واحد وسبعون عاما مرت على تأسيس جامعة الدول العربية.

واحد وسبعون عاما من التوافق الصوري بين أعضائها، ومن الخلاف العميق، ومن قلة الجدوى، ومن الصد والرد، ومن الإخفاقات المتوالية، ومن التطاحن المرير، ومن الآمال الموؤودة، ومن الآلام المزمنة.

عفوا، فليس تاريخ “بيت العرب” كله محطات خلاف وتضارب وتطاحن؛ فقد كانت فيه، ولا تزال، محطات أبانت عن معدنهم الأصيل في شجاعة المواجهة، وشدة البأس، وصلابة القرار، وقوة التصميم، حيث اتفق، بل أجمع الحكام العرب السابقون، وورثتهم اللاحقون، على مواجهة ألد خصومهم، وقهر أشد أعدائهم، والبطش بالتهديد الأساسي الذي يهددهم، ألا وهي شعوبهم العربية.

لقد كانت الشعوب العربية، ولا تزال، الغصة التي تغص بها حلوق هؤلاء الحكام. ولولا أنه لا معنى لحكام بدون محكومين، لأبادوا هذه الشعوب عن بكرة أبيها.

نعم، نجح العرب في طرد الاستعمار الذي جثم على الصدور عشرات السنين، ولكن الشعوب وحدها دفعت الضريبة من دماء أبنائها وأرواحهم وسعادتهم. أما الحكام فقد كانوا دائما على أتم استعداد، وفي كامل الجاهزية، لقطف الثمار التي فنيت الشعوب وأُفنيت في سبيل زرع بذورها وسقيها وتعهدها. بل كثيرا ما كان الحكام مصطفين في خندق أعداء الوطن في مواجهة شعوبهم حرصا على الكراسي التي كانت جزءا من صفقة تصفية الاستعمار.

وكانت قضية العرب والمسلمين الأولى، فلسطين السليبة، محرارا وميزانا ومقياسا كاشفا فاضحا لمدى صدقية شعارات هؤلاء الحكام، فتواطأ من تواطأ منهم منذ حرب فلسطين الأولى ببعث الأسلحة الفاسدة إلى المجاهدين، أو ببيع المواقف التاريخية في مزاد السياسة البغيض، أو بشراء السلامة من تحت طاولة الأعداء، قبل أن نعيش في السنوات الأخيرة جرأة ما بعدها جرأة في المواقف المؤيدة للاحتلال، المحاربة للمقاومة المحاصِرة لأهلها، والمكرسة للانقسام بين إخوة الدين والأرض والدم. وما حصار غزة إلا مثال من هذه الوقائع المريرة.

ثم جاء الربيع العربي، قبل خمسة أعوام، مبشرا بيقظة الشعوب التي سحبت الوكالة التي منحتها لحكامها على مدى عشرات السنين بعد الاستقلالات الصورية، ومؤذنا بنهاية عصر الاستبداد الذي كانت ولا تزال شعوبنا أولى ضحاياه، فاتحا أول باب في طريق الأمل الطويل… فما كان من “جامعة الحكام” إلا أن توحدت بعد فرقة، والتأمت بعد شتات، لمواجهة الخصم المشترك الذي سقطت بمجرد تململه بضعة رؤوس فاسدة منها، فيما دَوَّخَت الرؤوسَ الباقية مشاهدُ الشعوب وهي تزأر بصوت واحد: “الشعب يريد إسقاط النظام”، “الشعب يريد إسقاط الفساد”، “الشعب يريد إسقاط الاستبداد”…

وحصل ما حصل… ما بين المواجهة الدموية المباشرة للشعوب من قبل بعض هؤلاء الحكام، وبين الاستقواء بالأعداء الخارجيين للشعوب، وبين إشعال فتيل المذهبية الضيقة والطائفية البغيضة والعصبية المنتنة، وبين الالتفاف الخادع المخادع.

وبدا لقصيري النظر في الأيام الأولى لسقوط بعض تلك الرؤوس أنها كانت نهاية الاستبداد، ليفيق الجميع على صدمة الأنظمة القديمة التي علّمها خضوع الشعوب الطويل كيف تستنبت رؤوسا جديدة، وكيف توهمها بالتغيير لمجرد استبدال بيادق جديدة بالقديم منها، لتكون النتيجة في كل الأحوال واحدة.

وإلى من يلقي السمع وهو شهيد، نتحدث عن “جامعة الحكام العرب”، ونستحضر أن المرشح الجديد لمنصب أمينها العام هو أحمد أبو الغيط، آخر وزير خارجية في عهد حسني مبارك الذي اقتلعه الشعب المصري من الحكم مطلع 2011. وهي إشارة خطيرة واضحة ومعبرة وفصيحة ومترجمة لحقيقة المشهد العربي الجديد الْمُعَدّ بعد خمسة أعوام من انطلاق هذا الربيع، أن الأيادي الفاسدة تَهُمُّ بإعادة عقارب الساعة إلى مكانها قبل هبة هذه الشعوب المستضعفة، وأن الاستبداد الذي نهضت لإسقاطه يكاد يستنسخ ذاته مرة أخرى ليذيقها الويلات والويلات غضبا وانتقاما، وأن الأثمان الباهظة التي دُفعت من أجل الانعتاق والكرامة والحرية توشك أن تذهب سدى، إلا إذا وعت هذه الشعوب الدرس جيدا… إلا إذا انحازت طلائع التغيير إلى المستضعفين الناهضين… إلا إذا تحمل الجميع المسؤولية بصدق ووعي وصبر وتفان.