المشهد السياسي في المغرب بعد دستور 2011)، كان موضوع الندوة السياسية الفكرية التي نظمتها الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بمدينة العرائش، مساء السبت 5 مارس 2016، وقد جاءت ھذه الندوة لإثراء النقاش حول السياق السياسي العام الذي يعيشه المغرب حاليا بعد أن شهد المغرب إضراب عام للنقابات، وغليان الشارع (ملف الاساتذة المتدربين، امانديس…).

وفي مداخلات كل من الدكتور محمد بن مسعود عضو المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، وعضو المكتب القطري لقطاعها النقابي، والأساتذ الدكتور عبد الرحمن الشعيري منظور، الباحث في الشأن السياسي والديني، تمت مناقشة العديد من النقط الاستراتيجية في المشهد السياسي المغربي.

فقد أكد الدكتور بن مسعود، في مداخلته أن المغرب يعيش على إيقاع نهاية مرحلة سياسية، انطلقت بتعيين حكومة بنكيران وتوقف حراك 20 فبراير، وتميزت برفع مجموعة من الشعارات المؤطرة: كالاستثناء المغربي، وإدماج الإسلاميين في السلطة، ومبادرة النظام للتعاطي مع الحراك بتعديل دستوري غير مسبوق، والإصلاح في ظل الاستقرار). بعد ذلك ناقش المحاضر وفق منهج وصفي تحليلي مضمون هذه الشعارات المؤطرة ومآلاتها في الواقع، ليخلص إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون التفافا للنظام على مطالب وتطلعات الشعب الحقيقية التي خرج من أجلها في حراكه، وبأن التحكم والفساد عادا بقوة)، مستحضرا مجريات ونتائج الانتخابات المهنية وانتخابات 9 شتنبر، وبأن الشارع يتحرك من جديد في اتجاه موجة تغييرية جديدة)، مستحضرا حجم الاستياء والتذمر المصحوب بحراك احتجاجي متنام ضد سياسات الدولة الفاشلة في مختلف القطاعات، وخرق الحريات والتضييق عليها عاد كما لم يكن من قبل. ولكن الأمر مختلف هذه المرة لأن جدار الخوف سقط). وفي جزء ثان من مداخلته تطرق الدكتور بنمسعود إلى موقع الجماعة في الخريطة السياسية، والمبادئ الستة التي تؤطر سلوكها السياسي، معتبرا إياها حركة مجتمعية سلمية فاعلة تحمل مشروعا مجتمعيا وتصورا سياسيا واضحا، وتتمتع بحاضنة مجتمعية معتبرة)، وبأن لها تفاعلا وتأثيرا سياسيا لا ينكره إلا الذين يختزلون المشاركة السياسة في المشاركة الانتخابية، وهو خطأ فادح). وذكر في هذا السياق بدورها الإيجابي في الحراك النقابي والاجتماعي والحقوقي الراهن. وختم المحاضر مداخلته بطرح تصور الجماعة لمداخل التغيير الحقيقي، الذي من شأنه أن يفضي إلى بناء دولة العدل والكرامة والحرية)، مؤكدا على ضرورة تقوية جبهة الممانعة المستندة إلى صوت الشعب والمتجذرة فيه، واعتماد أسلوب الحوار الإيجابي المفضي إلى ميثاق وطني جامع)، مقابل جبهة الفساد والاستبداد.

كما اعتبر الباحث في العلوم السياسية الدكتور عبد الرحمن الشعيري منظور في مداخلته بأن الاستناد على الأدبيات الكلاسيكية لعلوم السياسة لا يسعفنا في فهم الهوية الحقيقية لجماعة العدل والإحسان، إذ لا يمكن تصنيفها كحزب سياسي أو جماعة ضغط. بل يمكن تعريفها من خلال علم الاجتماع السياسي كحركة مجتمعية لها مقومات الاستقلال المالي والاكتفاء المعرفي التأسيسي والطموح للتغيير العميق، ويبقى العمل السياسي جزءا من شروطه القائمة على التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والروحية).

كما رصد الباحث عدة مؤشرات للتأثير السياسي لجماعة العدل والإحسان على القرار السياسي للنظام في عدة مجالات سواء في الشأن الديني أو الحقل الاجتماعي أو السياسي، والتي غالبا ما تتبلور في محاولة محاصرة تنامي التعاطف الشعبي مع فاعل سياسي اختار الاصطفاف في معارضة سلمية جماهيرية من خارج اللعبة السياسية الرسمية المتحكم فيها بالتعليمات والدستور العرفي والمكتوب الممنوح).

وعرج الشعيري منظور في تدخله على التحولات التي مست السلوك السياسي لجماعة العدل والإحسان، خاصة بعد مرور خمسة عشرة سنة على تأسيس الدائرة السياسية، والتي حددها في الانتقال من العموميات إلى التفصيل في العديد من القضايا المجتمعية، والنزوع أكثر إلى الاحتراف في العمل السياسي من خلال مبادرات ومؤسسات متخصصة أفرزت نخب قيادية جديدة). وختم تدخله بتحديد التحديات المطروحة على السلوك السياسي للجماعة والتي أجملها في تحدي التمسك بخيار التغيير الجذري السلمي في ظل مناخ سياسي عربي انهارت في “الدولة” بفعل تعنت أنظمة تسلطية، وتحدي الإسهام في بناء شراكة سياسية حقيقية مع قوى المعارضة الإسلامية واليسارية، وتحدي الحفاظ على جوهر رسالة الجماعة التربوية التغييرية التي تبقى السياسة جزءا من اهتماماتها في ظل موجة ضاغطة لتحول حركات إسلامية إلى أحزاب سياسية محضة).