من المرتقب –خلال الأشهر القليلة المتبقية من الولاية الحكومية الحالية – أن ينشط إيقاع تمرير القوانين التنظيمية العالقة على هامش الوثيقة الدستورية الأخيرة. وهو سعي استباقي ينسجم مع الرغبة الرسمية الحثيثة والمتعجلة لاستيفاء ملامح الانعطاف (الآمن) لمغرب ما بعد الحراك، الحامل شعار التنزيل الديمقراطي لمقتضيات الدستور، مع الحفاظ على الروح التحكمية والاحتيالية ذاتها التي طبعت دوما الاشتغال الرسمي على سائر الملفات. بالموازاة مع ذلك نستطيع الآن – ودونما وقوع في التجني- أن نحصي أوجه العوار والانحراف المقصود من جانب الإدارة العميقة) في قيادتها وإشرافها على فصول التأويل ثم التنزيل الديمقراطي) لدستور 2011.

في هذا السياق صادق مجلس النواب مؤخرا على مشروعي القانونين التنظيميين [14-44] و[14-46] المتعلقين – تواليا – بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية)، ثم بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع). وهما القانونان التنظيميان المتعلقان بتنزيل الفصلين 14 و15 من الدستور والقاضيين بإمكان تقديم عموم المواطنين لعرائض شعبية للإدارة العمومية) وكذا تقديم ملتمسات في مجال التشريع). ومما يجدر به التذكير أن الفصلين أعلاه كان قد سبق التسويق لهما قبيل موعد الاستفتاء على الدستور الأخير كأحد أوجه الطفرة الديمقراطية غير المسبوقة ذات النفس التشاركي الذي يعكس الرغبة الصادقة من جانب الإدارة العميقة نحو التغيير).

التوقيت والسياق الميداني:

بالرغم من طابع التراخي الذي عرفته وتيرة صياغة القانونين فإن توقيت الإفراج عنهما يبقى حدثا سياسيا ذا دلالة لا يخطئها متتبع؛ حيث تمت المصادقة عليهما في لحظة يجري فيهما التداول رسميا حول الأوجه والحدود المسموح بها في اعتماد نموذج ديمقراطي تشاركي) من داخل منظومة التحكم العتيقة في وقت نشطت فيه المبادرات الشعبية الجامحة و غير المهيكلة المنكبة على ملفات مختلفة تهم التدبير العمومي بواجهاته الاقتصادية وحتى السياسية، وذلك على نحو متواتر وعصي على السيطرة. وهنا نورد – ذكرا – العريضة الشعبية غير المسبوقة الداعية لإسقاط معاشات البرلمانيين والوزراء، وتلك الداعية لإسقاط بعض المراسيم الوزارية المثيرة للجدل، دون أن نغفل الصدى الواسع والمقلق لحراك مدن الشمال في وجه سياسة التدبير المفوض للخدمات الأساسية وما رشح عن ذلك من قوائم توقيعات احتجاجية تم رفعها هنا وهناك. ذاك الزخم الشعبي المتغير في صوره باستمرار والرافض لمستوى الأداء العمومي يظل شاخصا بمحاذيره في وعي السلطة وإدراكها لمآلاته المقلقة، وبخاصة إن كان يصدر عن فئات تنشط خارج السياق الانتخابي الرسمي عزوفا أو رفضا. وعليه، فان الإفراج عن القانونين التنظيميين يبقى – في تقدير الإدارة العميقة – حاجة ملحة يرجى بها الاحتواء الاستباقي لكل محاولات المبادرة الشعبية وتوجيهها والحد من رعونتها بقوة القانون!

تجويف المفاهيم وتقييدها:

في ذات السياق التحكمي نجد نص القانونين التنظيميين يجِدّان في مسعى لجم مفهوم المواطنة والنزوع به من رحابته الإنسانية الأصيلة إلى فرض صورة مصطنعة محاصرة بجملة من التقييدات الفوقية ؛ فنجد في النصين معا [المادة 2 من القانونين تواليا] تعريفا لأصحاب العريضة (ثم الملتمس) بأنهم :[ المواطنات والمواطنون… الذين اتخذوا المبادرة… شريطة أن يكونوا متمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية ومقيدين في اللوائح الانتخابية..]. هكذا يتم حصر مفهوم المواطنة وترحيله من دائرة الحق الأصيل إلى دائرة الامتياز الذي به – وبه فقط – تحق لك المبادرة في رفع العرائض أو ملتمسات التشريع. هذا السعي الرسمي لتجويف مفهوم المواطنة وقصره على المقيدين في اللوائح الانتخابية لَهُوَ ردة صارخة تنضاف لمخزون التراجعات الحقوقية الخطيرة التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة. أما إذا علم بأن المسجلين حاليا في تلك اللوائح لا يكاد يبلغ ثلثي الكتلة الناخبة البالغة حدود 27 مليون مغربي فإننا نشهد حالة نادرة من الحرمان الجماعي في حق مواطنين كاملي المواطنة يقدرون بحوالي تسعة ملايين مغربي ذي أهلية انتخابية لا يشملهم الحق المكفول لغيرهم بمقتضى القانونين.

