نص المغرب على مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية في ديباجة الدستور، مع تأكيده على أن الديباجة تعتبر جزءا منه. ومن تم سعى المشرع إلى ملاءمة قوانينه الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها؛ وخاصة “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” والبروتوكول الاختياري الملحق بها. حيث تم التنصيص على مجموعة من المقتضيات القانونية الإيجابية، من قبيل حذف شرط موافقة الزوج على إبرام عقد شغل زوجته الذي كان منصوصا عليه في المادة 726 من قانون الالتزامات والعقود، عدم التمييز في التشغيل بين الأجراء من حيث الجنس المنصوص عليه في المادة 9 من مدونة الشغل، والتنصيص على المساواة بين المرأة والرجل في رعاية الأسرة المنصوص عليه في المادة 4 من مدونة الأسرة…

إلا أن هذه المقتضيات على أهميتها، تبقى قاصرة عن تمكين المرأة، إذ يمكن أن نسجل مجموعة من الاشكاليات في شتى فروع القانون، تتوزع بين مدونة الأسرة ومدونة الشغل، وبعض فروع القانون الأخرى.

فما هي أوجه الخلل والعوار التي اعترت المقتضيات القانونية المنظمة لوضعية المرأة في هذه القوانين؟ (محور أول)، وكيف يمكن تجاوز ذلك؟ (محور 2).

المحور الأول: أوجه الخلل والعوار التي اعترت المقتضيات القانونية المتعلقة بالمرأة

الفصل الأول: على مستوى مدونة الأسرة

المطلب الأول: بعض بنود المدونة تمس بالأسرة كوحدة أساسية

أ‌- إلغاء الولاية كمبدأ عام

تم التنصيص في مدونة الأسرة على مجموعة من البنود التي يمكن القول أنها تمس بالأسرة كوحدة أساسية في المجتمع، من قبيل إلغاء الولاية في الزواج بالنسبة للمرأة الراشدة طبقا لمقتضيات المادة 24 من مدونة الأسرة.

حيث إنه، إذا كان هذا المقتضى قد ساهم في الحد من متاجرة بعض الأهالي في زيجات بناتهن، أو عضلهن في بعض الحالات، إلا أنه أدى إلى ظهور أمور أخرى أكثر ضررا بالنسبة للمرأة والأسرة.

وتجدر الإشارة بداية أننا عندما نناقش الولاية هنا، فنحن نناقشها باعتبارها تكريم وتشريف ونصرة للمرأة، وليس بمعنى الوصاية والتحجير والحد من حرية المرأة في الاختيار.

فمن بين الأمور التي نتجت عن إلغاء الولاية، مسألة الدفع بهذه الأخيرة إلى اتخاذ القرار في مسألة تتعلق بحياتها دون توفرها على الخبرة والدراية الكافية من أجل الاختيار، ناهيك عن نظرة المجتمع المغربي لهذه الراشدة التي تعقد زواجها بنفسها، حيث يعتبرها طبقا للعادات والتقاليد قد خرجت عن النظام الاجتماعي للعائلة التي تنحدر منها.

كما أن عدم مباركة هذه العائلة لهذا الاختيار، يؤدي إلى التدخل في الحياة الزوجية، بما يفتل في اتجاه انفصام العلاقة الزوجية عوض الوقوف بجانب الزوجين من أجل ترسيخ هذه العلاقة، بما يتم تقديمه من مشورة ودعم ومساندة.

علاوة على أن هذه المرأة التي تعقد زواجها بنفسها، تجد نفسها في غالب الأحيان، بمفردها أمام مسؤولية تحمل أسرة بكاملها في حالة ما إذا أصبحت مطلقة أو أرملة.

بل إن الزوج نفسه، لا يعيرها أي اهتمام، بل يطالها منه شتى أنواع الحيف والظلم، طالما أنه ليس لها من يساندها ويدافع عنها في مواجهته في حالة وجود نزاع.

وبناء عليه، وإن كنا نرى أن الصياغة التي كانت تتضمنها مدونة الأحوال الشخصية كانت أكثر دعما للمرأة وللاستقرار الأسري، حيث كانت الأيم تزوج نفسها، والبكر تتزوج بحضور وليها، وفي حالة العضل ترفع المرأة أمرها إلى القاضي.

فإننا ندعو إلى المزيد من الاجتهاد في هذه النقطة، بناء على العرف والمذاهب الفقهية، وتجاوز مخلفات الفقه المنحبس.

