أجرت أسبوعية الأنباء (عدد 205 بتاريخ 16 يناير 2016) حوارا مع الأستاذ حسن بناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تناول بعض الأفكار في رؤيتها للتغيير المنشود، ونظرتها لمساهمتها في الحراك الشعبي، وموقفها من بعض القضايا السياسية المطروحة في المشهد السياسي المغربي. ونورد في ما يلي نص هذا الحوار.

هناك من يعتبر أنه في ظل انغلاق جماعة العدل والإحسان على نفسها وعدم الخروج إلى العلن للمشاركة في النقاش الدائر حول جملة من القضايا المطروحة في الساحة السياسية، هناك من يقول إن الجماعة تبحث عن الفرص للركوب على احتجاجات الشارع، ما ردكم على هذا القول؟

نحن ندعو الذين يروجون لمقولة انعزال جماعة العدل والإحسان إلى أن يتفقوا على تقويم واحد، لأن أصحاب هذا الرأي تجدهم هم أنفسهم يقولون عكس ذلك، فهناك تخبط في تقييمهم فأحيانا يتحدثون عن مقولة الانعزال وأحيانا أخرى عن حضور الجماعة وتأثيرها كلما أثير ملف من الملفات الكبرى. تتذكرون في حراك 20 فبراير كيف أن نفس الجهة تحدثت عن “ركوب” جماعة العدل والإحسان على الحراك، وأيضا في الحراك الذي وقع في مدن الشمال وخاصة طنجة بمناسبة الاحتجاج على “أمانديس”، وأيضا في احتجاجات الأطباء والأساتذة المتدربين أضف إلى ذلك إضرابات النقابات، فكلما ظهر حراك في الشارع حاول البعض ربطه بجماعة العدل والإحسان. إذن نحن ندعوهم إلى الاتفاق على رأي واحد، هل جماعة العدل والإحسان موجودة أم لا؟ فهم متناقضون حسب الأهواء والأجواء السياسية. وكيفما كان الحال ذلك شأنهم ورأيهم وهو لا يغير من الواقع أي شيء. والمتتبعون الموضوعيون والواقع يقولان بأن الجماعة موجودة بمشروعها وبرامجها وتصورها وأيضا بفعالياتها وتأثيرها في المشهد السياسي، اللهم إلا إن كان البعض يرى أن معيار تقييم الحركات السياسية هو أن تكون في المؤسسات الرسمية، ونحن في نظرنا أن هذا المعيار غير صحيح وغير دقيق ومختل. فنحن نعلم بأن الانتخابات يشارك فيها 32 حزبا سياسيا لكن معظمهم لا تأثير له في الواقع، في حين أننا تابعنا جميعا كيف أثير مرة أخرى في الانتخابات الأخيرة دور وتأثير جماعة العدل والإحسان في موضوع مقاطعة الانتخابات التي كانت بحجم كبير ومهم. إذن فنحن من خلال التقييم الدقيق بعيدا عن التهويل في الأرقام الرسمية التي تحدثت عن 53 بالمائة كنسبة للمشاركة في الانتخابات، في حين أن النسبة الحقيقية المحتسبة من أصل الكتلة الناخبة البالغة سن التصويت فلن تتجاوز نسبة 23 أو 24 بالمائة وبالتالي فكتلة المقاطعة كانت تمثل نسبة عالية، نحن لا ندعي أننا أصحاب هذه الكتلة ولكن منطقنا يوجد ضمن هذه الكتلة. وبالتالي، المؤسسات التي تفرزها هذه الانتخابات الرسمية لا دور لها، والموجودون الآن في الحكومة هم أنفسهم يتحدثون عن هذه الخلاصة التي كنا نحن سباقين إليها، لكن البعض لم يكونوا يعيرونها أي اهتمام ويقولون بأنها حالمة أو غير واقعية، لما كنا نتحدث عن أن الانتخابات لا تفرز من يحكم ولا تفرز من يشرع كما أنها لا تفرز من يتخذ القرار، والآن أصبح الناس الذين في الحكومة يتحدثون عن أن هناك جهات للتحكم، كما أن رئيس الحكومة لا يخلو مهرجان من مهرجاناته أو تصريح من تصريحاته من الحديث عن وجود قوى للتحكم. وبالتالي فموقفنا هو المؤثر بالأساس داخل المشهد السياسي، ويكفي أن نقول بأن حراك 2011 كان هو السبب الأساسي لما وقع من تعديلات رغم أنها، في تقييمنا، لم تكن في مستوى انتظارات الشعب المغربي والحراك القوي في 2011، ولكن على كل حال ولنجاريهم في تقييمهم الذي يقولون فيه إن هناك تعديلات في الدستور وتغييرا في ما يسمونه بـ “المنهجية الديمقراطية” بفرز رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات، وما إلى ذلك من السماح للحزب الإسلامي بتغطية واسعة في الانتخابات بخلاف ما كان في السابق إلى آخره، فإذا فرضنا وقوع هذه التغييرات فمن الذي أحدثها هل هو خيار المشاركة الذي نعرف أنه منذ سنة 1961 والمغرب يجري الانتخابات ولم تصل إلى مستوى أن تفرض مثل هذه التغييرات التي يقال بأنها مهمة، بل أحدثها حراك الشارع الذي كانت في طليعته جماعة العدل والإحسان. لذلك فإن مقولة انعزال الجماعة ليس لها أي أساس أو صحة في الواقع.

