جاء قرار السلطة الأخير بمراجعة مناهج وبرامج تدريس التربية الدينية في التعليم العام والخاص ومؤسسات التعليم العتيق ليطرح أسئلة كثيرة. فهل هو الحرص الشديد على العقيدة الصافية للشعب من أن يمتد إليها ما يفسدها؟ وهل هي رقة قلب دولة وخشيتها على آخرة العباد؟ أم إن هنالك هواجس أخرى تحكم أفعال وردود أفعال من يتحكمون برقاب العباد في هذا البلد؟

يكفي استحضار تاريخ الدولة في التعاطي مع “الشأن الديني” لنميط اللثام عن بعض الهواجس التي نتحدث عنها؛ فقد كانت الدولة منذ قرون ولا تزال حريصة على أن تتأبط هذا الشأن ابتداء من يدها التي وضعتها على أكبر المؤسسات التعليمية التي كانت تخرج العلماء (القرويين بفاس وبن يوسف بمراكش على سبيل المثال)، ومرورا بتكوين حاشية من علماء البلاط لإضفاء الشرعية الدينية على الحكام وعلى تدبيرهم لشؤون البلاد والعباد، وبالضرب بيد من حديد على أيدي العلماء العاملين الناصحين المخلصين لدينهم ولبلدهم ولأمتهم، والذين لم تستطع السلطة شراء ذممهم وضمائرهم، فدفعوا الضريبة من أعمارهم وحياتهم.

ويكفي استعراض بعض مظاهر تعاطي الدولة مع “الشأن الديني” للإجابة عن الأسئلة التي طرحناها أعلاه، فمبادرة السلطة إلى عزل بعض الأئمة والخطباء في مختلف ربوع البلاد، واقتلاعهم من المنابر التي يؤدون من خلالها أمانة تبليغ الدين الحق صافيا نقيا بعيدا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وَتأويل الجاهلين… وإقدام هذه السلطة على منع المواطنين من الاعتكاف في المساجد على مرأى ومسمع منها وفي كامل الوضوح… والتضييق على الحركات الإسلامية التي أثبتت الأحداث وشواهد التاريخ دورها الكبير في نشر الإسلام الوسطي الذي حدّ من مد التيارات المتطرفة من هنا وهناك… تضييق اتخذ مظاهر الاعتقال والتنكيل والتشهير والإقصاء والحصار… كل هذا وغيره يدفعنا للتشكيك في الدوافع الحقيقية للسلطة من وراء قرارها بمراجعة مناهج وبرامج تدريس التربية الدينية.

لم يكن الشأن الديني في يوم من الأيام خارجا عن هيمنة السلطة حتى ننزعج مما تريده بخطوتها الجديدة، إنما ندق ناقوس الخطر لما تحمله هذه الخطوة في رحمها من مشاريع يراد بها ضرب آخر الحصون التي تحمي دين المغاربة من أن تخرقها الأيادي العابثة بأقدس مقدس لدى الشعب المغربي، والتي نعتبرها ضامن استقراره ووحدته.

وإن كان من حرص صادق لهذه السلطة على دين الأمة وعقيدتها، فينبغي أن يتجلى في رفع يدها عن توظيفه لتكريس استبدادها. وإذا كانت استقلالية السلطة القضائية مطلبا لا يزال الشرفاء في هذا الوطن يناضلون لتحقيقه، فإن استقلالية الشأن الديني عن الدولة أضحى مطلبا آخر يحتاج إلى نضال مرير لتحقيقه في زمن تريد السلطة أن يصبح فيه العلماء العاملون المخلصون مجرد خدم في حظيرتها.