حياته العملية صلى الله عليه وسلم

تحت عنوان حياة الكدح) كتب الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم فقرة لخص فيها عمله صلى الله عليه وسلم في رعيه للغنم وفي ممارسته للتجارة، قال رحمه الله: ولم يكن له صلى الله عليه وسلم عمل معين في أول شبابه، إلا أن الروايات توالت أنه كان يرعى غنمًا، رعاها في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط، ويبدو أنه انتقل إلى عمل التجارة حين شبّ، فقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خير شريك له، لا يدارى ولا يمارى، وجاءه يوم الفتح فرحب به، وقال‏:‏ مرحبًا بأخي وشريكي‏.‏ وفي الخامسة والعشرين من سنه خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها قال ابن إسحاق‏:‏ كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له‏:‏ ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام‏) 1 .‏

الرؤية المنهاجية للعمل

ما كتبه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في موضوع العمل من الصعب اختزاله في هذه الأسطر، بل لمن أراد الاطلاع عليه بشكل أوسع أن يرجع إلى كتاباته. فقد تحدث عن عمل الباطن وعمل الظاهر، وعن العمل الإسلامي والعمل الحزبي، وعن عمل الدنيا وعمل الآخرة، وعن العمل السياسي والعمل النقابي، وعن العمل الفردي والعمل الجماعي، وعن العمل التربوي والعمل الجهادي، وعن عمل القلب وعمل الجوارح، وغيرها من المواضيع المرتبطة به. ولأهمية موضوع العمل على مستوى جهاد البناء بشكل عام وعلى مستوى جهاد الكسب بشكل خاص، خصص له الإمام عناوين وفصولا بارزة في بعض كتاباته، كخصلة العمل في كتاب المنهاج النبوي) في 28 صفحة، وفصل العمل في كتاب الإحسان) ج2 في 90 صفحة، وفصل العمل في كتاب في الاقتصاد) في 16 صفحة. سأركز في هذه الفقرة على الرؤية المنهاجية حول جهاد الكسب بما يتوافق ومقطع السيرة النبوية لأعود إلى جهاد البناء لاحقا.

قيمة العمل

ارتباطا بمقطع السيرة النبوية الذي يحمل دلالات كثيرة منها رغبته صلى الله عليه وسلم في العمل وممارسته رعي الغنم أو مزاولته التجارة، يؤكد الإمام المجدد رحمه الله تعالى أن هذا الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤصل لنا أن للعمل قيمة كبيرة في حياة الأفراد والأمم، وتظهر هذه القيمة الرفيعة في الحياة من خلال أمرين:

– الأول: كونه دعوة جاء ذكرها في آيات قرآنية عدة وأحاديث نبوية كثيرة، تارة بالدعوة إلى العمل الدنيوي وتارة إلى العمل الأخروي، على أن يكون هذا العمل في بعديه صالحا وصائبا وإحسانيا، أما صلاحه فأن يكون خالصا لله تعالى، وأما صوابه فأن يكون موافقا للشريعة، وأما إحسانه فأن يكون مُتقنا. يقول الله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون 2 ، وفي الحديث: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” 3 . ويزيد من قيمة هذا العمل اقترانه في أغلب الآيات بالإيمان، فالذين آمنوا يُعرفون بالعمل الصالح، قال الله تعالى: الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب 4 ، فلا يصح إيمان بدون عمل صالح. وكذلك ترتيب الجزاء يكون على العمل، يقول رحمه الله: حسنة الدنيا تنال بالعمل وحسنة الآخرة تنال بنفس العمل لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. وإن سجلات الامتحان في دار البلاء تكتب، وهناك في دار البقاء تنشر ليعلم الله أينا أحسن عملا. وأحسن العمل ما يحبه الله) 5 .

– والأمر الثاني كونه تفرضه الحياة وتعتمد عليه، سواء الحياة الفردية أو الجماعية، سواء في الدنيا أو في الآخرة. فكما أن العمل ضروري لكسب العيش من أجل البقاء، وضروري للنجاح في الامتحان من أجل الارتقاء، وضروري للفوز في الآخرة بنيل أحسن الجزاء، فكذلك هو ضروري لكسب القوة الاقتصادية والقدرة على التقنية من أجل التقدم والاستقلالية والبناء. يقول الإمام رحمه الله: إن الذي يفك رقابنا عمل منبعث من أعماق ديننا الحنيف الذي يأمر بالسعي في الأرض، والمشي في مناكبها، وعمارتها، والخلافة فيها.)يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض. فهل قال له الله عز وجل: نم ونحن نرزقك ونبطش بعدوك؟ كلا بل قال له:)فاحكم بين الناس بالحق. وقال له عز وجل:)اعمل سابغات وقدر في السرد. واعملوا صالحا 6 “) 7 .