يعاب عليكم أنكم تتجنبون الخوض في العديد من النقاشات حول قضايا متعددة لها علاقة مثلا بحقوق الإنسان ولها حمولة دينية كمدونة الأسرة، بداعي أن طرح هذه القضايا تسعى إلى تقسيم المجتمع، كيف تفسرون هذا الأمر؟

نعم، في جزء مما ذكرته تكون لنا في بعض القضايا مثل هذه المقاربة، لكن بالمقابل في قضايا جوهرية تمس جوانب أساسية في البلد نكون في طليعة من يتحركون للتأثير في القرار بشأنها، مثلا ذكرت قضية مدونة الأسرة الكل يتذكر المسيرة المليونية التي نظمت بالدار البيضاء وكنا موجودين فيها بقوة وهي التي قلبت الموازين لأن الرياح كانت تسير في اتجاه آخر. نعم لم ننخرط في جملة من النقاشات التي كانت تدور حول مدونة الأسرة آنذاك، ولكن في وقت الجد كان النزول إلى الشارع قويا وكان له تأثير واضح. لكن في الكثير من القضايا التي تثار داخل المجتمع، رغم أنها في بعض الأحيان تكون مهمة في ذاتها لكن من الناحية المنهجية نحن لنا مقاربة نتصور من خلالها على أن جميع القضايا الخلافية التي يمكن أن تثار داخل المجتمع إن لم تكن لها بيئة مناسبة وتكون لها حاضنة سياسية واجتماعية مناسبة وبيئات ديمقراطية ومؤسسات منبثقة من إرادة الشعب وفي ظل قضاء مستقل ونزيه وبرلمان يستطيع أن يتخذ قرارات بشكل مستقل وهناك حكومة منبثقة عن الشعب وتعبر عنه، إن لم تتوفر هذه البيئات فإن الدخول في نقاش حول العديد من القضايا التي تثار يكون الهدف منه إما إحداث نوع من التقاطب أو الاستقطاب داخل المجتمع وما ينتج عنه من تداعيات مثل الانقسامات ونوع من الطائفية وتكون سببا مباشرا في تأخير التغيير، أو يكون الهدف من إثارة بعض القضايا الإلهاء عن طرح قضايا أخرى جوهرية وأساسية. وفي المخرج النهائي عندما تطرح العديد من القضايا لا تثار بشكل بريء وتكون من ورائها الجهات المتحكمة بهدف إحداث الانقسام ثم يأتي التحكيم في الأخير وفي نهاية المطاف يكون المجتمع هو الخاسر. نحن نقول في معيارنا؛ لنتحد جميعا ونعمل جميعا من أجل إيجاد بيئة سياسية ديمقراطية، بيئة مؤسسات منتخبة يكون المسؤول فيها محاسبا عن مسؤولياته وأن يتوفر قضاء نزيه ومستقل، آنذاك وفي مجتمع من هذا المستوى لا نتصور أن نعجز أو يعجز المجتمع عن إيجاد حلول لكل القضايا المطروحة.

