انتشر البياض وعم السلام ولاح نور الصفاء في الأفق معلنا أن لا سواد ولا كدر بعد اليوم. ترى ماذا تخبئ تلك الجبال وراءها؟ هل هناك عالم خلف تلك الجبال أم لا وجود سوى للسراب؟ في هذه الأسطر بعض مما وراء جبال الأطلس.

فتيات فاتهن ركب الدراسة، شابات في عنفوان الشباب ينتظرن من يطرق بابهن لينقذهن من شبح العنوسة، طفلات في عمر الزهور لعبهن حطب وطوب وطين، نساء كُسرت ظهورهن بحمل الكيلوغرامات الثقيلة من الحطب أو الحشائش فاندرست فيهن أثار الأنوثة جراء الأعمال الشاقة التي يمارسنها، عجائز طال بهن الأمد لا يعرفن في الوجود سوى منازلهن والحقول والجبال حتى أصبحن يحكين حكاياتهن وكأنها حكايات ألف ليلة وليلة… ورجال قصم الزمان ظهورهم فاقت حكاياتهم حد الخيال فاستسلموا ورضوا بما يعيشونه منتظرين “المعجزة”. هذه تركيبة من حاصرتهم جبال الأطلس وراءها وبين فجاجها، حاصرتهم بثلوجها ولفح صقيعها. هي تركيبة مجتمع قد لا يعلم البعض بوجوده ومن يعلم لا يتذكره إلا وقت الفترات الإشهارية والتغطية الإعلامية حول التضامن وكأن هؤلاء الناس ليس لهم حق المواطنة.

ترى ماذا سنقول لهؤلاء النسوة بمناسبة يومهن العالمي؟ بل هل يعلمن أن لهن يوما في السنة للاحتفال وهن اللواتي يعشن الغربة والنفي في أوطانهن؟ هل كان ذنبهن أن خلقن في تلك المناطق ليحاكمن بحكم النفي في الوطن؟ ألا تستحق معاناتهن التفاتة مسؤولة تنصفهن وتحقق لهن الحرية والكرامة؟ هل من العدل أن يبقى مطلبهن في الحياة رغيف خبز وماء للشرب في حين تتقلب مثيلاتهن في أنواع الترف والبذخ؟ هؤلاء نساء قاست قبلهن أجيال ولا تزال، المعاناة مستمرة يكابدن فيها مرارة العيش والجهل والفقر. أوليست هذه ظلمات أحلك من سواد الليالي العاصفة؟ هؤلاء نساء مزق الفقر أوصال أسرهن فرضين بالقليل المتوفر لتسير بهن قافلة الحياة إلى المجهول وغاية سعادتهن الالتفاف حول نار للتدفئة وترديد أهازيج شعبية تحكي قصصهن مع الحيوانات والطبيعة وكأنهن “طرزانات” زمانهن.

إن الزائر لهذه المناطق سيتبادر إلى ذهنه في أول وهلة أنهن لا تنتمين إلى هذا الزمان… فلا وجود لأدنى متطلبات العيش الكريم بدءا بوسائل النقل التي تيسر التواصل بينهم وبين “الحضارة”، حيث يضطر المتنقل إلى قطع العشرات بل أحيانا المئات من الكيلومترات على الأرجل أو على ظهور دواب تحولت عظامها إلى مناجل من شدة الجوع والعمل القاهر، ولا يلجأ إلى الهليكوبتر إلا لمساعدة السياح الراغبين في اكتشاف أدغال المغرب وانتشالهم من حصار الثلوج، في حين أن العديد من النساء توفين وهن يحاولن بلوغ المستشفى للولادة، ومن بقين منهن على قيد الحياة وضعن أولادهن بين فجاج الجبال. لكن الغريب في الأمر أن هؤلاء المنفيات يستقبلن الوافد عليهن بفرحة لا توصف وبكرم يفوق كرم حاتم الطائي رغم ضيق اليد؛ فليس لديهن ما يقدمنه سوى البسمة التي تعلو وجوههن و”الحمد لله” التي لا تفارق ألسنتهن. والأغرب في هذا كله هو إصرارهن على مواصلة العيش هناك رغم أنه منفى بامتياز.

ويبقى السؤال المطروح أما آن الأوان أن تتحسن أوضاعهن؟ ماذا ننتظر من أمهات كل ما يعرفنه طبخ وكنس ورعي غنم وترديد أهازيج يتشاركن صداها مع الأشجار والحيوانات والجبال؟ أي عذر ذاك الذي سيقدم لهن كمبرر على نفيهن وحرمانهن من حقهن في هذا الوطن؟ وماذا سيخبرهن الثامن من مارس لهذه السنة؟

إنهن حقا أيقونات هذا البلد…