من آياته العظمى سبحانه

سبحان الملك الوهاب الخلاق العليم البارئ المصور، جعل أحشاء الأم قرارا مكينا للإنسان في أطوار تخلقه العجيب، وجعل له في الأرض مستقرا بعد ذلك إلى حين في كنف رحمتها ومودتها. من آياته العظمى سبحانه خلق الإنسان، ومن آياته العظمى ما جعل بين حنايا الأم من مودة للكائن الضعيف الغض المتوجه بكيانه كله إلى ما تلقيه إليه الأم من غداء لجسمه، المتشرب في طفولته إلى ما معها در القلوب وسح الإيمان إن كانت من أهل الإيمان) 1 .

فإكرام المرأة والإحسان في معاملتها، من الصفات المحبوبة المطلوبة، الموجبة لرضا الله ورسوله، أما إهانتها واستعبادها والإساءة في معاملتها فهي من الصفات القبيحة المورثة لغضب الله ورسوله، فالنساء هن من أكثر الخلق حاجة للمعاملة بإحسان ولطف وخاصة الأم، لذلك أوصى الله ورسوله بالإحسان في معاملتهن وإكرامهن، وذلك لما لهن من دور فعال في تربيت الناشئة و”أنسنة الإنسان” وبناء الشخصية المتوازنة.

الفطرة

الفطرة الاستقامة الأصلية على الدين، والاستعداد الفطري لاتباع الحق والاستقامة على أمره، علمها آدم عليه السلام بنيه، و علمتها أجيال بنيه وبناته ذريتهم، ويبعث الله عز وجل الرسل كلما فترت في الأقوام جذوة الإيمان ليبعثوها فيهم حية، والولدان سفيران دائما لوصل الرسالة الفطرية، خاصة الأم.

جعل الله عز وجل حبل الفطرة ممتدا عبر الأجيال عن طريق الأمومة، مفتولا مبرما، شقاه جسم الجنين ثم الطفل، وروح الطفل يحبوا نحو الرجولة وينهض وله من قدوة أمه، وكلماتها البسيطة، وإخبارها بحقائق وجود الله تعالى وخبر الآخرة زاد منه يستفيض عمره) 2 .

قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ 3 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء” 4 . لا يحتاج تلقين الإيمان للناشئ في حجر ولديه، خاصة أمه، لفلسفة واستدلال على وجود الله تعالى، وعلى معنى وجود الإنسان، وعلى موته ومصيره بعد الموت، وعلى الدار الآخرة وحقائقها. يكفي أن يخبره، وأن يجيب عن أسئلة بداهته، المصدق المحبوب المحسن، أمه خاصة، فإذا بالإيمان يستقر في قلبه.

هذه هي الجذور الفطرية السليمة للإيمان، فإن تلوثت المورثات الإيمانية الفطرية في جيل، نزل الجيل المولود مشوه المعنى كما تتشوه الخلقة الجسمية بمرض المورثات الجسمية وفسادها. ويحتاج الأمر في الحالتين إلى تطبيب.

حافظة الفطرة

حفظ الله عز وجل الفطرة في أجيال المسلمين، من أهم ما حفظ، بتربية الأبوين المسلمين المومنين. حتى نصل إلى عصرنا وإلى ضعف المحفوظ من الفطرة عند أمهات الغثاء وانحرافه عن الاستقامة الحنيفية، وتسربه في رمال الفتنة ورماد المادية القاحل. نكبة ورقدة في الفطرة لا يمكن أن ينبري لها بقومة محيية مقومة إلا أمهات صالحات قائمات بوظيفتهن الحافظية كاملة غير منقوصة. وإنك تجد أمهات الغثاء اللاتي ضيعن على مدى أجيال الجديلة المعنوية من ضفيرة الفطرة يعتنين بدقة بما يرضع الطفل ويلبس ويطيب. لكنهن عن نشأته الإيمانية ورضاعه الفطري في غياب مذهل. الجسم يدلل وينعم ويصان، والروح تربيتها سائبة ناكبة غائبة) 5 .

إن الحنان والمودة والرحمة من لطائف ما خلق الله في قلب الأمهات، وهي أدوات ووسائل توصل الخبر على أقصر طريق وأصدقه وأبلغه أثرا، وتبث كلمة الحق في الطفل في الوقت المناسب، بالبساطة المناسبة، من القلب إلى القلب. وذلك كنز لا يفنى، وبذرة حية لا تلبث بإذن الله أن تترعرع شجرة طيبة توتي أكلها كل حين بإذن ربها.

مفتاح التربية

من أجل تغيير المجتمع والرقي به لا بد من تغيير الانسان، ولتغيير هدا الإنسان لا بد من تربية وتنشئة على القيم الجيدة والمتجددة، تربية تدخله إلى عالم الانسانية أو ما يسميه الأستاذ عبد السلام يــاسين رحمه الله بـ”أنسنة الإنسان” وهذا الدور في الأنسنة وتربية الإنسان، لا تقوم به في المقام الأول إلى المرأة، الكائن الذي يملك سر التغيير حيث المستقبل لتغيير عميق شـامل، تغيير من داخل الإنسان، من تربية الإنسان، من تعليم الإنسان، التغيير أجيال، التغيير أمهات صالحات) 6 .

إن الأم الصالحة المومنة الموصلة لحبل الفطرة القائمة بوظيفة الحافظية كاملة غير منقوصة لهي مفتاح التربية وسر التغير.

على سبيل الختم

إن وظيفة الأم الأساسية ليست هي الاعتناء بما يرضع الطفل ويلبس ويطبب وبتربية الجسم وصيانته فحسب، بل هي أيضا الاعتناء بنشأته الإيمانية ورضاعه الفطري وتربية الروح ووصل الرسالة الفطرية، فهي حافظة الفطرة، الضامنة لاستمرارها، المستأمَنة على إيمان أبنائها، المجيب عن أسئلتهم عن معنى وجود الإنسان وعلى موته ومصيره بعد الموت والدار الآخرة، فالأم بالنسبة لأطفالها هي المصدق المحبوب المحسن. لهذا كرمها الله وأوصى بتكريمها والإحسان في معاملتها، وخفض الجناح لها وحسن صحبتها، لما حملت هذه الأم في الأحشاء ونالت من التعب والنصب، ولما ربت وعلمت ولقنت. اللهم ارزقنا الإحسان في معاملة الوالدين آمين والحمد لله رب العالمين.


[1] كتاب العدل صفحة 273 1.\
[2] كتاب العدل صفحة 273 2.\
[3] سورة الروم الآية 29 3.\
[4] رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[5] كتاب العدل صفحة 275 4.\
[6] تنوير المومنات الجزء الأول صفحة 208 5.\