آسف على هذا العنوان الصادم، كان بودي أن أتحدث بدوري وكما جرت العادة عن العلم وأهله وفضله وثماره، ولكن ما حيلتي وكل ما حولي يحتم عليَّ فتح هذا الملف المعقد الشائك بصوره المنفرة ومشاهده المثيرة للغثيان وبروائحه الكريهة، بل وبالأيادي الخفية التي تعمل ليل نهار مستثمرة في الجهل بدل أن تستثمر في العلم، أعرف مسبقا أنني ألج نفقا مظلما، وأنني أسلك مسلكا صعبا للغاية.

سأجمل العوامل الباعثة على طرح هذا الموضوع للنقاش في ثلاثة عوامل رئيسة:

1_ إن أخطار الجهل أكبر بكثير مما نتصور، ليس على مستوى الفرد الجاهل فحسب، بل حتى على مستوى المجتمع الذي ينتمي إليه، ذلك أنه يفعل بنفسه ما يفعل العالم بعدوه كما يقال، وتبعا لذلك فإن المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة الجهل يكون مؤهلا لأن يباع في سوق النخاسة بالمزاد العلني، لأنه لا يستحق إلا أن يكون عبدا ذليلا مقيدا في سلاسل العبودية، إنه أحقر من أن يستمتع بحريته وكرامته.

2_ إن الجهل أنواع وطبقات، كما أنه أشكال وألوان كما يقال، والمثير للانتباه أن من مظاهر فشل منظومتنا التعليمية أنها تحولت إلى آلة لتفريخ أفواج من الجهلة والأميين بكل ألوان الطيف: أمية دينية، أمية سياسية، أمية تاريخية… والمفارقة المثيرة للانتباه هو أن كل هذا يحصل في الوقت الذي يرتفع فيه الصخب والضجيج، وتكثر اللقاءات والاجتماعات حول ما يسمى زورا وبهتانا “إصلاح التعليم”، وتزداد معاناة مجتمعنا من آفة الجهل الخطيرة، إيذانا بضرورة التشكيك في مصداقية ونزاهة الشهادات المسلمة من المؤسسات والمعاهد والجامعات.

3_ في الوقت الذي تحقق الدول (المتقدمة) مزيدا من التألق والفتوحات في مجالات العلم والتكنولوجيا، ما زال مجتمعنا يتخبط في وحل الجهل والأمية، رغم إملاءات المؤسسات الدولية، ورغم الأرقام الخادعة المخدوعة، مما يجعلنا نطرح سؤالا مشروعا بكل المقاييس: هل الأمر يتعلق فعلا بطوفان جارف من الفشل لم يستطيعوا له ردا، أم أن الأمر تَمَّ بتخطيط وتدبير مُحْكَمَين، وبمؤامرة نسجت خيوطها بليل بهيم؟

إن الحديث عن الجهل يقتضي بالضرورة الحديث عن العلم، إذ بأضدادها تعرف الأشياء كما يقول علماء اللغة، وبين هذا وذاك يبني الاستبداد تصوراته الوهمية ومواقفه الخاطئة، فهو يعتقد واهما أن ألد أعدائه هو العلم لأنه نبراس البصائر، ومشكاة العقول، ومصباح القلوب، ومن شأن كل ذلك أن يزعزع أركانه، ويهدد أطماعه، ويمس بمصالحه، وانطلاقا من ذلك فإنه يعلنها حربا شعواء على العلم وأهله، ولا تَغُرَنَّكَ الخطابات الرنانة، ولا أفواج الرائحين الغادين، فوراء الأكمة ما وراءها.

الجهل والأمية: حدود التلاقي والافتراق

إن استقراء معاني كلمتي “الجهل” و”الأمية” في المعاجم اللغوية يسلمنا إلى نتيجة مفادها أن الجهل أعم من الأمية، ففي “لسان العرب” أن الجهل نقيض العلم، وقد جَهِلَهُ فلان جَهْلاً وجَهَالَة وجَهِلَ عليه. وتجاهل: أظهر الجهل. تجاهل: أرى من نفسه الجهل وليس به… استجهله مؤمنا أي حمله على شيء ليس من خلقه فيغضبه فإنما إثمه على من أحوجه إلى ذلك…) 1 ، والجهل كما يقول صاحب “مفردات ألفاظ القرآن” على ثلاثة أضرب: الأول: وهو خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل. والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقُّه أن يُفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحا أو فاسدا…) 2 ، أما الأمي فهو الذي لا يكتب، قال الزجاج: الأمِيُّ الذي على خِلْقَةِ الأمَّة لم يتعلَّم الكتاب فهو على جبلته، وفي التنزيل العزيز: )ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، قال أبو إسحق: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه أي لا يكتب، فهو في أنه لا يكتُب أمي، لأن الكتابة هي مُكْتَسَبة فكأنه نُسِبَ إلى ما يولد عليه أي ما ولدته أمه عليه…) 3 ، وقيل: هو الذي لا يكتب ولا يقرأ من كتاب، وعليه حمل:) هو الذي بَعَثَ في الأميين رسولا [الجمعة/2]) 4 .

