تُوج مؤخرا الباحث الدكتور إدريس مقبول، صاحب كتاب سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين)، بالجائزة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية عن بحثه الموسوم بـالمدينة العربية: دراسة سوسيو لسانية لأمراض التمدن)، حيث فاز بالجائزة الثانية في مسابقة المدينة العربية، تحديات التمدين في مجتمعات متحولة).

وجدير بالذكر أن هذه الجائزة يمنحها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة سنويا لصنف الأبحاث المقدمة لموضوع المؤتمر، وفاز إلى جانب مقبول من المغاربة باحثان في صنف الأبحاث المنشورة بالدوريات العربية المحكمة، هما الدكتور رشيد سعدي والدكتورة ماجدة صواب.

انطلق البحث من معالجة مظاهر مرض المدينة العربية الحديثة، التي باتت تتسم بسمات الانشطار والفوضوية وعدم الانسجام والعنصرية، وذلك من خلال رصد أهم أسباب عدم “الملاءمة” و”التناسب” و”التكيف” للقادمين “النازحين” من خارجها والمقبلين على “خيراتها” و”ثمارها” مع امتلاءاتها وفراغاتها، والذين يعاني أكثرهم من أعراض نفسية وعصبية وتصرفات تتسم بالشذوذ والتطرف والعنف في مصادمة مباشرة لما يقتضيه “السلوك المدني” الذي تقتضيه “الحياة المدنية”.

وفي هذا السياق يقول الباحث الحاصل على الدكتوراه في اللسانيات بأن بحثه سعى أن يضع اليد على المناخ النفسي والسوسيولوجي الذي أفرز ما يسمى عند بيتر جيمس تايلور أعراض مرض التمدن، ذلك أن المشاكل اليومية والمصيرية التي أضحت سمة بارزة للمدينة العربية في المشرق كما في المغرب العربي بكل رهاناتها الهائلة هي في النهاية محصلة فوضى عارمة، ومدنية معتقلة داخل الإسمنت، ومواطنون يعانون “المدنية”، ومعتقلون كاعتقالها، حيث أصبح المواطن في بنياتها “فاعلا” و”ضحية” في ذات الوقت).

ومن خلال بحث العلاقة بين “اللساني” و”الاجتماعي” من جهة، وبحث “الاجتماعي” و”العمراني” من جهة ثانية، وتتبع جدلية العلاقة بين “النفسي” و”العمراني” في المدينة العربية، حاول البحث أن يقدم تفسيرا لعدد من الظواهر التي باتت اليوم علامة واضحة ومؤشرا دالا على “مرض المدينة” وعلى “تشوهات حياتنا المدنية” التي تعتبر نتيجة طبيعية للإقبال على “المدينة” من دون تخطيط أو تفكير..

لقد كان هناك دائما، يضيف مقبول، من يميل إلى اختزال التقدم في تبني نموذج صناعي على غرار ما حصل في أوربا، دون التفكير في المقدمات “الثقافية” التي هي بمنزلة الشروط الحيوية لحصول “الحركة في اتجاه التمدين الإنساني”، ذلك أن المسألة الحضرية لا تتلخص في التصنيع ولا في “الحالة الاستهلاكية” المتصاعدة بدون وعي.

لقد راهن البحث على الدفاع عن قيم ثلاثة لابد منها في بناء المدينة العربية وتخطيطها دفعا للآفات التي تحيط بالهوية على المستوى الإنساني واللساني والعمراني، تلكم هي قيم العدل والتربية والمعرفة).

يذكر أن الجائزة العربيّة للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة جائزة تنافسية أطلقها المركز العربي منذ عام 2011 من أجل تشجيع الباحثين العرب – داخل الوطن العربي وخارجه – على البحث العلمي في قضايا وإشكاليّاتٍ تتناول صيرورة تطوّر المجتمعات العربيّة في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية. ودأب المركز على فتح باب التنافس أمام الباحثين العرب ضمن موضوعين كل سنة هما أيضًا موضوعا المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ويفسح للمشاركين مجال نحو سبعة أشهر لإنجاز بحوث أصيلة لم يسبق نشرها من قبل في موضوعي التنافس.