على وقع الإضراب الوطني العام الذي يعيش على إيقاعه المغرب اليوم، الأربعاء 24 فبراير 2016، يبدو أن القضايا الاستراتيجية التي تؤثر على مستقبل البلد (الصحة والتعليم والشغل ومستوى العيش…) أصبحت أكبر من حجم الحكومة ومن حجم نظام الحكم. وما تقوم به هذه الحكومة في المرحلة الراهنة هو تنفيذ إملاءات وتوصيات المؤسسات الرأسمالية الأجنبية وذلك عبر مجموعة من العمليات التي تخدم مصالح الرأسمالية والإمبريالية بامتياز ومنها: استمالة الطبقة الوسطى إلى القروض الصغرى والمتوسطة وإغراقها في مشاريع تخلى عنها الإقطاعيون الجدد. وهو مشروع تسعى الرأسمالية العالمية من خلاله تكبيل هذه الطبقة حتى لا تستطع الانضمام إلى كفاح الطبقة المستغلَّة (بالفتحة فوق الغين) من عمال وفلاحين صغار وطلبة ومثقفين، ومعطلين حاملي الشهادات. تمييع الحقل النقابي بالمقاربات التي تهدف إلى إفراغ النضال النقابي من محتواه ومن دوره في قيادة النضال من أجل التغيير وإلى فصله عن المجتمع.

لقد أصبح الوضع الاجتماعي بالمغرب ينذر بإمكانية حدوث توتر اجتماعي يصعب احتواؤه، حيث تعالت أصوات اقتصادية واجتماعية تحذر من تفاقم العجز التجاري وتدني مستوى القدرة التنافسية وتدني مستوى الدخل الفردي وتأثير التهرب الضريبي للاعبين الكبار على الاقتصاد الوطني وارتفاع معدل المعيشة وانخفاض الأجور وغلق أبواب التوظيف… في ظل نهج سياسة اجتماعية قائمة على المساعدات دون نية إحداث فرص شغل حقيقية للخروج من المآزق الاجتماعية المستفحلة.

إن الدولة المغربية لم تستطع الخروج من دائرة التخلف الاقتصادي الذي لا زال يعتمد على اقتصاد الريع والامتيازات واحتكار المنافذ وأدق الأنشطة الإنتاجية من طرف لوبيات الفساد، الشيء الذي خلف بنية تحتية اقتصادية تتميز بالهشاشة، فسياسة القروض وسياسة الهروب إلى الأمام أمام المطالب الشعبية وسياسة خنق المواطن بالزيادات المهولة في أسعار المواد الأساسية وبالضرائب المباشرة وغير المباشرة، لن تجعل المغرب في منئى عن الأزمة التي تؤرق الدول الرأسمالية، خاصة وأن المغرب من الدول الأكثر تبعية. فالمشاريع الماكرو اقتصادية كالمطارات والموانئ، كميناء طنجة ومشروع أبي رقراق ومشاريع الطاقة المتجددة، والتي هي من تمويلات خارجية، لن يستفيد منها المواطن ولن تجعل المغرب يوظف العولمة لصالحه ما دام لم يغير من منهجيته المبنية على الإقطاع المالي وعلى الاحتكار السياسي. فالدولة المغربية إذن لا يمكن لها مواجهة عولمة الأزمة المالية العالمية، ما دامت لم تحقق أي مستوى من النمو أو أي تقدم على مستوى السلم الاجتماعي ولا التنموي.

وإذا كان البنك الدولي قد أشار إلى نسبة النمو الضعيفة واستمرار عجز الميزانية، الناتج عن ارتفاع حجم أجور الموظفين، وضعف المؤشرات الاجتماعية في ما يخص مستوى الدخل، وارتفاع نسبة البطالة، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، وقال عنها إنها مؤشرات تهدد باضطرابات اجتماعية، قد تجعل أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي غير ممكن في حال حدوثها. فإن التوترات الاجتماعية بدأت فعلا تطفو على السطح مع استمرار الحكومة في تجاهل التحذيرات السابقة، حيث لوحظ تنفيذ عدد من الإضرابات على أكثر من قطاع أهمهما في ميدان التعليم والصحة، كما أن لافتات الاعتصامات مازالت “تزين” فضاءات المؤسسات العمومية والشوارع العامة.

ويتوقع أن تتصاعد حدة التوترات في هذه السنة بقوة ما لم تتنبه الحكومة إلى المشاكل الحقيقية، بسبب التقلبات الاقتصادية العالمية والارتهان إلى التبعية الخارجية في عدة ميادين. كما أن المناخ الاقتصادي العام تسوده اضطرابات ملحوظة في ظل ضعف المؤسسات العمومية في تحقيق مشاريع التنمية الحقيقية سواء الخاصة بجودة التعليم وتعميمه أو تمكين طلاب الجامعات والمعاهد من ولوج سوق الشغل بيسر وليونة عبر الرفع من مستوى تأهيلهم المهني والعلمي وقبل ذلك توفير مقاعد للطلبة الذين يتم رفض تسجيلهم في بداية السنة بسبب الاكتظاظ.

إن عجز الحكومة وسيطرة القوى النافذة في الدولة وتداخل الحسابات السياسية بين القطاعات، وبداية تصاعد مؤشرات الاحتقان الاجتماعي على شكل إضرابات واعتصامات وتدني مستوى المعيشة ينذر على أكثر من صعيد بحصول أزمة حقيقية ودخول المغرب حالة احتقان إذا لم يتم تداركها بالإسراع بمباشرة الإصلاحات على أكثر من صعيد.

في ظل سياسة النظام المخزني الذي يسعى إلى الاحتكار السياسي والحنين إلى سياسة الأجداد سيكون المغرب أمام إشكاليات لا حل لها إلا الحل الديمقراطي.