الفساد الانتخابي، لماذا لم تُجد الحلول المتّبعة في محاربته؟)، كان هذا هو عنوان مشاركة الباحث الدكتور محمد منار، في الندوة العلمية التي احتضنتها كلية الحقوق بمدينة طنجة بتاريخ 12 مارس 2016، حول موضوع تخليق الحياة السياسية وتأهيل المشهد السياسي المغربي. وقد ضمت الندوة إلى جانب الدكتور منار كلا من الأساتذة عبد الواحد الراضي وإسماعيل العلوي وعبد الصمد بلكبير والعمراني بوخبزة ومحمد الساسي.

عرف الدكتور منار في البداية المقصود بالفساد الانتخابي بشكل عام بأنه المظاهر التي تؤثر سلبا وتحول دون تحقيق انتخابات بالمعايير الدولية المتعارف عليها)، وأشار في هذا الصدد إلى مجموعة من المعايير كضمان السيادة الشعبية، ونزاهة الانتخابات بالمعنى الواسع، وحرية التصويت، والمساواة في التصويت والترشيح، والتعبير الصادق عن إرادة الناخبين، وانتظام الانتخابات، وتسييج الانتخابات بممارسة سياسية حرة بشكل عام..). وأشار إلى مجموعة من المواثيق الدولية التي تنص على تلك المعايير، من مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية والميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر سنة 2004 والميثاق الإفريقي للديمقراطية والحكم والانتخابات الصادر سنة 2007.. مؤكدا أن أخطر أشكال الفساد الانتخابي هو ما يتعلق باستعمال المال بطرق غير مشروعة للتأثير على إرادة الناخبين).

وبالعودة إلى واقع الانتخابات بالمغرب، سجل الباحث صاحب كتاب: الانتخابات بالمغرب، ثبات في الوظائف وتغير في السمات)، أنه رغم بعض الإجراءات التي تضمنتها بعض القوانين لتخليق الانتخابات يلاحظ تفشي الفساد الانتخابي، بل هناك تطور فيه، بحيث تشهد كل محطة انتخابية تأكيد أشكال قديمة للفساد واستحداث أشكال جديدة). وتمت الإشارة في هذا الصدد إلى ما عرفته الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة، فبالإضافة إلى مظاهر الفساد السابقة، تم الانتقال من الحديث عن شراء الناخبين إلى شراء المرشحين، والانتقال من ابتزاز مالي للمنافسين إلى ابتزاز مالي داخل نفس الحزب). ولم يفت الباحث في هذا الصدد الحديث عن بعض المقولات الجديدة التي ظهرت في الانتخابات الأخيرة من مثل “التشرميل الانتخابي” و”الخيانة الانتخابية”…

وفي البحث عن أسباب استمرار هذه المظاهر، أشار الباحث إلى غياب إرادة سياسية للقطع مع الفساد الانتخابي)، وأكد في هذا الصدد أن التصريحات والشعارات والخطب لا تعكس دائما طبيعة الإرادة)، وأشار إلى أن هناك ثلاث افتراضات تُفسر ربما غياب تلك الإرادة؛ الافتراض الأول هو أن التعامل الحازم مع الفساد الانتخابي قد يهدم اللعبة الانتخابية برمتها نظرا لتجذر الفساد الانتخابي، الافتراض الثاني هو أن الفساد أصبح يشكل عاملا مهما يُضاف إلى عوامل أخرى (التقطيع، نمط الاقتراع…) للتحكم في الانتخابات وضبطها، الافتراض الثالث هو أن الفساد الانتخابي أصبح ربما عاملا لرفع نسبة المشاركة خاصة في الأوساط الاجتماعية الفقيرة)، وأن هذه فرضيات أو افتراضات أطرحها بين أيديكم للتأمل، وإن كانت هناك الكثير من الوقائع والشواهد التي تؤكدها) يضيف منار.

وتم التأكيد على أن هناك علاقة بين الفساد الانتخابي والفساد العام، وما يدعم قابلية هذا الفساد الخاص في الانتخابات هو وجود فساد عام. وفي بعض الأحيان يظهر ذلك الالتقاء بشكل واضح وملموس بين الفساد العام والفساد الخاص، ففي الانتخابات الأخيرة مثلا تم الحديث عن استعمال أموال المخدرات في الانتخابات، وفي انتخابات 2007 تم ضبط مرشحين يوزعون أمولا مزورة..).

وللحد من الفساد تمت الإشارة إلى ضرورة المشاركة في ضغط سياسي ومدني تشارك فيه كل القوى الرافضة للفساد بشكل عام، ليس على أساس الحسابات الانتخابية الضيقة، ولكن على أساس إرادة ممانعة تروم تأهيلا حقيقيا للمشهد السياسي المغربي، وضرورة النضال من داخل الأحزاب السياسية لتحقيق أحزاب مواطنة إذ لا يمكن لأحزاب فاسدة أن تحارب الفساد. ولا أعمم).

وختم الباحث مداخلته بأن المغرب في حاجة إلى أحزاب مواطنة تحكمها المبادئ وليس الطموحات الشخصية والمصالح الضيقة جدا، أحزاب تحرص على الصالح العام في المقام الأول، أحزاب تتحمل المسؤولية وتسودها الديمقراطية في الاختيار والتسيير… وانتقادنا لبعض الأحزاب السياسية هو بعيد كل البعد عن التسفيه غير المسؤول للعمل الحزبي بشكل عام. لأنه لا يمكن تصور ديمقراطية بدون أحزاب سياسية. لكن هذه الأحزاب السياسية ينبغي أن تكون أحزاب مواطنة لتحقيق ديمقراطية فعلية وليس ديمقراطية الواجهة).