غير أن الأمر يتجاوز هذا التمييز، وهذه الحدود الدلالية، ليطرح السؤال: ما هي صور الجهل ومشاهده؟

المشهد رقم (1): الجهل والجاهلية

العلاقة اللغوية الاشتقاقية الرابطة بين المصطلحين ترسم بوضوح كبير معالم الخيوط الرابطة بينهما فلفظ “الجاهلية” يحمل معنيين اثنين: معنى الجهل ضد العلم. ومعنى الجهل ضد الحِلم. وهكذا يلتئم شمل الجاهلية بالمعنيين اللغويين، والقرآن نزل بلسان عربي للناس لعلهم يعقلون، فيتغذى عنف الجاهلية على الإنسان بجهل الجاهلية لمعنى الإنسان.) 5 .

تطلق الجاهلية عادة على المرحلة التي سبقت بزوغ شمس الإسلام، تعددت صورها وخصائصها كما تنص على ذلك آيات من القرآن الكريم:

أ_ ظن الجاهلية: هي فساد الاعتقاد أو الشك في قدر الله عز وجل وقدرته وهيمنته. قال الله تعالى في سورة آل عمران يذكر وقائع أحد: )ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق الجاهلية [سورة آل عمران/154]) 6 .

ب_ حكم الجاهلية: نجدها في قوله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون 7 ، ف الحكم بما أنزل الله يقتضي تحكيم الشرع، والحكم الجاهلي يريد تحكيم الهوى ومنازعة منهاج النبوة) 8 .

ج_ تبرج الجاهلية: هي فساد الأخلاق وطغيان الشهوات وخرق حدود العفة والصيانة التي تتميز بها الإنسانية عن البهيمية.فمتى تعدت النزعات الغريزية مكانها الطبيعي في كِنِّ العفاف وهتكت ستر الحياء انطبعت بطابع الجاهلية. قال تعالى مخاطبا نساء النبي والمؤمنات جميعا:)وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى. [سورة الأحزاب/33]) 9 .

د_ حمية الجاهلية: الحمية لغة الغضب، وحمية الجاهلية عصبيتها كما تفسر ذلك الأحاديث النبوية. يقابل “حمية الجاهلية” السكينة التي ينزل الله في قلوب المومنين) 10 ، وردت العبارة في وصفه تعالى الحالة النفسية لمشركي قريش وللمومنين عند فتح مكة: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين 11 .

خصائص تحضر بشكل فج صارخ في مجتمعاتنا الغثائية المعاصرة، غير أننا نتورع رغم كل ذلك عن وصفها بأنها “مجتمعات جاهلية”، مؤكدين في مقابل ذلك أنها “مجتمعات مفتونة”، وبين الوصفين مسافات تؤثثهها أسئلة محرقة، وحجج دامغة، ورؤى سديدة، ومواقف أصيلة، ومسار ومنهاج فارق.

المشهد رقم (2): الجهل المركب

نوع مضاعف من الجهل، إنها حالة الجاهل الذي يجهل بأنه جاهل، وهذا ما يجعل حالته أصعب أنواع الجهل على الإطلاق، لأنه سيصم آذانه تماما، وسوف يغلق أبوابه في وجه كل محاولات التواصل، ولذلك فإن جهله يبقى مستعصيا على العلاج، إنها حالة المريض الذي يرفض الاعتراف بمرضه، إما لأنه لا يعلم به أو لأن العزة تأخذه بالإثم فيرى في الاعتراف به ضعفا وذلة وهوانا فيرفع رأسه متجاهلا إياه، وتبعا لذلك فإنه لا يسعى للتخلص منه، ولا يبحث لدائه عن طبيب ولا عن دواء، ومصيره المحتوم وفقا لذلك هو الموت الزؤام.

المشهد رقم (3): الجهل والتواصل

إن أفظع وأخطر ما في الأمر هو صعوبة إن لم أقل استحالة التواصل مع “الجاهل” خاصة إذا كان من الصنف الأكثر تعقيدا (الجهل المركب)، فلا تملك حينئذ إلا أن تلتمس له أعذارا، وقد أبدع الشاعر عندما صور هذا التواصل المستحيل مع الجاهل، يقول:

لوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا أَقُولُ عَذَرْتَنِي *** أَوْ كُنْتُ أَجْهَلُ مَا تَقُولُ عَذَلْتُكَ
لَكِنْ جَهِلْتَ مَقَالَتِي فَعَذَلْتَنِي *** وَعَلِمْتُ بِأَنَّكَ جَاهِلٌ فَعَذَرْتُكَ

