع عليها من خلال مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات الأممية.

التقويم القانوني لقرار التشميع

نظرا لخصوصية وأهمية وقدسية الحق في الملكية، باعتبارها حقا من الحقوق المدنية الأساسية، أفردها المشرع المغربي في دستور 2011 بفصل خاص، حيث نص على هذا الحق في الفصل 35 بقوله:

يضمن القانون حق الملكية، ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون… ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون).

وبرجوعنا إلى النوازل المعروضة علينا والتي هي محط تقييم حقوقيو قانوني نجد بأن جميع القرارات الآمرة بإغلاق بيوت نشطاء العدل والإحسان قرارات صادرة عن السلطات الأمنية بناء على تعليمات من النيابة العامة وتشميعها بدعوى عقد اجتماعات عمومية بدون تصريح، وليست صادرة عن أحكام قضائية، وهذا مخالف لمقتضيات الفصل 35 من الدستور المغربي المشار إليه أعلاه، ومخالف للقاعدة القانونية التي تقول بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص حسب ما أكده الفصل 3 من القانون الجنائي الذي جاء فيه:

لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون).

وهذا ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف بالناظور بمناسبة محاكمة أحد أعضاء جماعة العدل والإحسان وهو الأستاذ جمال بوطيبي من أجل عقد اجتماعات عمومية وكسر أختام وذلك في قرارها عدد 271 الصادر بتاريخ 22 فبراير 2007 في الملف رقم 1/2007 الذي جاء فيه: بالنسبة لكسر أختام موضوعة بأمر من السلطة العامة).

حيث إن الشرطة القضائية قامت بإغلاق منزل المتهم وتشميع بابه بناء على تعليمات الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالناظور وأن المتهم قام بفتح المنزل بعد أن قام بكسر الختم، وحيث إن إغلاق المحل أو المؤسسة التي استغلت في ارتكاب الجريمة يعتبر من التدابير الوقائية العينية طبقا للفصل 62 من القانون الجنائي ويجب أن تقضي به المحكمة التي تصدر العقوبة الأصلية والحال أن إغلاق منزل المتهم كان بأمر من الوكيل العام للملك وقبل صدور الحكم من أجل الأفعال المتابع بها المتهم).

وحيث إنه بمراجعة ظهير 15/11/1958 المتعلق بالتجمعات العمومية يتضح أنه لا يتضمن كتدبير وقائي إغلاق المقرات أو المحلات التي تعقد فيها التجمعات العمومية بدون تصريح وعليه يبقى أمر إغلاق منزل المتهم عمل غير مشروع وبغض النظر عن قيام المتهم بكسر الختم الموضوع على منزله أو عدم قيامه بذلك فإن الدخول إلى المنزل بعد كسر الختم من طرف المتهم يبقى مبررا مادام أن وضع الختم بداية كان من جهة غير مخولة قانونا للقيام بهذا التدبير وقبل صدور العقوبة الأصلية).

وحيث إنه استنادا إلى ما ذكر تكون جنحة كسر أختام موضوعة بأمر من السلطة العامة غير ثابتة في حق المتهم وأن الحكم المستأنف عندما قضى بإدانته من أجلها كان مجانبا للصواب ويتعين إلغاؤه في هذا الجانب).

مؤدى حيثيات الحكم المستدل به أعلاه يجعلنا والحالة هاته أمام اعتداء مادي على ملكية نشطاء العدل والإحسان، بل أمام فعل تنكره المنظومة الكونية لحقوق الإنسان ويجرمه القانون الوطني والدولي ويعتبره شططا في استعمال السلطة ويوقع على مرتكبيه جزاء وعقابا مشددا تصل إلى غاية العزل من الوظيفة والتجريد من الحقوق الوطنية.

ختاما نشير إلى أن الأجهزة الأمنية المغربية عمدت إلى تشميع بيوت ومقرات العدل والإحسان في إطار مسلسل التضييقات والمحاكمات التي انتهجتها وأطلقتها على أعضائها ونشطائها وقياداتها منتصف عام 2006، حيث وصل عدد الأعضاء الذين زج بهم في مخافر الشرطة وسجون المملكة في ظرف 5 سنوات من يونيو 2006 إلى غاية مارس 2011 إلى 7232 عضوا، من بينهم 1167 معتقلة من نساء العدل والإحسان، ناهيك عن الطلبة والأطفال القاصرين ليصل مجموع المتابعين منهم إلى 1288 شخصا.

هذه الحرب الشعواء على العدل والإحسان لم تكتف بالأحكام السالبة للحرية لأعضائها وأطرها وقياداتها بل اتخذت منحى آخر، وهو تشميع بيوت نشطائها ومقراتها ومنع مخيماتها وإثقال كاهل الجماعة بغرامات مالية ظالمة وقاسية وصلت خلال الفترة المذكورة أعلاه إلى مبلغ 5527215.00 درهم.

أخيرا نوجه نداء إلى من يهمهم الأمر في هذا الملف أن يتحملوا مسؤولياتهم حيال ما يقع من عسف وشطط في استعمال السلطة في حق نشطاء العدل والإحسان وأن يعيدوا أصحاب البيوت المشمعة إلى وضعيتهم الأولى مع تقديم التعويض والاعتذار لهم جراء ما اقترفوه من أفعال تحكمية في حقهم لا تستند لأي أساس قانونيو قضائي سليم مع تقديم ضمانات بعدم تكرار مثل هذه الخروقات الحقوقية والقانونية لأهم حق من الحقوق المدنية والجمعوية وهو الحق في التملك والتجمع.

الأستاذ محمد النويني: عضو هيئة دفاع أصحاب البيوت المشمعة.