تقديم

هل يعتبر البحث في التراث الفقهي للإجابة عن قضايا المرأة هروبا من وضوح الجواب الحداثي؟

يسود في الخطاب الإسلامي المعاصر عند معالجة قضايا المرأة الركون إلى العقلية الفقهية بمعناها التقليدي الذي لا يحمل إلا سلاح الحكم الفقهي التراثي، مهما كان صوابه، في مواجهة منظومة حداثية فكرية مستندة على ترسانة هائلة من العلوم والمعارف والدراسات حول المرأة، وهو ما يجعله، عمليا، يخضع لرد فعل متشنج ونَفَس منفعل قد يكون عنيفا في معناه أو وسائله أحيانا.

إن التفاوت الحاصل في بنية المجتمع الإسلامي؛ اجتماعيا وسياسيا وفكريا وثقافيا، يساهم من جهته في اعتماد هذا النمط من المواجهة، وهو نمط غير متوازن؛ ذلك أن الجواب الحداثي متكئ على وضوح مرجعي، وعلى تفصيل علمي نسقي، وعلى سياق تاريخي متجانس الحلقات والمراحل، وواضح الأفق. في حين يستند الجواب الفقهي المجرد على واقع مرتبك ومبعثر في كل المجالات، وهو ما يفقده النسقية التكاملية، ويجعله رهين نتائج سياق تاريخي فاقد للأفق، مما يجعل الهوة واسعة بينه وبين مرجعيته (الوحي)؛ فيتحرك وفق إرادة جزئية لا تستطيع مجاورة أو محاورة أو مواجهة إرادة كلية تخاطب الواقع من موقع العنف الرمزي أو المادي، الذي يجسده مفهوم القوة كما استقر عليه الأمر في تجربة الجواب الحداثي بعد الحروب العالمية والأهلية في السياق التاريخي الغربي.

فما هو المدخل لتقديم المرأة وحركتها في الواقع الإسلامي بما يقدم نموذجيتها الإسلامية المتكاملة؟

من ردة الفعل إلى الفعل

من المعلوم أن حركة المرأة في الواقع الإسلامي المعاصر ارتبطت بثلاثة عوائق أساسية؛ يتجلى الأول في واقع التقليد والجمود الذي حال دون استثمار مجهودات جبارة للنساء عبر تاريخ المسلمين لبناء حركة المرأة تلقائيا حتى تحتل مواقعها الطبيعية في صناعة حركة الأمة والإنسانية، ثم المساهمة في تجديدها. وأما الثاني فيتجلى في الواقع الاستعماري الذي راهن على موضوع المرأة وقضاياها في فرض خياراته على المجتمعات الإسلامية، لأنه وجه التفاعل مع هذه القضية وفق منطق صراعي عمودي ساهم في تمزيق المجتمع. وأما الثالث فيتجلى في واقع الحركة الإسلامية المعاصرة، في الغالب، التي جعلت من موضوع المرأة موضوعا حركيا ذي صبغة هيكلية فقط، وليس موضوعا مرتبطا بقضية الحرية والقوة والاستقلال وإعادة بناء المجتمع جذريا.

فمن علامات إخفاق الحركة الإسلامية المعاصرة، كليا أو جزئيا، تعاملها الجزئي مع قضية المرأة، حيث لم يتخلص هذا التعامل من منطق الذكورية والاستبداد الذي استطاعت التجربة النبوية في ظرف وجيز أن تنقله من حالة وأد البنات إلى واقع العلمية والأصلية والمرجعية، ذلك أن تتبع نسقية نزول الأحكام الفقهية عبر الوحي والممارسة النبوية يكشف عن هذا التحول الكبير والجوهري في موقع المرأة من الواقع الجاهلي إلى الواقع الإسلامي.