لكن مجموعة من هذه التصورات من أجل التغيير طرحتموها في لقائكم الأخير مع بعض قوى اليسار، لكنها ظلت محصورة في نطاق داخلي ولم تخرج إلى العلن، لماذا لم تقوموا مثلا بتسويقها إعلاميا حتى تطرح للنقاش داخل المشهد السياسي وداخل المجتمع ككل؟

بالعكس، طُرحت مجموعة من التصورات وكان لها صدى إيجابي، لكن نحن واقعيون ولا نتصور بأن النتائج ستكون مباشرة وهذا هو الذي تم تداوله في اللقاء بحيث تم التوصل إلى أن المجتمع في حاجة إلى العمل المشترك وتغليب المنطق المشترك، ولكن ذلك يعتبر نتيجة لا بد أن تُسبق بعمل كبير لبناء الثقة بين الفرقاء، وعمل كبير لإنضاج التصورات وتقريب الرؤى ثم عمل ميداني لإحداث، كما قلت سابقا، حاضنة أو أرضية مجتمعية تستطيع من خلالها أن تنضج هذه الأفكار. ونحن نتصور بأنه من أبريل 2014 إلى اليوم حدثت أمور مهمة في المجتمع حيث أصبحت قوى الممانعة داخل المجتمع تلتقي في كثير من الملفات وعلى رأسها ملف حقوق الإنسان المهم جدا لتحصيل الحريات أساسا، ثم لمناهضة مظاهر الاستبداد، وأقول إن كل القضايا والملفات التي تقحم فيها العدل والإحسان وحدها لا نوجد فيها وحدنا بل توجد فيها كل قوى الممانعة وهذا شيء إيجابي، رغم أن مخرجات لقائنا مع اليسار واجهتها السلطة من أجل عرقلتها، ويكفي أن أقول بأن من أخذ المبادرة، وهو الدكتور المعطي منجب الذي احتضن مشكورا هذا اللقاء، ومباشرة بعد هذا اللقاء تعرض لمختلف أشكال التضييق لدرجة إغلاق الحدود في وجهه، وهو الآن خاضع لمحاكمة ماراطونية من أجل الحد من دوره وأدوار أمثاله في تقريب وجهات نظر الأطراف داخل المجتمع.

هل هناك ما يمنعكم من حيث أدبيات ومنهاج الجماعة من إشاعة وجهات نظركم وتصوراتكم للقضايا المطروحة، فهل أنتم ترون أن تبقى هذه التصورات حبيسة البيت الداخلي إلى أن تجدوا الظرفية الملائمة لإعلانها؟

نحن نعيش حصارا كبيرا جدا بحيث لا يسمح لنا بأن نعلن أفكارنا وآراءنا وتصوراتنا ومشاريعنا في وسائل الإعلام وفي الفضاءات العمومية، وممنوعون حتى من إعلامنا الخاص، لكن العدل والإحسان لا تستسلم لهذا الواقع وهي تعمل كل ما تستطيع من أجل أن توصل أفكارها وتصوراتها للمجتمع، ويكفي أن نقول بأن إحياء الذكرى الثالثة لرحيل الأستاذ عبد السلام ياسين فكل الأنشطة التي عملنا على تنظيمها سواء النشاط المركزي الذي نظم بمدينة سلا أو الأنشطة التي نظمت في المدن حضرتها فعاليات مختلفة وكانت مناسبة لبحث سبل التعاون من أجل التغيير داخل البلد.

