أجرت أسبوعية الأيام (العدد 699 بتاريخ 11 فبراير 2016) حوارا صحفيا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان والناطق الرسمي باسمها، تناول فيه قضايا تتعلق بالمشهد السياسي المغربي وفاعلية الجماعة فيه. وفي ما يلي النص الكامل للحوار.

تعتبرون أن مشروع الراحل الأستاذ عبد السلام ياسين أمانة في أعناقكم، ومن تم تصرون على النهج المعارض للنظام السياسي لماذا لم تغيروا من خطابكم؟

بسم الله الرحمن الرحيم. كثيرا ما طرح علينا هذا السؤال، ورغم أن جوابنا عنه ثابت غير أن معانيه تزداد عمقا ووضوحا كلما مر الوقت على رحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. واليوم ونحن في الذكرى الثالثة لرحيله أؤكد أن خطابنا مرتبط بأسس ومبادئ تؤطر مشروعنا ورؤيتنا لبناء دولة الحق والعدل والكرامة لكل المغاربة. عندما يطلب منا أن نغير خطابنا فإما أنه طلب لتغيير تلك الأسس والمبادئ أو هو طلب لممارسة التقية والنفاق، وهذا ليس أسلوبنا في العمل السياسي. نعتقد أن الوضوح قاعدة أساسية لبناء مسار سياسي صحيح، وضوح مع الشعب ووضوح مع باقي الفاعلين السياسيين. ومن هذا المنطلق لا يمكن أن نسمي القديم حديثا ونحن ندرك بالملموس أن الاختلاف بينهما لا يعدو أن يكون في الوجوه والأساليب في حين لا تزال الممارسات الاستبدادية التحكمية راسخة في سلوك الحديث كما القديم. ولا يمكن أن نحتفل بتغييرات دستورية يستطيع الباحث البسيط أن يقف على محدوديتها وعجزها عن التجاوب مع انتظارات الشعب ومقومات دولة الدمقرطة والمحاسبة. ولا يمكن أن نتابع مهازل الانتخابات بكل إعاقاتها ثم نصفق لشفافيتها المزعومة ونسرد كل المساوئ والفضائح التي عرفها المسلسل الانتخابي ثم نقول إنها انتخابات غير مطعون فيها. فهذا فيه تضليل وتزوير للحقائق.

ولكن كيف تفسرون لنا دعوة محمد عبادي الأمين العام للجماعة الذي دعا إلى تأسيس خطاب جديد، ألا تعتقدون أنكم تتناقضون وتتخوفون من تغيير خطابكم السياسي؟

ما دعا إليه فضيلة الأمين العام هو خطاب يبنى على أساس إحساني، وهو موجه إلى عموم الفاعلين والشركاء في بناء هذا البلد والتعايش تحت سمائه ومنهم جماعة العدل والإحسان. فهي دعوة منه ليترفع الجميع عن خطاب المزايدات والمشاحنات وتصيد الهفوات ولي أعناق الكلمات والمواقف. أي خطاب خال من القذف والشتم والتخوين مقابل التدافع الراقي حيث الاعتراف للفكرة الصائبة الحكيمة أي كان مصدرها اعتبارا للمصلحة العليا للوطن.

وإني لا أرى أي تناقض في خطابنا، كما أن التغيير لا يخوفنا، فنحن أصلا دعاة تغيير ولسنا جامدين ولا منغلقين عما يدور حولنا، نتابع بكل دقة وتبصر، ومتى ظهر لنا أن هناك جديدا يستحق التنويه فإننا سنكون أول من يقر به ويدعمه وينخرط فيه، لكن لسنا مستعجلين لنتعلق بأوهام كاذبة فليس كل ما يلمع ذهبا.

