ارتبطت كلمة “المنهجية الديمقراطية” في التداول السياسي المغربي بموقف احتجاجي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على تعيين ادريس جطو وزيرا أول في 9 أكتوبر 2002 دون الأخذ بعين الاعتبار نتائج الانتخابات التشريعية لـ27 سبتمبر 2002 التي تقدم فيها الحزب النتائج بـ50 مقعدا متبوعا بحزب الاستقلال بـ48 مقعدا، ثم حزب العدالة والتنمية بـ42 مقعدا.

لم يكن حينها صريح الدستور يلزم الملك بهذا التعيين، لأن الفصل 24 من دستور 1996 كان ينص على: يعين الملك الوزير الأول. ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم. ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها)، وبذلك لم يكن هناك تقييد لسلطة الملك في تعيين الوزير الأول، ولكن انتظارات الفاعلين السياسيين ارتبطت بسابقة تعيين عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أول في 4 فبراير 1998 بعدما تصدر حزبه نتائج الانتخابات التشريعية لـ14 نوفمبر1997 بـ57 مقعدا متقدما على الاتحاد الدستوري بـ50 مقعدا، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ46 مقعدا.

نص بيان المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، صدر في 10 أكتوبر 2002 أي يوما بعد تعيين جطو، على أن الحزب وهو يستشعر دقة المرحلة، يعتبر أن التقدم الديمقراطي الذي حققه المغرب يقتضي مراعاة نتائج الاقتراع الشعبي والمنهجية الديمقراطية المترتبة عنها وأنه لا شيء يبرر الابتعاد عن هذه المنهجية)، مما يفيد شعورا جماعيا حينها بأن الحزب تعرض لطعنة، خاصة أن ادريس جطو كان وزير داخلية في حكومة اليوسفي، وأن الحزب تحمل المسؤولية في فترة حرجة من تاريخ المغرب، ما اصطلح عليه بالسكتة القلبية، وساهم في تأمين انتقال سلس للعرش بعد وفاة الحسن الثاني، وباشر فتح العديد من الأوراش الإصلاحية التي لم ينهها بعد.. ولعل هذا ما جعله، رغم هذا الاحتجاج يقرر الاستمرار في حكومة ادريس جطو.

شكل هذا التعيين إيذانا ببداية تراجعات مهمة على الصعيد السياسي، وخاصة لمن كانوا يتبنون أطروحة دخول البلاد في انتقال ديمقراطي مع حكومة “التناوب التوافقي”، وتراجعات أخرى على المستوى الحقوقي تزامنت مع أحداث 11 شتنبر و16 ماي، مما جعل الأصوات المطالبة بعدم تكرار سابقة تعيين تقنوقراطي على رأس الحكومة تتزايد، وهو ما استجاب له الملك حين التزم بتعيين الوزير الأول من الحزب الحاصل على صدارة الانتخابات، وقد تم ذلك بتعيين عباس الفاسي وزيرا أول في 19 شتنبر 2007 بعد تصدر حزب الاستقلال لنتائج الانتخابات التشريعية لـ7 شتنبر 2007 بـ52 مقعدا متقدما على حزب العدالة والتنمية بـ46 مقعدا، ثم الحركة الشعبية بـ41 مقعدا.

كان لزاما، إذن، أن يتم تعديل الفصل 24 بعد المراجعة الدستورية لسنة 2011، وبذلك تم تقييد سلطة الملك في تعيين رئيس الحكومة فنص الفصل 47 من دستور 2011 على أن يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها). فهل بهذا التقييد استجيب لمقتضيات المنهجية الديمقراطية؟

للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستعانة بما ترتب عن الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها في 25 نونبر 2011 التي أفرزت تقدما لحزب العدالة والتنمية بـ107 مقاعد متبوعا بحزب الاستقلال بـ60 مقعدا، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ52 مقعدا، ثم حزب الأصالة والمعاصرة بـ47 مقعدا مما استلزم تعييين عبد الإله بنكيران رئيس حكومة في 3 يناير 2012.