ب‌- المرأة بين التعدد والتطليق للشقاق

ويتعلق الأمر هنا بالمادة 45 من مدونة الأسرة، هذه المادة التي تضمنت مقتضى قانوني خطير، تمثل في نص الفقرة الأخيرة منها على أن الزوجة إذا لم توافق على طلب الإذن بالتعدد المقدم من طرف الزوج، يقوم القاضي بتطليقها للشقاق دون أن تتقدم بطلب التطليق، ليتم بذلك عقاب المرأة مرتين؛ مرة بالتزوج عليها، ومرة ثانية بتطليقها للشقاق.

وبذلك تكون المادة 45 من مدونة الأسرة قد خالفت مقتضيات المادة 3 من قانون المسطرة المدنية الذي يلزم المحكمة بالبث في حدود طلبات الأطراف.

القضاء في تطبيقه لهذه المادة، عمد إلى تنزيل النص حرفيا في البداية، مما أدى إلى تشتيت العديد من الأسر، ليتنبه إلى خطورة الأمر بعد ذلك، ويأخذ بنقيض القاعدة الفقهية القائلة بإعمال النصوص خير من إهمالها، ويصبح الأصل هو إهمال النصوص خير من إعمالها في انتظار تدخل تشريعي يحذف هذه الفقرة من المادة 45 من مدونة الأسرة.

ج- التطليق للشقاق أصبح طلاقا بدون سبب

أصبح التطليق للشقاق كأهم مقتضى قانوني جاءت به مدونة الأسرة، طلاقا بدون سبب وإن كان عنوانه هو الخلاف المستحكم بين الزوجين.

ذلك أن المشرع المغربي، تحول من حرمانه للمرأة من الحق في التطليق، نظرا لصعوبة المساطر في أنواع التطليق الأخرى، لعدة سنوات، إلى فتح الباب على مصراعيه أمام الزوج والزوجة للتقدم بمسطرة التطليق للشقاق وذلك في غياب الضمانات المنصوص عليها قانونا أمام صورية الصلح، الموقف السلبي للحكمين، وعدم وجود قضاء شرعي متخصص،…

المطلب الثاني: إقرار مبدأ المساواة في رعاية الأسرة

بنص المادة 4 من مدونة الأسرة على مبدأ المساواة في رعاية الأسرة بين الزوجين، أصبحت المرأة تتحمل أعباء إضافية، أدت إلى الزيادة في تأزم وضعها الاجتماعي والاقتصادي.

حيث أصبحت المرأة بمقتضى المادة 199 من مدونة الأسرة ملزمة بالانفاق على الأسرة في حالة يسرها وعسر الزوج، بل وملزمة بمصاريف التمدرس، إذا ما اختارت التعليم الخاص للأبناء في حالة انفصام العلاقة الزوجية طبقا للاجتهاد القضائي.

الفصل الثاني: على مستوى مدونة الشغل

المطلب الأول: مبدأ المساواة في التشغيل وأثره على مستوى عمل المرأة

لقد كان لمبدأ عدم التمييز في التشغيل بين الأجراء من حيث الجنس الذي جاءت به المادة 9 من مدونة الشغل، أثر على مستوى عمل المرأة، وذلك فيما يتعلق بسن التشغيل، العمل الليلي، والأشغال الشاقة.

أ‌- سن التشغيل

توحيد سن التشغيل بين الفتى والفتاة في سن 15 سنة، أدى إلى تشغيل هذه الأخيرة في وقت لازالت البنية الجسمانية لها غير مكتملة ولا تتحمل العمل.

ويتم استغلال صغر السن في التشغيل في العديد من القطاعات كالنسيج، الصناعة التقليدية، الخدمات السياحية،… مع تدني شروط العمل سواء تعلق الأمر؛ بساعات العمل، الحد الأدنى للأجر، شروط الصحة والسلامة،… إلى غيرها من الحقوق التي تضمنتها مدونة الشغل، بحيث أصبحت عقود العمل في هذه الحالة عبارة عن عقود إذعان.

ب‌- العمل الليلي والأشغال الشاقة

في إطار ظهير 2 يوليوز 1947، كان الأصل هو منع تشغيل النساء ليلا، بحيث كان المشرع المغربي يأخذ بنوع من التمييز الإيجابي لصالح المرأة، وذلك لاعتبارين: الأول يتعلق بتكوينها الفيزيولوجي، والثاني يتعلق بوضعها الاجتماعي كزوجة وأم.