ثم لماذا سنغير خطابنا إذا كان واقع الحال يؤكد في كل مرة أننا صائبون؟ أتذكر حين تغنى الكثيرون بالعهد الجديد، أتذكر حين احتفل الكثيرون بخطاب 9 مارس، إبانها كنا واضحين وقلنا إن الأمر مجرد فقاعات خادعة، وقد أظهرت الأيام أننا كنا صائبين فيما ذهبنا إليه، وبدأ العديد ممن علقوا آمالهم يعودون ليرددوا ما قلناه في حينه. لذلك تجدنا مطمئنين إلى مواقفنا غير خجولين ولا مترددين بشأنها.

لماذا لم تنجحوا في إيجاد تسوية سياسية مع النظام السياسي الحالي على الرغم من ترأس الإسلاميين للحكومة الحالية؟ وبالتالي تخرجون من عزلتكم؟

أولا نحن نعيش وسط الشعب ولدينا علاقات طيبة مع عدد كبير من الفاعلين الفضلاء وبالتالي لا نعيش أية عزلة، إلا إذا اعتبرت أن كل من لا يلعب داخل دائرة المخزن فهو معزول، هذا غير مسلم به ويحتاج إلى نقاش آخر.

ثانيا إن ملف العدل والإحسان يتجاوز الحكومات سواء كانت إسلامية أو يسارية أو تكنوقراطية، وهو لا ينحصر في وجود وسيط يقوم بمساع حميدة بين طرفين. إني لا أبالغ إذا قلت بأن ملف العدل والإحسان مرتبط بشدة بملف إقامة دولة الحق والقانون وتثبيت قواعد الحريات والعدل والكرامة، فعندما تخطو الدولة بجدية في هذا المسار ستجد أن ملف العدل والإحسان قد تم حله بشكل تلقائي دون الحاجة إلى وسائط والتي يكون دورها، حسب التجارب السابقة، هو إقناع إن ألم أقل جر الجماعة للقبول بشروط الدولة وقواعد لعبها السياسي لا أكثر.

فالمدخل الطبيعي والحقيقي لأي تسوية سياسية مع الجماعة هو التسوية السياسية مع الشعب في قضية احترام إرادته وتمكينه من الحق في اتخاذ القرارات التي تهمه ومحاسبة المسؤولين عن تدبير ثرواته ومعاشه، وغير هذا لن يكون إلا تسوية على حسابه ونحن لسنا مستعدين لذلك.

حذرتم من وجود ضغط كبير ومحاولات للانقلاب عليكم وتشددا في تعامل الدولة معكم، مع العلم أن هناك تعايشا مع الأنشطة السياسية للجماعة، كيف تعلقون؟

الجماعة أصبحت واقعا لا مفر منه، وحقيقة لا يمكن تجاوزها، وقد بذلت جهدا كبيرا منذ سنوات عديدة لترسيخ حضورها وعدم الاستسلام لمخططات التعتيم والتشويه التي تتعرض لها. بدأنا هذا المسار منذ أعلنا أننا ضد العنف وضد العمل السري، وتحملنا تبعات ذلك وأدينا ثمنه من حريتنا وحقوقنا، فالتنظيم والتحرك في مغرب نحن من بين أبنائه المخلصين حق من حقوقنا المشروعة، وما كان لنا أن نفرط فيه أو نتنازل عنه مهما كان ثمن ذلك.

والجماعة أصبحت فاعلا أساسيا لا يمكن تجاوزه، فهي، إلى جانب عدد من الفضلاء المبدئيين، ضمير الشعب المعبر عن آرائه وأفكاره التي لا يجد لها صدى في المؤسسات المفروض أن تمثله، ضمير ممانع ضد تغول الدولة السياسي والحقوقي والاجتماعي، لذلك فالدولة تضيق عليها وتقمعها وتمنعها من أبسط الحقوق، وفي نفس الوقت الجماعة واعية بكونها صمام أمان لهذا المجتمع ضد التطرف والعنف والغلو. فالجماعة تستقطب عددا كبيرا من أبناء هذا الشعب وتربيهم وتوجه طاقاتهم بشكل إيجابي نحو البناء والأمل خدمة لبلدنا وتجنيبه ويلات الفتن الدموية ومتاهات العنف المظلمة. لهذا ما فتئنا ننبه ونحذر من مغبة استمرار الدولة في استبدادها وفسادها وإهمالها لمطالب الشعب لأن ذلك ينذر برد فعل قد لا تجد لا الدولة قدرة على صده ولا تجد الجماعة أو غيرها إمكانيات لاستيعابه.