وإذا كان الجواب الحداثي يحصل ضمن استراتيجية الغرب ونخبه في الداخل الإسلامي لإحداث تغيير في ماهية العلاقات المجتمعية ومضامين تفاعلاتها في الحاضر والمستقبل، عبر دسترة كثير من هذه المضامين وترتيبها ضمن قوانين ومساطر تروم اختراق الواقع التقليدي للمرأة والمجتمع، فإن معالجة الحركة الإسلامية للموضوع لم تنخرط ضمن استراتيجية التغيير الشامل للنظام الاجتماعي؛ سواء التقليدي أو الذي أنجزه الجواب الحداثي على الرغم من محدوديته، ولذلك كثيرا ما ارتبك الأداء النسائي داخل صفوف الحركة الإسلامية لما ارتبط من جهة بالحكم الفقهي التراثي، ومن جهة ثانية بالموقف الجزئي من الجواب الحداثي، وكل ذلك ضمن واقع هيكلي وتنظيمي لدى الحركة الإسلامية يعاني من إعاقات حادة تتعلق بنظام الشورى ونظام التفكير حول القضايا التجديدية في تجربة هذه الحركة؛ منها قضية المرأة، وهو ما يعني أن تحريك قضية المرأة في السياق الإسلامي لم يتخلص من ردة الفعل تجاه الواقع، لأنه لم يُخرج نظام معالجتها من قبضة عقلية الحكم الفقهي التراثي، وعقلية البرنامج العملي والتنظيم المرحلي، إلى المعنى المرجعي الشامل، وإلى عقلية المشروع المجتمعي الكبير، وإلى معنى الجماعة وليس التنظيم من حيث هو هيكلة مرحلية.

ومن أبرز المؤشرات على هذا؛ اللجوء إلى نظام “الكوطا” عبر صور مختلفة لجعل المرأة في مواقع القيادة والمسؤولية بدلا من الرهان على تطور حركتها الطبيعي ضمن صيرورة البناء الإسلامي التجديدي، وكذلك، إخضاع النقاش التصوري إلى ضغط الجواب الحداثي من خلال محاولات إثبات أن الإسلام يساوي بين المرأة والرجل دون الوعي بالسقوط، عبر هذا النمط من المعالجة، في فخ الاستراتيجية الحداثية، ذلك أن حركة الإسلام المتجددة تفرض سياق مطلب العدل وليس مطلب المساواة.

فالعمل على صناعة سياق مطلب العدل الشامل لن يتحقق من دون تأسيس قواعد العدل التي تضمن للمرأة كرامتها وتوفر لها شروط الحرية لبناء حركتها التلقائية، مع وعيها بهذا الشرط الجامع لدى الرجل أيضا.

فإنجاز واقع العدل شرط موضوعي ليتحرك كيان المرأة وكيان الرجل، كل وفق خصوصياته الذاتية، ليحتل مواقعه الطبيعية في عمليات البناء والتغيير الجذري لبنى المجتمع التقليدية والاستعمارية.

ولاشك أن هذا الوعي المصيري سيشكل الأرضية الصلبة لانطلاق العمل الجماعي على قاعدة البذل والعطاء والبر، لا على قاعدة هذا حقي أطلبه أولا، التي قد يتمترس وراءها كل طرف فتتضخم معيقات التغيير المطلوب، بل قد تنتكس.

ومعنى هذا أن معاجلة قضية المرأة، التي ينبغي أن تكون هي رائدتها، لن تتقدم كثيرا في الاتجاه الصحيح دون إخراجها من مواقع ردة الفعل، بالتخلص من سياق الحكم الفقهي التراثي ومن سياق الضغط الشديد الذي يفرضه الخطاب الحداثي تجاهها، والانفتاح على أفق الحرية الكاملة التي يرتبط فيه مصيرها بمصير الإنسانية كلها ارتباطا وجوديا.

لا فعل تغييري إلا على قاعدة مشروع مجتمعي

ومما يعيق عمليات تموقع المرأة الصحيح ضمن حركة مجتمعاتها اللجوء إلى عمليات غامضة وتلفيقية بين التصورات المختلفة المرجعية حول قضايا مصيرية، وهو الأمر الحاصل في قضية المرأة عندنا.

فأي تلفيق في هذه القضية يعني أمرين؛ الأول يتجلى في إتلاف كيان المرأة المعنوي والمادي بشكل جزئي أو كلي، والثاني يتجلى في ترسيخ أكبر عائق محيل دون التقدم في عمليات التغيير، لأن إدخال البناء النفسي والفكري والوجداني والحركي للمرأة في درجة من الغموض والاضطراب يعني شلل حركة المجتمع كليا على المدى الطويل، ذلك أنه لا تغيير من دون المرأة، ولا امرأة كاملة دون كمال كيانها.