جهاد الكسب

يقصد الإمام رحمه الله بجهاد الكسب العمل الذي يقوم به الفرد لكسب الرزق وطلب الحلال بعرق جبينه للإنفاق على نفسه وعياله وفي سبيل الله تعالى والمستضعفين. ويُذكّر بأن الجهاد من أجل كسب الرزق هو سنة الأنبياء ومن تبعهم، بمعنى أنه من الخطأ في الفهم أن نظن أن ما كان فيه الأنبياء وأتباعُهم من عبادة ودعوة وجهاد هو ما يملأ جميع أوقاتهم، بل كان يتخلل ذلك كله العمل الدؤوب والسعي الحثيث لطلب الرزق. وفي هذا الصدد قال الحافظ ابن القيم نور الله ضريحه كلاما رائعا يلخص المعنى: إن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى. وشراؤه أكثر. وآجر واستأجر واستئجاره أكثر. وضارب وشارك، ووكل وتوكل، وتوكيله أكثر. وأهدى وأهدي له، ووهب واستوهب، واستدان واستعار، وضمن عاما وخاصا، ووقف وشفع. فقبل تارة ورد أخرى، فلم يغضب ولا عتب. وحلف واستحلف. ومضى في يمينه عدة، وكفر أخرى. ومازح وورى ولم يقل إلا حقا. وهو صلى الله عليه وسلم القدوة والأسوة) 8 .

من بين الأحاديث التي يمكن أن نستشهد بها من صحيح البخاري رحمه الله:

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (3)ميلاد نور النبوة

– قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده. وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده”.

– وقوله صلى الله عليه وسلم: “لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه”.

– وقوله صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة”.

وبما أن تقدير العمل واحترامه فطرة في الإنسان للحاجة إليه في تحقيق مطالب حياته وحاجاتها، وبما أن الحديث عن قصة العمل هو حديث عن قصة الإنسان نفسه لأنه ظهر بظهوره، وتطورت وسائله بتطور وعيه، فإنه من غير المنطق ولا العقل ولا الشريعة أن يزهد أحد في العمل من غير عذر قاهر، ويستبدله بالتسول أو التواكل. لذلك شدّد الإمام رحمه الله في الاستنكار على من لم يأخذ بأسباب الكسب ويبحث عن العمل، إذْ نعت القاعد عنه الراضي بالخمول والكسل بساقط الشرف، لما في ذلك من الدونية والإهانة للنفس وطلب الغير وانتظار معوناته، واليد العليا خير من اليد السفلى. فقد أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً”، قال الإمام ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث في تفسيره: قال الحكيم الترمذي: مرَّ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال لهم: من انتم؟ فقالوا: المتوكلون. قال: أنتم المتأكلون. إنما المتوكل رجل ألقى حبّه (أي بذره) في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل 9 . وسئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً ويأتيني رزقي. فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله جعل رزقي تحت رمحي” 10 .

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (1).. ما قبل عهد النبوة

وأخرج ابن الجوزي أن عمر رضي الله عنه كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل: “هل له حرفة؟ فإن قيل لا، قال: سقط من عيني!” 11 . يعلق الإمام على الحديث فيقول رحمه الله: علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السعي على العيال عبادة، وشرف للعامل، وحث على الكسب. فلم يكن هناك عندهم تمييز بين الجهادين، جهاد الكسب وجهاد العدو). جاء في ترجمة سعد بن معاذ في “الإصابة” عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: “ما هذا الذي أرى بيدك؟” فقال: أثر المسحاة، أضرب وأنفق على عيالي فقبل النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال: “هذه يد لا تمسها النار!” 12 .

وفي سياق حديثه رحمه الله عن جهاد الكسب تحدث عن حقوق العمال، ذلك أن العامل إذا لم يكن في دولة تحكم بالعدل تنصفه، وإذا لم يكن له درع نقابي يحميه ويدافع عنه فإنه سيتعرض للظلم والعسف خاصة تحت ظل الحكم العاض والجبري. أما في ظل الدولة الإسلامية المتجددة فيؤكد الإمام رحمه الله على وجوب توفر العمال على حقوقهم وصيانتها بما يستحقونه على شرف جهادهم. وذلك بالحصول على تعويض للمرض والبطالة القسرية، والحصول على العلاج والمأوى وتربية الأولاد، والحصول على المعاش بعد التقاعد والحصول على ظروف إنسانية حال العمل. يقتضي هذا أن ينظم الضمان الاجتماعي، وأن تفرض لتمويله ضرائب على الأغنياء إن لم تكف الزكاة تطبيقا للأصل الوارد في الصحيح: تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) 13 .