أما الآن وفي إطار القانون الحالي، وتماشيا مع بنود الاتفاقيات الدولية، أصبح الأصل هو تشغيل النساء ليلا و الاستثناء هو عدم التشغيل في حالات محدودة جدا، وذلك بالنظر من جهة إلى التوسع الكبير في الاستثناءات الدائمة والمؤقتة الواردة على مقتضيات المادة 172 من مدونة الشغل، ومن جهة ثانية لهزالة العقوبات المفروضة على المؤاجرين في حالة المخالفة. الشيء الذي نعتبره عصفا بمقتضيات حمائية كانت تتمتع بها المرأة.

المطلب الثاني: استثناء بعض الفئات من العاملات من نطاق تطبيق المدونة

في إطار تحديد نطاق تطبيق مدونة الشغل، نص المشرع المغربي في المادة 4 على ما يلي: يحدد قانون خاص شروط التشغيل والشغل المتعلقة بخدم البيوت الذين تربطهم علاقة شغل بصاحب البيت).

يحدد قانون خاص العلاقات بين المشغلين والأجراء، وشروط الشغل في القطاعات التي تتميز بطابع تقليدي صرف).

يعتبر، في مدلول الفقرة الأولى أعلاه، مشغلا في القطاع الذي يتميز بطابع تقليدي صرف، كل شخص طبيعي يزاول حرفة يدوية بمساعدة زوجه وأصوله وفروعه، وبمعية خمسة مساعدين على الأكثر، ويتعاطى حرفته إما بمنزله أو في مكان يشتغل به، وذلك قصد صنع المنتوجات التقليدية التي يهيئها للاتجار فيها).

وبذلك تكون المادة 4 من مدونة الشغل قد استثنت فئتي عمال الصناعة التقليدية، وخدم البيوت من الخضوع للحماية التي توفر هذه الأخيرة، مع العلم أن النسبة العضمى من العمال الذين يشتغلون في هاذين القطاعين هي من النساء، الشيء الذي أدى إلى ممارستهن لهذه الأعمال دون توفر الحد الأدنى من الشروط التي يفرضها قانون الشغل؛ من قبيل الحد الأدنى لسن التشغيل، الحد الأقصى لساعات العمل، الحد الأدنى للأجر، شروط الصحة والسلامة، التأمين على حوادث الشغل والأمراض المهنية،…

ولا تفوتني الاشارة هنا إلى مشروع قانون رقم 12-19 الخاص بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين، الذي تضمن مجموعة من المقتضيات القانونية الهادفة إلى حماية هذه الفئة من العمال، والذي صادق عليه مجلس المستشارين في 27 يناير 2015، بينما لازال ينتظر المصادقة عليه من طرف مجلس النواب حتى تتمكن هذه الفئة من الاستفادة من مقتضياته والعمل ولو في إطار الحد الأدنى من شروط العمل عوض بقائها خارج نطاق الحماية القانونية.

الفصل الثالث: الفصل 475 من القانون الجنائي

ينص الفصل 475 من القانون الجنائي على من اختطف أو غرر بقاصر تقل سنه عن ستة عشر عاما، بدون استعمال عنف ولا تهديد ولا تدليس أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى خمسمائة درهم).

ومع ذلك، فإن القاصرة التي اختطفت أو غرر بها، إذا كانت بالغة وتزوجت من اختطفها أو غرر بها فإنه لا يمكن متابعته إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج، ولا يجوز الحكم بمؤاخذته إلا بعد صدور حكم بهذا البطلان فعلا).

وقد أثار هذا الفصل ضجة كبيرة من طرف مجموعة من الحركات النسائية وفعاليات المجتمع المدني من أجل العمل على تعديله، وذلك بحذف الفقرة الثانية منه، نظرا لمساسها بحياة المرأة حيث تسمح لمغتصب المرأة بالافلات من العقاب عن طريق الزواج بمن اغتصبها.

وقد تم بالفعل العمل على إلغاء الفقرة الثانية من هذا الفصل، إلا أن الأمر يطرح تسائلا كبيرا حول نتيجة هذا التعديل، هل كان بالفعل لصالح المرأة والأسرة المغربية أم العكس.

