تتوالى الأحداث الدامية لملاعب كرة القدم، ومع كل حادث تتعالى أصوات تندد وتوزع المسؤوليات وتقترح حلولا سرعان ما يبدو أنها غير قادرة على احتواء انفلات أكبر من اعتباره حالات معزولة. السؤال: ما هي العوامل التي تغذي النزوع إلى العنف الدامي الذي يهدد الأرواح والممتلكات؟

إن عنف الملاعب الرياضية يضع في قفص الاتهام المنظومة التربوية للمجتمع ويُدين سائر مؤسسات التنشئة أسرة ومدرسة ومسجدا وإعلاما ونسيجا جمعويا، مثلما يُدين شكل الحكامة للشأن العام للعباد والبلاد؛ حكامة مسؤولة عما تعانيه فئات واسعة من المجتمع من هشاشة وحرمان وإقصاء لم تفد حملات الاتحاد ضد الفاقة والحاجة، كما لم تفد مبادرات التنمية البشرية للحد من تفاقمه، ليُقترح صندوق بــ 55 مليارا لتوفير الخدمات الأساسية الضرورية لجزء كبير من ساكنة العالم القروي، وكأن المغرب حديث عهد بالاستقلال.

إن عنف ملاعب كرة القدم كغيره من أنواع العنف له ما يبرره مجتمعيا، فحيثما وليت تجد عنفا، في المحيط الأسري تجليه ظواهر شتى تولت برامج تلفزية وإذاعية التطبيع معها، وفي الوسط المدرسي الذي تلاشت فيه أواصر الأبوة التربوية بين المعلمين والمتعلمين ليهيمن الصراع والصدام بين من يُفترض فيه الرفق والتحمل لشغب المتعلم، وبين من يُفترض فيه الإكبار والتقدير اعترافا بفضل المعلم، وفي الشارع العام، في الأسواق حيث يترجم العنف اللفظي شجارا داميا، وفي الطرقات حيث تعلو المنبهات، وفي المساجد حيث يفترض الخشوع والسكينة تتعالى الأصوات المتنافية وآداب بيوت الله، وفي الشارع العام حيث لا تتردد السلطات الأمنية في تعنيف التظاهرات السلمية، وفي البرلمان وعبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي عنف لفظي وقذف يتجاوز حدود اللباقة بين الغرماء السياسيين.

وحيث إن منسوب العنف في تنامٍ مطرد قد يهدد السلم الاجتماعي، وإن تسربل اليوم صراعا رياضيا وسلوكا طائشا لفئة من الشباب بحيثيات اجتماعية وثقافية معينة، فإن الأمر يتطلب حلولا جذرية تتعدى تسطيح الظاهرة وحصر معالجتها في تدابير أمنية وقرارات زجرية؛ حلولا تروم استئصال عوامل العنف في جميع مستوياته من خلال مُقاربة شمولية قاعدتها توفير أسباب الكرامة والتقدير، وتمر عبر تأهيل مختلف المؤسسات المجتمعية وتعافيها من التسلط والاستفزاز، فالأسرة متى صلحت محضنا للتنشئة على الرفق والحب والتقدير، والمدرسة متى كانت فضاء لاكتشاف مواهب المتعلمين وميولاتهم ونجحت في التجاوب مع اختياراتهم، والإعلام متى انخرط في التوعية وتقديم النماذج الحسنة التي تبني الشخصية وتهذب الذوق، والإدارات العمومية متى خدمت المواطن وبرأت من آفتي التسويف والارتشاء، والأجهزة الأمنية متى تخلصت من منطق التعليمات الفوقية وسُخرت لحماية الأرواح والممتلكات تطبيقا سليما لا انتقائيا للقوانين، والثروات ومقدرات البلد متى وزعت بالعدل وحوربت الفاقة، والخدمات والمرافق متى تيسر ولوجها والاستفادة منها دون تمييز، والممارسة السياسية متى تصالحت مع الشعب واحتكمت لاختياراته على أساس التنافس على الصالح العام لا جلب المنافع الشخصية أو الفئوية، وجهاز القضاء متى كان مستقلا بقراره نزيها في أحكامه… متى توفر ذلك وغيره، نشأ الأفراد على ممارسة حقوقهم واحترام حقوق الآخرين، فالعنف لا يولد إلا العنف، ومتى اختل ميزان القوى اضطر الطرف الأضعف لممارسة عنف أعنف. لذلك، فانتشار ظاهرة العنف مؤشر على اختلال بنية المجتمع ومنظومته القيمية وشبكة العلاقات بين مكوناته تقتضي تجند المجتمع بكل حساسياته لتطويق آفة لا تميز بين ضحاياها، تفويتا للفرصة على من يُراهن على خلط الأوراق وشغل الرأي العام بقضايا مصطنعة منطلقا ودوافـعَ.