هناك من يعتبر دعواتكم للحوار السياسي والرهان على دولة الحق والقانون، رسالة واضحة حول استعداد الجماعة لتطبيع سياسي والتمهيد لصفقة سياسية، كيف ذلك؟

الرهان على دولة الحق والقانون والاستعداد للتطبيع مع الوضع السياسي القائم ضدان لا يلتقيان، فأي عقل استطاع أن يرتب هذه على الأخرى؟ دولة الحق والقانون قائمة على أساس الوضوح والمسؤولية والمحاسبة، بينما التطبيع هو نوع من القبول بالواقع كما هو والنزول عند حدوده. أما دعوتنا للحوار السياسي المفتوح فهو خيار استراتيجي بدأ منذ تأسيس الجماعة واتخذ أشكالا مختلفة ليس فقط على مستوى الخطاب بل أيضا على المستوى الفعلي، ويمكن لأي قارئ متفحص لتاريخ الجماعة أن يقف على ذلك. كما أن منطق الحوار في الحقل السياسي يختلف عن منطق الصفقات، الحوار الذي ندعو إليه هو لأجل تقريب التصورات والبحث عن ميثاق مشترك يجمع بين مختلف الفاعلين السياسيين يكون الرابح فيه هو الشعب ضمانا لمصالحه.

ألا ترون أنكم مجبرون على اعادة انتاج خطاب جديد يأخذ بعين الاعتبار متغيرات الواقع من حولكم؟ لأن بعض المتتبعين يعتبرون أنكم مرتهنون لخطاب عفا عنه الزمن.

الذي عفّى عليه الزمان هو الواقع من حولنا، هو أسلوب الاستبداد والتحكم الذي تدار به شؤون بلادنا، هو تمركز السلط والثروة في يد قلة مستبدة بالحكم مع غياب أي محاسبة أو مساءلة، هذا هو الذي عفّى عليه الزمان فأصبحنا نخجل من ممارسات تعود بنا إلى عهود تجاوزتها المجتمعات المعاصرة منذ قرون، ومازال النظام مصرا عليها بدعوى الاستثناء. إن خاطبنا لا يصف إلا واقعا قائما، ومتى تغير ستجدنا نصف الواقع الجديد بما فيه.

ما زالت علاقتكم مع حليفكم الدعوي حزب العدالة والتنمية متوترة، وتنتقدون تجربته السياسية، ألا ترون أنهم نجحوا في إنتاج خطاب سياسي قريب من الواقع؟

ليس هناك أي توتر مع الإخوة في العدالة والتنمية، كل ما في الأمر أن كل طرف ينطلق في خطابه من رؤيته وقراءته لما يحدث في الواقع، وبما أننا مختلفان في تقديراتنا وأهدافنا السياسية فمن الطبيعي أن تختلف خطاباتنا. وربما وجودنا نحن خارج المنظومة الرسمية يتيح لنا فرصة لقراءة من أعلى بما يعطينا صورة أوضح عما يتفاعل داخلها بعيدا عن الارتهان إلى الدوامة التي تجعل الفاعل في مساقها لا يرى الخلفيات والمآلات نظرا لشروط التحكم الرسمي التي أصبح كل من يعمل من داخل اللعبة الرسمية يعترف بضغوطها اللادستورية واللاقانونية واللاخلاقية المكبلة والمتحكمة. وانطلاقا من الزاوية التي ننظر بها للمجريات فنحن ننتج خطابا واقعيا وليس خياليا لكنه يقوّم الأمور بكلياتها لا بجزئياتها المبتور بعضها عن بعض.