خلال حصة دراسية تعاوَرَتْها مآخذ السؤال الملح وعوارض الاستفسار البريء من تلامذتي، وَقَعت مني الحاجة لمراجعة المصحف الشريف بغاية التثبت من آية فيه. وحيث إني لم أكن أملك نسخة منه بقسمي فقد بعثت في طلبه عند الجيرة من الزملاء ثم عند الإدارة بمكاتبها فلم نعثر على نسخة منه البتة! استسلمت لخيبتي واعتذرت ثم استأنفت الدرس مغالبا مضض التقصير من جهتي. بعدما انفض الحشد الفتيّ من حولي تُرِكتُ لوحدتي أستعيد ما حصل، فأدركت فداحة الكارثة؛ مؤسسة تعليمية، بطاقمها، وفي بلاد المسلمين تربي النشء وتصوغ منه النفس والقلب والعقل وهي تعدم نسخة من كتاب الله تعالى في خزانتها. تعدمه وهو أول العلم وآخره! كيف نراكم الأوراق والكتب والمطابع أكداسا ولا نستحضر كتاب الله بيننا؟). ربما كانت هذه المحكية الحزينة ستلفظ نفسها الأخير تسويدا على بياض مذكرات مدرس ذي حرقة فتنسى كسابقاتها. لكن فتوق الحسرة هنا فادحة. ونعم الحسرة تلك التي توري زناد العزم فتبعث جذوته.

ليس التعليم أن نساعد التلميذ على توسعة وعاء التلقي، ليسع ركام المعارف فيستغرقها. بل هو توليف تضافري يفتل المهارة بالمعرفة على ضوء الموقف وبإمامته؛ ذاك الموقف النظري – من الوجود والعالم – الذي يستهدي بموارد الوحي المنزل ويصوغ تصورنا للإنسان والحياة وسعيه في دروبها. الإمام كتاب الله تعالى، هو القطب الذي على مداره ينبغي أن تنتظم المعارف في ذهن المتعلم المسلم. وعلى هداه وأمره يستوعب المتعلم مشاهد الخلق والتكوين في حصة علوم الحياة والأرض، ثم طوعا لجدوى الخلق ومصيره وقدره السابق يطوع المتعلم ملكات التفكير والتعليل والنظر في حركية الخلق وتدافعه الكوني.

غياب كتاب الله تعالى ووحيه عن مدارسنا فهما وروحا وعملا يجعل منها نَواشئَ مُنبَتَّة عن أصلها الأصيل، مقطوعة عن هويتها القرآنية. ولأن الفراغ وهمٌ وادعاء تكذبه قوانين الفيزياء، فإن الغياب الذي نخشاه سرعان ما تَسُد ثغراته نزعاتٌ وضعية جاهلية تحمل بذارها البرامجُ التعليمية المستوردة على منوالها الغربي قبل أن تستنبت في عقول النشء المسلم دون تَحوّط. غالبا ما تجعل تلك المناهج التعليمية التلميذ غرضا سهلا في مواجهة غير متكافئة ولا متبصرة مع توليفات جاهزة من النظريات العلمية ومناهج التحليل وخوارزميات المعرفة الوضعية المقطوعة عن موارد الوحي، فيتلقاها المسكين حقائق منزهة أو كتلا شوهاء يرصفها في ذهنه مع سوابق المعرفة الأولى، حتى لَتَبْلُغُ من تشاكسها وتصاخبها حدا ينسخ عنده بعضها بعضا أو يصهر منها وعيا ثقافيا لا يكاد، من فرط تلفيقه، يبين. ثم إيمانا متهافتا لا يقر له يقين.

حال التيه المعرفي هذا تغذيه، من جهة، روافد التنشئة المعيبة والخالية من ورد التثقيف الذاتي القاصد والمفتقرة لجرعات الاشباع الإيماني داخل الأسرة. ثم يزيد رسوخه، من جهة ثانية، بفعل طبيعة المنهاج ذاته وانبنائه على غير مدار القرآن (دوروا مع القرآن حيث دار). إن منهاجا دراسيا لا يكون الوحي قطبه ومداره ومرجعه الوجودي لهو مظنة صريحة لبروز جيل مُنبَتٍّ عن قاعدته القرآنية، متراخ في فطرته عن مُسكَة الميثاق الأول (ألست بربكم؟) ثم إن مدارس يغيب المصحف عن رفوفها ومنصاتها وخطابها التربوي لهي – بالتداعي المحتوم – مصانع شخصيات واهية لا يعلق القرآن بوعيها إلا كما يعلق به صدى دندنة جميلة سرعان ما تقذف كلما جَدّ أوان البحث والفهم والتفكر الرصين!

على رقابنا، معاشر المربين، أمانة استرداد كتاب الله إلى مدارس الأمة، وتتويجه ولألأته في قلوب النشء وأنظاره أيقونة وملاذا ومعلمة. علينا واجب تثويب الخطاب التربوي إلى منبعه القرآني العميق وبثه بين المتعلمين في شتى صور المعرفة المنقولة. أمامنا عقبة المصير؛ عقبة المؤاخاة بين المدرسة والمسجد بحبل القرآن وجلاله.