المشهد رقم (4): الجهل والوجاهة الاجتماعية

ألا يتحمل المجتمع مسؤولياته الجسيمة في إعطاء الشرعية للجهل وأهله، عندما يسقط “العلم” و”التعليم” من معايير الترقي والتميز الاجتماعيين، ويقيم بدلا عن ذلك معايير أُخَرَ مادية بالأساس، هكذا يسمح لصاحب “الشكارة” بتمثيل الشعب والدخول إلى قبة البرلمان رغم جهله المركب، ورغم أميته المطبقة، فقط لأنه صاحب مال، والأمر نفسه ينطبق على الزواج عندما يحضر المعيار المادي ويعتمد شرطا وحيدا للقبول بالزوج حتى ولو كانت الزوجة على درجة كبيرة من التعلم، أما أولئك “المتعلمين”/أصحاب الوظائف السامية والحساسة والذين يبيعون دينهم وضمائرهم بعرض من الحياة الدنيا عندما يقبلون الرشوة من فلول الجهلة فإنه يسيئون لا إلى أنفسهم فقط، بل إنهم يسيئون إلى كل من يمت لعالم “العلم” و “التعلم” بصلة، لسبب بسيط هو أن ذلك الجاهل الذي يوقن بأن أمواله أفضل عشرات المرات من كل شهادات المتعلمين، وأنها مفاتيح سحرية تفتح بها كل الأبواب المغلقة.

المشهد رقم (5): الجهل والتجهيل والسياسة

راكم المغرب منذ ما سمي بـ”الاستقلال” مشاريع ومحاولات عديدة سعت كلها _على حد تعبير الجهات المسؤولة_ إلى إصلاح التعليم، ولكن استحضار السياق التاريخي (الاستعمار الفرنسي والمد الفرنكفوني)، والسياق السياسي (النظام الاستبدادي) يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن نية “الإصلاح” الحقيقي غائبة، وأن الأمر يتعلق بإفشال عن سبق إصرار وترصد، لأن الفاعل السياسي يسعى دائما للحفاظ على مواقعه وعلى مصالحه، ولن يتحقق له ذلك إلا بتجهيل أجيال الأمة وتدجينها بجعلها قطعانا من المواشي عاجزة عن كل احتجاج أو رفض.

المشهد رقم (6): الجهل بالله

ثمرة من ثمار التبعية العمياء للغرب الاستعماري الحاقد، إنها علامة من علامات نجاح مشروعه التغريبي الرامي إلى سلخ الأمة عن هويتها، صناعة أجيال منفصمة الشخصية، ممسوخة الهوية، تافهة سطحية، غافلة عن ربها، فاقدة الثقة في دينها، مرتمية تماما في أحضان الغرب، مسبحة بحمده، نائبة عنه في الدفاع عن مصالحه ومواقفه وتصوراته.

المشهد رقم (7): الجهل والموت

أن تحكم على شعب بالجهل معناه أن تطلق عليه الغازات القاتلة، والقنابل المتفجرة، والبرامل الناسفة والدبابات الجارفة، وشتى أشكال وألوان أسلحة الدمار الشامل… هذا ا يمارسه النظام السوري في حق شعب عريق في العلم والثقافة والفكر والإبداع… هو نفس ما يمارسه الاستبداد الناعم في دول أخر بأشكال وتخريجات أخر.

خلاصة القول إن “الجهل” هو ذلك المستنقع الآسن الذي تتجمع فيه كل أسباب التخلف والذيلية والذلة والتبعية، وإنه لا حياة لأمة “اقرأ” ولا كرامة ولا عزة ولا سؤدد إلا بالإقبال الصادق على العلم بالله عز وجل وعلى العلوم الكونية بموازاة ذلك، نحن أمة سادت العالم ذات قرون عندما أصغت بيقين للأمر الإلهي العظيم وتمثلته تمثلا، لذلك لا أملك إلا أن أهمس في أذن هؤلاء الذين يستثمرون خطأ في “الجهل”، أقول لهم: على الباغي تدور الدوائر، وأقول لهم كفى استهتارا بأجيال الأمة، كفى استخفافا بمصيرها، كفى تبخيسا لذكائها، كفى تحقيرا لطاقاتها ومواهبها الخارقة، كفى طردا لأدمغتها، كفى تشجيعا للتفاهة والتافهين، كفى دفاعا عن الجهل والجهالة، وكفى تطبيعا مع الجاهلية، إننا أمة أعزنا الله بالعلم والعلوم، فإذا أردنا العزة في غير ما أنزله الله أذلنا الله.


[1] ابن منظور،(لسان العرب)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دار صادر_بيروت، الطبعة الثالثة: 1414 هـ_1994م، مادة: “جهل”، ج11، ص: 129.\
[2] الراغب الأصفهاني، (مفردات ألفاظ القرآن)، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم_دمشق، الدار الشامية_بيروت، الطبعة الخامسة، 1432ه_ 2011م، ص: 209.\
[3] (لسان العرب)، مادة “أمم”، ج12، ص: 33_34.\
[4] الراغب الأصفهاني، (مفردات ألفاظ القرآن)، ص: 87.\
[5] عبد السلام ياسين، (سنة الله)، الطبعة الثانية، 1424 هـ_2005م، ص:28.\
[6] عبد السلام ياسين، (سنة الله)، ص:26.\
[7] [سورة المائدة/50]\
[8] عبد السلام ياسين، (سنة الله) 28.\
[9] عبد السلام ياسين، (سنة الله) 28_29.\
[10] عبد السلام ياسين، (سنة الله) 29.\
[11] [سورة الفتح/26].\