فماذا يعني كمال كيان المرأة؟

تفقد نظرية المساواة بين الرجل والمرأة قيمتها العلمية والعملية، لأنها مبنية على مغالطة وجودية لما ساوت بين أمرين غير متساويين بالطبيعة في البناء النفسي و”الفيزيولوجي” والوظيفي الأصلي، أما نظرية العدل فمبنية على العلم بهذا التمايز الخِلقي حيث توزع من خلاله الوظائف الأساسية والفرعية لكل كيان وفق تجانس وانسجام وتكامل غاية في الجمال والدقة والإجرائية، لذلك لا يمكن اكتمال بناء كيان دون كيان آخر لضرورة الاحتياج الفردي والجماعي لكل واحد منهما للآخر.

وإذا كانت نظرية المساواة مبنية على قيمة خُلقية تستمد مضمونها من معنى القيم في سياق التجربة الغربية، الذي ارتكس بقيمة المرأة إلى المعنى الدوابي، فإن نظرية العدل بنيت على أخلاق الوحي كما عرضها القرآن الكريم وجسدتها السيرة النبوية في كمالها.

وما ترفضه نظرية العدل أن تبني مضمونها العلمي والحركي والهيكلي العام على أن الواقع صراع بين التقليد والحداثة، لأنه صراع وهمي ومفتعل، مما يؤدي إلى تحريف عمليات التدافع لصالح الواقع السلبي السائد.

فنظرية العدل تبني واقعها التدافعي على منطق التدافع بين الاستكبار والاستضعاف؛ بين الجور والعدل؛ بين قيم المسخ وقيم التكريم الإنسانية الحقيقية، وبهذا تُصحح وجهة ومواقع التدافع في الحياة المجتمعية والسياسية، إذ تخرجه من السطحية والفوقية إلى القيام به في مواقعه الصحيحة.

وبهذا يتحرك كيان المرأة نحو الكمال لما ينطلق في حركته الوجودية والبنائية من أخلاق الوحي وخدمة الإنسانية من خلال خدمة المستضعفين، وهو ما يعني أن كمال الكيان يحصل ضمن حركة مشروع مجتمعي متكامل يروم تحقيق مطالب الوحي على قاعدة أن المصير الفردي لا ينفك ولا ينفصل علما وعملا عن المصير الجماعي، فينعكس ذلك جملة وتفصيلا في كل المهام التي تتصدى لها المرأة بإرادتها وبتلقائية.

وهكذا تكون المرأة مؤهلة لأن تكون صاحبة مشروع فضلا عن أنها مؤهلة لأن تكون صاحبة فكرة، أي أنها تستطيع، في ظروف وشروط العدل، أن تنجز مهاما تنفيذية تنظيمية كما هي مؤهلة لإنجاز مهام مصيرية وكلية وفق خصوصياتها الطبيعية التي تظهر في ظروف العدل دون تكلف أو تلفيق أو تحايل على المرحلة التاريخية التي تتصدى فيها هذه المرأة لهذه المهام.

خاتمة

من أخطر الانزلاقات في عملية التغيير التي يحتاجها المجتمع الإسلامي اليوم معاجلة قضية المرأة في سياق صراع وهمي بين التقليد والحداثة، ذلك أن هذا الصراع يجعل من حركة المرأة سطحية ولا تلامس عمق حركة المجتمعات، فضلا عن أنه يسجنها في إطار رد فعل جزئي، لذلك لا مستقبل للأمة دون تحرير هذا التدافع بالانتقال به، على درجة كاملة من الوضوح، إلى واقع التدافع الحقيقي بين المشروع الحداثي والمشروع الإسلامي واكتشاف المعاقل الحقيقية التي يتم فيها.

ولذلك أصبح من الضروري على الحركة الإسلامية أن تتعامل مع قضية المرأة باعتبارها الشرط المشروط في عملية التغيير والتحرير، وذلك بالتحرر من النظرة المقزمة والمقززة لهذا الكيان، الذي جعل الإسلام الجنة تحت أقدامه، بالتحرر من النظرة الفقهية التراثية له ومن اعتباره مجرد جزء ثانوي في البناء التنظيمي والهيكلي، بل قوة لا تستقيم حركتها وتحقق مقاصدها إلا بالانسجام والتكامل مع كيان الرجل في الشأن الفردي والجماعي؛ فكما تتصدع الأسرة حينما تتصدع العلاقة بين الكيانين فرادى، فإن كيان الجماعة والمجتمع يتصدع كلما تصدعت العلاقة بين حركة نسائه وحركة رجاله التي يجب أن تكون حركة واحدة موحَدة وموحِدة، وهي علاقة لا تقبل التلفيق والترقيع، لأنها أساس الوجود السياسي والاجتماعي والأخلاقي.