في عالم يعيش الصراع على أشده، بين مختلف القوى والأطراف، يقف المشاهد على أحداث يومية أليمة تذرف لها العيون وتدمي لها القلوب من شدة هول المصائب والحواصب والويلات، حروب وانفجارات، قتلى وجرحى، تشريد وتهجير، ظلم وقمع، تجويع وتفقير، أمراض وأوبئة. ماذا يقول المشاهد الحائر المغلوب أمة والمهزوم نفسا؟

يقول: ما دام هذا هو حال العالم كله شرّ فهو إلى زوال، فيعلن بذلك عن نهاية العالم. وتتأكد له النظرة ويصدق له الحكم حينما يسمع علماء فلك ودعاة دين يشاركونه النظرة والحكم بأدلة علمية وأخرى دينية من الكتاب والسنة بذكر أشراط الساعة وأماراتها.

كتبت عبارة “نهاية العالم” على الباحث كوكل فوجدت 460000 نتيجة. مما يعني أن قضية نهاية العالم أرّقت العالم. وهذا الأرق في ما أعتقد ناتج:

– إما عن شدة التعلق بهذا العالم المادي فهم يخافون زواله لاعتقادهم لا بديل عن هذه الحياة.

– وإما عن خوفهم من عالم مجهول ينتظر الجميع ليس لهم به أدنى فكرة، أو لهم ولكن بضاعة مزجاة.

بينما المؤمن الشاهد بالقسط، فيشاهد كغيره من المشاهدين ويتألم للأحداث ويستنكر جميع أنواع الإرهاب ابتداء من إرهاب الأفراد وانتهاء بالإرهاب الدولي، ولكنه ما يميّزه عن غيره من المشاهدين أمران:

– الأول: أنه يرى الفاعل الحقيقي في كل ما يحدث في العالم ويجري على ساحته هو الله سبحانه وتعالى صاحب الإرادة الكونية والشرعية يفعل في ملكه ما يشاء ويسخر فيه الأحداث كيف يشاء لأمر يريده، يعلم الحكمة منه هو ولا نعلمها.

– الثاني: يؤمن إيمانا صادقا يصاحبه اليقين التام بما أخبرنا به الله ورسوله من أن مستقبل الإسلام آت لا محالة، وعد من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأن الذين يتحدثون عن نهاية العالم قبل هذا الخير الموعود به الأمة والذي سيملأ الأرض عدلا وإحسانا، إنما يتحدثون عن نهاية عالمهم هم الاستكباري والاستبدادي، وليس عالم أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآيات والأحاديث عن هذا الوعد الإلهي والنبوي كثيرة. وأكتفي هنا بدليلين:

يقول الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ 1 .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:“إن أول دينكم نبوة ورحمة. وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم يكون ملكا عاضا فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويُلْقِي الإسلام بِجِرَانِهِ (أي يتمكن) في الأرض، يَرْضَى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبته مِدْراراً، ولا تدع الأرض من نباتها وبركاتها شيئا إلا أخرجته” 2 .

لنضرب على هذا مثلا، فبالمثال تتضح الأمور. نتصور يرقانة (يسروعا) تمثل هذا العالم، الخلايا العاملة داخلها هم الناس العاملون المتحركون في هذا العالم. عندما تصل اليرقانة إلى مرحلة الشرنقة يبدو للخلايا المكونة للجدار أن الأمر آيل إلى نهاية العالم، وذلك لما يشاهدونه من توقف في العمل ومن موت يحصد بعضها. أما الخلايا الداخلية التي تهيئ للمرحلة القادمة فيبدو لهم زوال ذلك العالم الذي هو الشرنقة آذان بميلاد عالم جديد هو الفراشة، عالم في أجمل ما يكون صورة وألوانا. لم يعد عالما ضيقا بل رحبا، ولا أرضيا كما كان ملتصقا بالأرض، وإنما هذه المرة قد تحرّر من الأرض ليكون سماويا يطير حيث يشاء.

لا أدري كيف غاب هذا الخير الموعود عن دعاة ووعاظ، عوض أن يشنّفوا به الأسماع ويبعثوا به التفاؤل في القلوب بوجود مستقبل قادم زاهر للأمة، فهم يحدّثون الناس فقط عن اقتراب نهاية العالم ودنو قيام الساعة، يستدلون على ذلك بما ورد من الآيات والأحاديث ويؤكدون معانيها بما أعد علماء الفلك من أشرطة في الموضوع عن خراب الكون أغلبها عبارة عن سيناريوهات. أرجحها يتوقع فيها العلماء الموت الحراري للكون نتيجة استمرار الانخفاض في كثافة المادة والإشعاع.

نحن لا نشك بأن القيامة كائنة وستقع يوما ما، وكل من مات قامت قيامته، لكن هذا لا يدفعنا إلى الجلوس وانتظار ذلك اليوم، والزهد في كل شيء، والإحساس باليأس والإحباط أمام واقع مرير يبدو كله شرّ. بل نعمل ونجاهد لغد قريب تشرق فيه شمس عالم الإسلام من جديد بعدما تنقشع هذه السحب التي تغطي عنا الأفق. ليس من الضروري أن أعيش تلك اللحظة، إنما المهم أن أشارك في البناء وأبارك.

أما الذي نشك فيه هو التعمّد في نشر هذه الأحاديث عن نهاية العالم وأشراط الساعة وأهوال القيامة خاصة في أوساط العامة وإشغالها بها لترك المجال للمترفين حتى ينهبوا حقّ الفقراء أكثر، ولترك الساحة للمستكبرين حتى يتحكموا في رقاب العباد أكثر.

قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا 3 . صدق الله العظيم.


[1] الأنبياء: 105-107.\
[2] نقله الإمام الشاطبي عن الحافظ البزار رحمهما الله.\
[3] الإسراء: 81.\