اليوم، وقد قاربت الولاية على نهايتها، نجد أنفسنا أمام فصل دستوري فضفاض لم يدقق في الكثير من الإجراءات المصاحبة لهذا التعيين، من قبيل: هل الملك ملزم بتعيين رئيس الحزب رئيسا للحكومة أم يمكنه تعيينه بدون حصر من الحزب المتصدر للانتخابات؟ وهل الجمع بين رئاسة الحكومة ورئاسة الحزب تخدم هذه المنهجية الديمقراطية في بلد مثل المغرب؟ وما العمل في حالة فشل رئيس الحكومة في تشكيل أغلبية يحوز بها ثقة البرلمان؟ وهل لرئيس الحكومة أجل محدد لتشكيل أغلبيته؟

يمكن في هذا الصدد الاستعانة كذلك بالتجارب المقارنة، ومنها التجربة الإسبانية، وهي تجربة حديثة زمنيا وقريبة جغرافيا.

لقد شهدت اسبانيا في 20 دجنبر 2015 انتخابات برلمانية أفرزت تقدما للحزب الشعبي بـ123 مقعدا من أصل 350 مقعدا مما يعني أنه لم يحقق أغلبية مطلقة مريحة، حيث توزعت المقاعد بين الحزب الاشتراكي بـ90 مقعدا وحزب بوديموس اليسارى بـ59 مقعدا وحزب كيودادانوس الليبرالي بـ40 مقعدا.

عين الملك فيليب، احتراما للمنهجية الديمقراطية، ماريانو راخوي، كما ينص على ذلك الفصل 99 من الدستور: 1. يقترح الملك مرشحا لرئاسة الحكومة في كل مرة ينتخب فيها مجلس نواب جديد وفي باقي الحالات المماثلة التي ينص عليها الدستور، بعد أن يكون قد أجرى مشاورات مسبقة مع الممثلين الذين تعينهم الأحزاب الممثَّلة في البرلمان، ويقترح الملك مرشحا لرئاسة الحكومة عن طريق رئيس مجلس النواب).

2. يقدم المرشح المقترح أمام مجلس النواب البرنامج السياسي للحكومة التي يريد تشكيلها ويطلب ثقة المجلس المذكور وذلك طبقا لما تنص عليه الفقرة السابقة).

3. إذا منح مجلس النواب ثقته بتصويت الأغلبية المطلقة لأعضائه للمرشح المذكور، فإن الملك يعينه رئيسا للحكومة. وإذا لم تبد الأغلبية المطلقة موافقتها يتم التصويت من جديد على نفس الاقتراح بعد مرور ثمان وأربعين ساعة على التصويت الأول، وتعتبر الثقة ممنوحة للمرشح إذا حصل على موافقة الأغلبية النسبية).

4. إذا أجري التصويتان المذكوران دون أن تمنح الثقة لتنصيب رئيس الحكومة يُشرع في الإجراءات من جديد وفق الترتيب المنصوص عليه في الفقرات السابقة).

5. إذا لم يحظ أي مرشح بثقة مجلس النواب في أجل شهرين ابتداء من أول تصويت للتنصيب يحل الملك المجلسان ويدعو إلى انتخابات جديدة بموافقة رئيس مجلس النواب).

فشل راخوي في تشكيل أغلبية، فباشر الملك مشاورات ثانية مع قادة الأحزاب السياسية أفضت إلى اختيار رئيس الحزب الاشتراكي “بيدرو سانشيز كاستيخون” لتشكيل الحكومة، وبعد فشل هذا الأخير اجتمع الملك مع رئيس البرلمان لبحث تطورات الأزمة، فصدر بعدها بيان الديوان الملكي الذي منح الأحزاب السياسية المزيد من الوقت للتفاوض حول سبل الخروج من الأزمة السياسية الممتدة منذ ثلاثة أشهر حول تشكيل الحكومة قبل انتهاء المهلة والاضطرار إلى اجراء انتخابات أخرى جديدة في أواخر شهر يونيو المقبل.

