حظيت الحركات الإسلامية منذ نشأتها بالتمحيص والبحث، وأجمعت أغلب الدراسات أنها حركات اجتماعية تسعى إلى بناء نظام اجتماعي جديد قائم على الإسلام، والحركات الاجتماعية ما هي إلا ردود فعل لتغيرات بنائية في المجتمع مرتبطة بمتغيرات أخرى مثل التحولات الاقتصادية والاجتماعية وبنية النظام السياسي ونظام القيم؛ وهي بمثابة جهد جماعي ومطلب مشترك بين جماعة من الناس يعملون بوعي، وباستمرار على تغيير بعض أو كل أوجه النظام الاجتماعي والسياسي القائم، ويمرون بعدة مراحل لكي يصلوا إلى هذا الهدف، تبدأ عادة بحالة من القلق والتوتر الجماعي غير المنظم، لتنتهي بتكتل صفوف ووعي القائمين بالحركة وتوجيههم نحو هدف واحد محدد وهو تغيير النظام الاجتماعي والسلطة السياسية القائمة. ودراسة الحركات الإسلامية كحركات اجتماعية وسياسية تركز على كونها قوى سياسية في المجتمع لها أهدافها وخصائصها المتميزة واستراتيجيتها وتتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية السائدة، شأنها في ذلك شأن أي قوى سياسية أخرى. وما صفة “الإسلامية” في هذه الحالة سوى تعبير عن الإطار الفكري الذي تنطلق منه هذه الحركات، فهي في حقيقة الأمر حركات اجتماعية وسياسية في مجتمعات إسلامية، ويمكن أن نقول إن أبرز السمات المميزة لهذه الحركات هي حداثتها. فهي حركات نشأت في كنف الحداثة واستجابا لتحدياتها. وهي أيضا إسلامية بمعنى أنها اختارت استجابةً لتحديات الحداثة المرجعية الإسلامية، ومن المفاهيم التي يشتد حولها القلق في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر، مسألة «المرأة» وجدلية دورها الاجتماعي العام.

فالبعض يريد أن يجعل من الوضعية الراهنة للمرأة آخر معقل لإسلام منهزم ومنحط، وآخرون يعتبرونها عتبة لتأسيس الديمقراطية. ويحصر البعض هويتها في أمومة يعتبرها آخرون عائقا نحو مشاركتها الفاعلة والفعلية في المجتمع. بعضهم يختزلها في جسد يجب أن يلف، وآخرون في جسد يجب أن يكشف. بعضهم يرى أن صوتها عورة يجب أن يخرس وآخرون يرونه صوتا انتخابيا يجب أن يربح. منهم من يريدونها حرية بدون حدود، ومنهم من يريدها مكبلة بكل القيود. وآخرون يصرون على حمايتها رغما عنها. هكذا إذن ومنذ قرون عاشت المرأة تتقاذفها الآراء بين منتقصين وأنصار.

إن الحديث عن المرأة ودورها الفاعل في البعد الإنساني المتنوع، والمتحرك المواقع، يثير الحوار حول الكثير من المفاهيم القلقة التي يحملها الناس في النظرة إليها، لاسيما في الإطار الديني الإسلامي، مما قد يؤدي إلى الارتباك في التعامل معها على صعيد الواقع، أو إلى فقدان ثقتها بنفسها من خلال الإيحاءات المختلفة المؤثرة في شعورها وإحساسها بالحياة من حولها، ونظرتها إلى المسؤولية الملقاة على عاتقها 1 . ومحور هذا القلق في قضية المرآة، هو جدلية دورها الاجتماعي ومشاركتها في الوظائف العامة. فالمرأة المسلمة مبعدة عن دورها الاجتماعي والحياتي إلى حد كبير، ولا يزال هاجس إبقائها على الهامش ينغص عيشتها، ويقلق راحتها، ويقصيها عن الحركة، وتبقى مسألة الاعتراف للمرأة بفاعليتها، ودورها، وعدم فرض الوصاية العمياء عليها من أهم القضايا التي تشغل بالها 2 .