الإحسان في العمل

من معاني الإحسان الواردة في القرآن والسنة والتي حددها الإمام رحمه الله في ثلاثة، الإحسان في العمل، سواء العمل العبادي من صلاة وصيام وزكاة وحج وغيره، أو العمل العادي مما يمارسه الإنسان في حياته اليومية العادية من تجارة وصناعة ووظيفة وفلاحة. فإن كان عملا عباديا فيصلحُ فيه الإتقان لأن الأمر توقيفي، أما إن كان عملا عاديا كالحرف والمهن وغيرها فيصلح فيه الإتقان مع التطوير ما دام توفيقيا، أي تطوير ذلك العمل إلى ما هو أحسن وأفضل خبرة وتوسعة وإنجاحا. وكلا العملين يحتاجان إلى تاج الأمر الذي هو الدعاء حتى يسدد الخطى ويهدي إلى السواء السبيل.

طالع أيضا  السيرة النبوية برؤية منهاجية (6) زواجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها

ومن الإحسان أن نعلم فضل الله علينا، فقد خلقنا وما نعمل، خلق العمل ونسبه إلينا. يقول تعالى: والله خلقكم وما تعملون 14 . لماذا الإحسان في العمل؟

أولا: لأن الله أمر به في القرآن الكريم فقال: وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين 15 .

ثانيا: لأنه يعبر عن حسن إسلام صاحبه، فالعمل المُتقن صورة للقائم به.

ثالثا: لأن الإحسان في العمل دليل على تمام العمل وكماله، فيكون الجزاء بالمثل تاما كاملا. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان 16 ، ولا يقف الحدّ عند تمام الجزاء وكماله بل يتعدى إلى الزيادة. للذين أحسنوا الحسنى وزيادة 17 .

رابعا: لأن الإحسان في العمل يكون مدعاة للبركة والقبول عند الله، ولنيل الثواب وتوفيقه، ولحصول الفتح فيه والمباركة من الناس ثناء وتقديرا واحتراما. يقول الله تعالى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، ولدار الآخرة خير، ولنعم دار المتقين 18 .

خامسا: لأن العمل عندما يكون مُتقنا تاما وكاملا تظهر عليه علامات الجمال، سواء كان ماديا أو معنويا، عباديا أو عاديا أو معاملاتيا، ويظهر هذا الجمال لمن يتذوقه ويحسّ به من القلوب النقية والتقية والطاهرة المفعمة بالصدق والحب والإيمان.

وحتى يكون العمل على هدى وعلى بصيرة ويرجى له الإتقان ويجوز فيه الإحسان لا بد أن يرتبط بالعلم ويتأسّس عليه. وإلا كيف يتقن العمل من كان بعمله جاهل. فللعمل ارتباط وثيق بالعلم، تابع بمتبوع، وإمام بمأموم، وخير ما أعبر به عن هذا الارتباط الوثيق جملتين للإمام رحمه الله كتبهما في المنهاج النبوي هما عبارة عن حكمتين:

العلم إمام العمل). والعمل بدون علم تخبط وجنون).

فاللَّهُمَّ إِنِّا أنسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ، وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ، وَخَيْرَ الْعَمَلِ، وَخَيْرَ الثَّوَابِ.


[1] صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ص: 60.\
[2] التوبة: 105.\
[3] رواه الطبراني في المعجم الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان.\
[4] الرعد: 29.\
[5] الإحسان ج2، ص: 105.\
[6] سبأ: 11.\
[7] في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، ص: 177.\
[8] في الاقتصاد البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية، ص: 178-179.\
[9] تفسير الآلوسي، ج29، ص: 14.\
[10] شرح العسقلاني لصحيح البخاري، ج11، ص 305 ـ 306.\
[11] نفس المرجع، ص: 182.\
[12] يُنظر نفس المرجع، ص: 183-184.\
[13] يُنظر نفس المرجع، ص: 183-184.\
[14] الصافات: 96.\
[15] البقرة: 195.\
[16] الرحمن: 60.\
[17] يونس: 26.\
[18] النحل: 30.\