لماذا إذن لم ينجح أي حزب في تشكيل الأغلبية؟

الجواب بسيط، لأن كل حزب يحترم ناخبيه وينضبط لمبادئه ولا ينحرف عن برنامجه.. فلا يمكن لليسار التحالف مع الحزب الشعبي الذي قاد البلاد، حسبهم، إلى الكثير من الإجراءات التقشفية والتدابير غير الاجتماعية وزيادة نسبة البطالة التي وصلت 20 في المائة، ولا يمكن للحزب الاشتراكي المقتنع بنظام فيدرالى لبعض الأقاليم التحالف مع بوديموس الداعم لانفصال إقليم كاتالونيا…

قد تشل مثل هذه الوضعية حركة البلاد لتبقى في مستوى تصريف الأعمال، ولكنها بالتأكيد تلقي المسؤولية على الناخب وتقود في النهاية إلى عقلنة للمشهد السياسي لأن إعادة الانتخابات لتفضي إلى تشكيل حكومة منسجمة وقوية أفضل من ان تتشكل حكومة غير منسجمة، فالتحالف قد لا يخضع للتقارب الإيديولوجي وجوبا، ولكن لا بد أن ينضبط لبرنامج سياسي وقواعد أخلاقية واحترام لإرادة الناخب واستشعار لمحاسبته، وهذا ما تفتقده الحالة المغربية التي أصبح الرهان الأوحد لانتخاباتها هو الحصول على المرتبة الأولى التي تضمن رئاسة الحكومة، وبعدها يضرب بعرض الحائط كل الوعود والبرامج الانتخابية والمبادئ والمواقف والقواعد الأخلاقية، حيث يحل كل حزب لنفسه التحالف خارج أي ضوابط لأن العديد منها لا تتصور استمرار الحزب بدون وجود في الحكومة.

يتضح مما سبق أن التنصيص الدستوري على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات بطريقة غامضة وعامة لا يعني امتثالا كليا للمنهجية الديمقراطية طالما لم ترافقه مجموعة من الإجراءات التفصيلية، ولذلك يلزم تعديل الفصل 47 من الدستور بشكل صريح أو تطوير اجتهاد عملي تتكرس من خلاله ممارسة ترقى إلى العرف الدستوري الذي يعكس حقيقة المنهجية الديمقراطية من حيث المدخلات والمخرجات، وهذا ما سيجعل للتنافس الانتخابي جدوى، وللتحالفات السياسية قيمة تضفي معنى نبيلا للحياة السياسية.

قد يتساءل البعض عن سبب سقوط لجنة مراجعة الدستور في هذا التقصير؟ والسبب واضح يتمثل في عدم توسيع دائرة التشاور وعدم الأخذ بمقترحات بعض الهيئات المنشورة علنا وبسبب هاجس الوقت الذي كان يضغط لتقديم عرض سياسي يحد من مد الحراك الشعبي في الشارع وبسبب الرغبة في ترك الفراغات وتوسيع المناطق الرمادية التي يفسرها النظام الحاكم حسب موازين القوى، وخير مثال هو تجاهل مقترح للحزب الاشتراكي الموحد، يراعي مقتضيات هذه المنهجية الديمقراطية، تضمنته وثيقة الحزب المعنونة بـالمقتضيات الأساسية المقترحة الملكية البرلمانية … هنا والآن) بغاية اعتمادها في صياغة دستور جديد، وهي مؤرخة بـ8 ماي 2011 ونصت على يعين الملك في منصب رئيس الحكومة الشخصية التي يتبين – من خلال الاستشارات التي يجريها رئيس مجلس النواب مع ممثلي الأحزاب والكتل الممثلة في المجلس المذكور – أنها تحظى بمساندة أكبر تكتل لأعضاء مجلس النواب).

من المسؤول عن هذه الثغرة الدستورية؟ هذه واحدة تجعل الحاجة إلى مراجعة الدستور أكثر من ملحة لعقلنة التحالفات وتخليق المشهد السياسي ورد الاعتبار للناخب.