طالع أيضا  مقاربة الحركات الإسلامية لقضية المرأةنموذج جماعة العدل والإحسان (2)

وتأسيسا على ما سبق، نصبح أمام مجموعة من التساؤلات التي تطرح نفسها من قبيل:

* كيف ينظر المشروع الإسلامي إلى قضية المرأة؟ ما أسسه المركزية في المعالجة؟

* ما موقع قضية المرأة في هذا المشروع؟ وكيف يمكن تقييم هذه المعالجة؟

وانطلاقا من أهمية دراسة دور النساء في الحركات الإسلامية، نسعى هنا إلى مقاربة النشاط النسوي الإسلامي في المغرب من خلال نموذج جماعة العدل والإحسان من خلال الموقع الذي تحتله قضية المرأة في ادبيات الجماعة، وما مدى التطابق بين التنظير في قضية المرأة وواقع الممارسة.

وللإجابة على هذه الاشكالية، سنقسم موضوعنا هذا الى ثلاث محاور:

– المحور الاول سنتطرق فيه الى موقع المرأة بصفة عامة في فكر الحركات الإسلامية، معللا ببعض الشهادات لفاعلين في حقل الحركة الإسلامية.

– في المحور الثاني سنلقي الضوء على تصور جماعة العدل والإحسان لقضية المرأة.

– المحور الثالث يبرز موقف جماعة العدل والإحسان من بعض القضايا النسائية.

المحور الأول: موقع المرأة في فكر الحركات الإسلامية: ملاحظات أولية

تعد المساحة التي أخذتها قضية المرأة في الأدبيات الإسلامية، من حيث الكم قليلة، لكن المتتبع لهذه الكتابات تتكشف له بعض الملاحظات:

– يغلب على الكثير من هذه الكتابات الحالة الانفعالية والدفاعية في الرد على الشبهات والإشكاليات التي تثيرها الأقلام والتيارات غير الإسلامية حول المرأة. وبذلك فجل مقاربات هذه القضية على اختلاف توجهاتها تبقى جد سطحية ولا تلامس عمق المسألة بل تتخندق في إطار ردود الأفعال 3 .

– إن أغلب الكتابات الإسلامية عن المرأة جاءت من الرجل وليس المرأة.

– قد تتصف الكثير من هذه الكتابات بالاجترار والتكرار والتقليدية أو السطحية في بعض الأحيان، مما يصيب المتتبع بالإحباط، فلا ترى التجديد والعمق والإبداع إلا قليلاً.

– رغم وجود قواسم مشتركة تؤلف بينها، فإن هناك تباينات لا سبيل لإنكارها في موقفها من الشريعة بين التقيد بظاهرية النص وحرفيته وبين الانفتاح والبحث في مقصد النص ومراميه. وهو ما خلّف تفاوتا بينها في الرؤى وفي البرامج وأساليب العمل والمواقف في مراحل متقدمة.

طالع أيضا  مقاربة الحركات الإسلامية لقضية المرأة"نموذج جماعة العدل والإحسان" (3)

– لا زالت هناك فجوة عميقة بين التنظير والممارسة في مسألة المرأة،إذ يمكن اعتبار الطرح المقدم من الحركات الإسلامية في قضية المرأة أكثر تقدما. حيث إن الموروثات والتقاليد التي تهمين على الواقع هي أقوى وأكثر تأثيراً من التنظير الإسلامي.

وتختلف الوضعية التنظيمية للنساء داخل الحركات الإسلامية، فإذا كان العديد من الحركات الإسلامية، تعتبر وجود النساء عاملا تجميليا تستهدف به تحسين صورتها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ومن ثم لا يسمح لهن إلا بتقلد الأدوار الدعوية تحت عباءة الرجل، تقول السيدة مهج قحف وهي عاملة في الحقل الإسلامي في أمريكا: عدم وجود أعداد كافية من النساء المؤهلات، هو أنه يحال بين النساء، وبين اكتسابهن لبعض المهارات اللازمة للعمل السياسي. أعطوا النساء بعض التشجيع، وأفسحوا أمامهن بعض المنافذ كما هو الأمر بالنسبة للرجال عندها سيتخرج نسوة ذوات أهلية) 4 . وتضيف منى يكن في معرض حصر اهتمامات المرأة في زاوية قضايا المرأة دون اشراكها في قضايا الامة المصيرية: فإني أنكر حصر اهتمامات المرأة المسلمة الحركية والفكرية والدعوية بقضايا المرأة ليس إلاّ لأنه بذلك تعطل جوانب عديدة من كيانها الإنساني، ونحرمها من حق المشاركة في قضايا الأمّة المصيرية التي يحاول احتكارها الرجال، فهل من حق الرجل أن يقف حائلاً بين المرأة وبين عطائها الإسلامي؟ وهل يجوز له أن يحصر العمل للإسلام على شخصه فقط ويحرمه على المرأة) 5 .