لكن هناك من يعيب عليكم أنكم لم تتخلصوا بعد من الاعتماد فقط على الجانب الدعوي، عوض مباشرة العمل السياسي الذي يعتبر هو المدخل الأساسي من للتغيير؟

إن كان من يقول ذلك فهو لم يفهم جماعة العدل والإحسان أصلا، بالعكس العدل والإحسان لم ولن تتخلص من الجانب الدعوي لأنه جزء من ماهيتها. فالإحسان في شعار الجماعة هو الذي يمثل الشق الدعوي التربوي وهو المرتكز الأساسي في عمل جماعة العدل والإحسان. وبناء على هذه القاعدة وهذا المرتكز وهذه الرافعة نتحرك في كل المجالات الأخرى السياسية والمجتمعية، فبالنسبة إلينا هذا المشروع الدعوي الذي يستهدف في الإنسان بعده الإنساني وبعده التربوي هو أمر مركزي لم ولن يتغير اليوم وفي الغد سواء كنا حركة أو في المعارضة أو في الحكم ولا في أي ظرف من الظروف. أما في الجانب السياسي فربما من يرى بأننا بعيدون عن العمل السياسي فلأننا ربما لسنا في البرلمان ولسنا في الانتخابات ولسنا في الحكومة، ومعلوم أن هذا ليس هو منطق جماعة العدل والإحسان، نحن نقول ما دامت الانتخابات ما تزال مزورة وشكلية ولا تفرز مؤسسات تحكم فما من شأنها إلا أن تطيل عمر الاستبداد، ولو كنا في بيئة أخرى لكنا من السباقين إلى المشاركة في العمل السياسي. وأعتقد أن الدور الأساسي والمركزي هو الذي نقوم به وهو أننا نناضل ونكافح ونتدافع من أجل أن نفرض في الواقع مشهدا سياسيا سليما حقيقيا وليس كما نرى اليوم. ونعتقد بأن عمل جماعة العدل والإحسان في هذا الاتجاه يؤتي أكله خطوة بعد خطوة، وأذكر مرة أخرى بأن حراك الشارع في 2011 كانت العدل والإحسان من أهم مكوناته ومحركاته.

هل ما زلتم ترون بأن الأهداف التي شاركتم من أجلها في حراك 20 فبراير لم تتحقق على أرض الواقع؟

بالنسبة إلينا قد تحقق الأهم وهو رفع الخوف من نفوس الشعب، كما أصبحت الإرادة الشعبية تتحرك اليوم، فهل كان في السابق قبل 2011 من الممكن مثلا أن تلتفت السلطات إلى أي احتجاج شعبي، فاليوم أصبحت تدوينات وحملات “الفيسبوك” لها تأثير هام جدا، بمعنى أن حركة المجتمع أصبح لها تأثير هام جدا وهذه من المخرجات الأساسية لحراك 2011، وفي سنن التغيير في المجتمع المدخل الأساسي للتغيير هو عندما تصبح للشعب كلمة، وعندما يُرفع هاجس الخوف. فعلى هذه الأرضية تبنى المسارات الآتية. والأمر الثاني الذي كان من مخرجات حراك 2011 هو إحداث فرز مهم جدا داخل المجتمع، إذ أصبح الكل يعرف بأن الإشكالية في المغرب ليس انتخابات نزيهة أو غير نزيهة أو ما ستفرزه من مؤسسات وحكومة ومعارضة، الإشكال الحقيقي هو أن الجهة التي تحكم ما زال الاستبداد هو بنيتها الأساسية، والمعروف أن قرين الاستبداد هو الفساد، والدليل هو الملفات الأساسية لا تديرها الحكومة التي تشهد بنفسها على ذلك. وكل هذا ، بالنسبة إلينا، يهيئ شروطا هامة وفعالة تدفع في اتجاه موجة ثانية من التغيير، لأن ما حدث في 2011 في تحليلنا هو موجة أولى وستعقبها موجات أخرى لا يستطيع أي أحد أن يتكهن بكيفيتها ومتى تحدث وما هو مداها، وهي لن تكون إن شاء الله إلا في صالح الشعب ومن أجل التغيير.