لدينا بعض الملاحظات التي نود طرحها من أجل محاولة الجواب على هذا التساؤل:

1- المادة 475 تندرج في إطار الفرع الرابع من القانون الجنائي والمعنون بـفي خطف القاصرين وعدم تقديمهم). ولا تندرج ضمن جرائم العرض أو الفرع السادس المعنون في انتهاك الآداب) حتى يمكن القول أنها تعفي المغتصب من العقاب.

2- جرائم العرض المنصوص عليها في إطار الفرع السادس من القانون الجنائي تحت عنوان في انتهاك الآداب). الذي يجرم الاغتصاب في المادة 486 من القانون الجنائي، وهتك العرض بالنسبة للقاصر في المادة 485 من نفس القانون.

3- مقترح القانون الذي قدم من أجل تغيير وتتميم الفصل 475 من ق.ج تضمن إضافة ثلاث فقرات تتعلق، إما بمضاعفة العقوبة الحبسية، أو تطبيقها، في حالة ما إذا ترتب عن الاختطاف أو التغرير علاقة جنسية ولو برضى القاصر، أو هتك العرض، أو اغتصاب، أو افتضاض المجني عليها. مع الاحالة على الفصول 484، 485، 486، 488 من القانون الجنائي المندرجة في إطار الفرع السادس.

وهذا كله، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الفصل الذي تم تعديله، لم يكن يتعلق بالاغتصاب، ولا بالحالة التي تم من أجلها إثارة هذا التعديل، بل كان يهدف إلى استيعاب مجموعة من الحالات التي يتم فيها هروب القاصرة من منزل عائلتها مع شخص بالغ، أو يقوم فعلا هذا الشخص باختطافها.

يقوم المشرع هنا مراعاة لوضعية القاصرة، وللعادات الاجتماعية، ولمصلحة المختطف، بإيقاف المتابعة إذا تزوجت القاصرة البالغة من المختطف، أو المغرر بها، إلا بناء على شكوى من شخص له الحق في طلب إبطال الزواج.

أما فيما يتعلق بتزويج القاصر من مغتصبها، فهو مجرد اجتهاد من طرف النيابة العامة تماشيا مع رغبة الأطراف، والمجتمع في تزويج القاصر في حالة اغتصابها عوض بقائها، ولا علاقة له بالفصل 475 من ق.ج والذي كان يسمح بإصلاح وضع اجتماعي معين يخص القاصرة إذا ما اختارت الزواج، وليس لأحد الحق في إرغامها على ذلك.

وبالتالي نعتبر أن إلغاءه أضر كثيرا بالمرأة في هذه الحالة ولم ….

المحور الثاني: مقترحات لتجاوز هذه الاخلالات

وفي الأخير نود طرح بعض المقترحات التي نرى أنه يمكنها التخفيف من حدة الاشكالات التي تطرحها المقتضيات التي سبق مناقشتها أعلاه، مع الإشارة إلى أن هذه المناقشة، والاقتراحات، مجرد أمثلة عن المقتضيات القانونية الخاصة بالمرأة، وليست شاملة لها:

على مستوى مدونة الأسرة

– الأخذ بمبدأ تكاملي في علاقة الرجل بالمرأة ملخصه القوامة والحافظية.

– فتح باب الاجتهاد فيما يتعلق بالولاية في الزواج.

– حذف مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 45 وربطها بضرورة اشتراط تقديم طلب التطليق من طرف الزوجة.

– الاذن بالتعدد مع منح القاضي سلطة تقديرية في مناقشة مبرراته.

– منح القاضي سلطة تقديرية في تقصي وجود الخلاف المستحكم من عدمه في التطليق للشقاق.

على مستوى مدونة الشغل

– رفع سن التشغيل بالنسبة للمرأة إلى 18 سنة.

– توسيع نطاق تطبيق مدونة الشغل ليشمل: عمال الصناعة التقليدية وخدم البيوت، وإلا المصادقة على مشروع قانون 12-19 مع إدخال فئة عمال الصناعة التقليدية في إطار تطبيقه.

– الأخذ بمبدأ التمييز الايجابي بالنسبة للمرأة في:

* العمل الليلي.

* الأشغال الشاقة،على غرار المادة 10 من اتفاقية سيداو.

– ضرورة توفر إرادة صادقة وحقيقية لإصلاح منظومة العدالة والاهتمام بجميع المتدخلين في تحقيق العدالة من: قضاة، محامون، خبراء، مفوضين قضائيين…

ضرورة الشروع في إصلاح شمولي في جميع الميادين الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، القانونية، الحقوقية…