وعلى العكس، فان بعض الحركات تعتبر الوجود النسائي ضرورة ليس تناغما مع المستجدات المجتمعية والخارجية ولكن من باب إنصاف المرأة كما أراد لها الخالق، ومن هنا انخراط النساء في تقلد أدوار اجتماعية غير تقليدية، يقول الدكتور حسن الترابي في معرض حديثه عن تطور العمل النسائي داخل الحركة الإسلامية في السودان: وانقشعت الشكوك التي كانت تراود البعض في صحة الفقه وحكمته إذ رأوا تأويله خيراً عظيماً. فنهض العمل النسوي في حساب الجماعة، إذ أصبح عداد النساء أو عطاؤهن يوازي شأن الذكور ويضاهيه. فشاركن في الدعوة والمجاهدة ونافسن في عمل الخير، وأخذن يستدركن كثيراً مما سبق به وأنجزه الرجال. هنالك اطمأنت الجماعة أن قد اعتدل خطابها وصفها، وفق معايير الدين لا معايير العرف) 6 .

ولتحديد مدى تطور وضعية النساء داخل الحركات الإسلامية، لابد من وضع مؤشرات جديدة لقياس وضعية النساء داخل هذه الحركات غير المؤشر الانتخابي، لأن استخدام الدور السياسي والمؤشر الانتخابي معيارا لبيان مدى تقدمية رؤية الحركة بشأن النساء لا يعكس حقيقة المشاركة، إما لموقف هذه الحركات من المشاركة في العملية السياسية بصفة عامة أو لرغبتها في فصل الجناح الدعوي عن السياسي، ومن تم وجب الاعتماد على مؤشرات يمكن أن تُشكل في مجموعها أداة يمكن الاستناد إليها لتحديد وضعية النساء داخل التنظيمات الإسلامية:

طالع أيضا  مقاربة الحركات الإسلامية لقضية المرأةنموذج جماعة العدل والإحسان (2)

– وحدة شروط العضوية بالنسبة للرجال والنساء.

– توزيع المهام الحركية حسب الكفاءة لا الجنس، وتأديتها بطريقة تشاركية.

– تمثيل النساء بنسب معتبرة في كافة الهياكل والأطر الحركية وبخاصة التنفيذية منها بما يتجاوز حدود المشاركة الرمزية إلى المشاركة الفاعلة.

– إنتاج خطاب نسوي مستقل عن خطاب الحركة وتشكيل تيارات ضغط تطالب بحقوق للنساء موازية لحقوق الرجال.

إذا كان فكر الحركات الإسلامية في وقت سابق، ركز اهتمامه في مناقشة قضايا فرضها الاصطدام مع الفكر الغربي كمكانة المرأة وقضية الحجاب… فإن الوقت لا يسمح حاليا بإعادة نفس النقاش، وإنما يجب البحث عن كيفية بناء شخصية المرأة المسلمة الفاعلة في التغيير، هذا ما سنبحث عنه من خلال تناول قضية المرأة في المشروع التجديدي لجماعة العدل والإحسان.


[1] تأملات إسلامية حول المرأة. السيد محمد حسين فضل الله، بيروت: دار الملاك ط2، 1992م، ص3.\
[2] د. منى يكن: الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده. ندوة: مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل، الكويت: الأمانة العامة للأوقاف، ط1، 1993 م، ص268.\
[3] قضية المرأة في فكر جماعة العدل والإحسان، الموقع الرسمي للجماعة. تاريخ النشر: الثلاثاء 8 مارس/آذار 2005. http://www.aljamaa.net\
[4] عبد المجيد النجار: “مستقبل العمل الإسلامي الحركة الإسلامية في ظل التحولات الدولية وازمة الخليج”. دار النشر شيكاغو: المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث، 1991. ص96.\
[5] منى يكن: “الفكر الحركي الإسلامي وسبل تجديده”. ندوة: “مستجدات الفكر الإسلامي والمستقبل”، الكويت: الأمانة العامة للأوقاف، الطبعة الأولى 1993 م. ص272.\
[6] حسن الترابي: “الحركة الإسلامية في السودان، التطور والكسب والمنهج”، الخرطوم، بدون ذكر الناشر، 1410 هـ، الطبعة الأولى، ص151.\