انتشرت ظاهرة العنف المدرسي بشكل خطير بالمؤسسات التعليمية خلال العقد الأخير، حيث امتدت تداعياتها إلى خارج أسوار المدرسة، مما أثار مجموعة من التساؤلات حول أسباب الظاهرة وخلفياتها النفسية والتربوية ونتائجها الوخيمة على الحياة المدرسية ومخرجاتها.

وفي هذا السياق أنجزت عدة دراسات وأبحاث تقارب واقع العنف المدرسي وتحاول سبر أغوار الظاهرة وتشخيص الأسباب الحقيقية لها بطرح استبيانات وإجراء مقابلات مع مختلف أطراف العملية التربوية.

بعض هذه الدراسات اعتمدت منهجية التقسيم والتجزيئ والتفريع ما أفقد الموضوع تماسكه والدراسة هيبتها وتأثيرها لدى المتلقي ، وعوّم الفكرة في لجة من المصطلحات والكلمات من قبيل: (ضرب / جرح / قرص / سرقة / ثرثرة / تحرش/ صفع / إهانة / تمييز / كسل / دونية / غضب…).

ومن أجل مدرسة بدون عنف تقدم بعض هذه الدراسات مقترحات، في نظرها، كفيلة بتوفير بيئة مدرسية نقية وحياة تربوية سليمة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

– تنظيم لقاءات بين المدرسين والآباء.

– مراقبة الواجبات المنزلية.

– الإنصات.

– أساتذة لطفاء.

– فضاء يتيح الحرية والمساواة.

– إدارة تستمع للتلميذ.

– مرافق صحية نظيفة…

وعند إمعان النظر الحصيف في الظاهرة وتجلياتها تجدها متفرعة عن أصل واحد ووحيد ألا وهو غياب التربية.

وما التربية؟

التربية – برنامج وأسلوب ووسيلة – تبدأ بتطهير النفوس وترقيق القلوب، التربية رفق ومرافقة، التربية تهذيب وتشذيب، جانب يغيب عن أصحاب النظرة الأحادية المادية للأشياء ولذلك يتيهون في خضم من الأرقام والمعادلات والاستبيانات والمنحنيات والمنعرجات.

انتفاء روح المسجد عن المدرسة جعلها عرضة لوباء العنف والتخلف والتوتر.

نعني بروح المسجد تلك العلاقة التربوية الإيمانية الإحسانية التي تربط المعلم بالمتعلم ، ذلك الجو الإيماني المفعم بالمحبة والرحمة والتواضع والخدمة والأبوة الحانية. ذلك التقدير والاحترام والتبجيل.

إن معالجة العنف المدرسي ليست وصفات تحليلية تصاغ على شكل بنود وقواعد عامة تعلق على جدران القاعات ثم ها قد اختفى العنف!

وليست منحنيات صاعدة وهابطة ورتيبة لتقويم اعوجاج السلوك وفك طلاسم الإعاقة النفسية..

معالجة العنف يقظة عامة عازمة حازمة تقوم لحرث النفوس وتقليب تربتها وتسميدها والاعتناء بها وتشذيبها بالرفق والرفقة الصالحة بالعلم والتعلم حتى يشتد عودها ويستقيم صلبها وتستوي على سوقها.