تجويف المبادرات الشعبية:

واقع تجويف وتحريف المبادرات هذا يوازيه تجويف آخر يستهدف عمق المبادرة الشعبية وفلسفتها التشاركية؛ اذ نجد النصين معا يحفلان بجملة من الشروط المكبلة لمسعى تقديم العرائض أو ملتمسات التشريع، حيث تحدد المادة الثالثة من [ق.ت 14-44] حيثيات تقديم العريضة في جملة اشتراطات أهمها (أن تكون المطالب والمقترحات والتوصيات مشروعة)! مما يطرح إشكالات عميقة تسائل المعيار المعتمد في تحديد مدى المشروعية هذه، والجهة المخول لها تقييم ذلك. كما تسائل مدى ملاءمة هذا الاشتراط لوثيقة دستورية تدعي انتسابها لنادي الديمقراطيات الصاعدة؟

إن شرط المشروعية هذا لهو في واقع الأمر محطة تحكمية تصفوية أولى، تمنع ورود أي مبادرات عميقة في نفسها التغييري وتئدها على عتبات مكاتب الضبط. كما يبرز التحكم بجلاء عندما نقف في النصين معا – وعلى نحو متطابق – على موانع تحول دون قبول العريضة أو ملتمس التشريع إذا كان يمس بالثوابت الجامعة للأمة أو يهم قضايا الأمن الداخلي أو المجال العسكري أو يتعلق بمراجعة الدستور أو القوانين التنظيمية أو العفو العام) 1 . ينضاف إلى ذلك رفض أي عرائض تتعلق بمطالب نقابية أو حزبية ضيقة). على هذا النحو التحكمي الاستباقي تضمن الإدارة العميقة استبعاد أي محاولة تشويش جماهيري على مجالها التدبيري أو مزاحمته من جهات تفتقد امتياز المشروعية الذي تحتكر هذه الإدارة ذاتها حق تأويل مقتضياته بالقدر الكافي لحشره في زاوية المبادرات الجوفاء.

المسارب التحكمية للمخزن:

بعد مطالعة التقريرين الخاصين بمسار صياغة القانونين التنظيميين والتداول حولهما داخل أروقة البرلمان، نستطيع التقاط بعض المعطيات الدالة بخصوص النوايا الرسمية العميقة لترويض المبادرات الشعبية والالتفاف عليها. فنجد في معرض جواب وزير العدل – عن دوافع اشتراط التقييد في اللوائح الانتخابية لمدعمي العرائض و الملتمسات – إشارة واضحة إلى أن القصد من ذلك إنما هو محاولة الرفع من نسبة التسجيل ثم المشاركة في المواعيد الانتخابية، بحيث يصير لكل مبادرة من هذا القبيل معنى عدديا ذا أهمية قصوى؛ إذ إن قبول ملتمس تشريع واحد يعني التسجيل المسبق ل 25 ألف مواطن في اللوائح الانتخابية. وترتيبا على ذلك تستطيع الإدارة العميقة من خلال شبكة الأحزاب والإطارات المدنية المتعاونة أن تمضي في تعبئة أكبر لفئات من المغاربة من باب غير مسبوق وهو الدفع نحو اعتماد العرائض وملتمسات التشريع و الترويج لها في أوساطهم كمدخل للإصلاح و كمسرب التوائي يرفع من منحنيات المشاركة الانتخابية.

هناك إذن عدة مسارب تحكمية تستطيع من خلالها الإدارة العميقة تطويع المبادرات الشعبية لصالحها وذلك باحترام تام للمقتضيات القانونية ذات الصلة. ولمزيد من الاستيضاح يكفي أن نشير إلى كون القانونين التنظيميين لم يشترطا في لجنة دعم العريضة أو لجنة دعم الملتمس (وهم الموقعون في كلا المبادرتين) الحصول على حد أدنى من التعليم للتوقيع على المبادرة أو دعمها. مما يعني أن جيشا احتياطيا من الفئات الهشة ومنعدمة التعليم وذات الولاء العفوي للسلطة بالإمكان تسخيرها – وخاصة بالعالم القروي- لتبني عرائض أو ملتمسات تشريع على بياض ورفعها للجهات العليا بالزخم العددي الكافي لاعتمادها أو الاستناد عليها في إثارة نقاش عمومي موجه. وحسبنا لتأكيد ذلك أن نطالع قوة الدفع التي تحظى بها الأحزاب الرسمية المختلفة في البوادي المغربية مستفيدة من مبدأ التسخير ذاته. أما في الجانب المقابل من الشارع السياسي حيث التشكيلات الممانعة المختلفة للمعارضة التاريخية للسلطة فنها ستجد في المبادرتين التشريعيتين مسعى فوقيا وإقصائيا في حقها، بما يشترطه من تقييدات تعجيزية إن على صعيد الشكل أو المضمون الاقتراحي. وعليه، فان العريضة الموجهة لإسقاط معاشات البرلمانيين تبقى لاغية بحكم القانون وإن حصلت على دعم شعبي يفوق ما يشترطه القانون التنظيمي لتقديم العرائض بستين مرة (حصلت على 300 ألف توقيع فيما المطلوب هو 5000 فقط) كما يفوق أيضا ما اشترطه قانون تقديم الملتمسات بست مرات (المطلوب 25 ألف توقيع).

الحصيلة:

إن نظام العرائض الشعبية – كما هو دارج كونيا – يبقى إجراء مخصوصا يتيح لفئات من المواطنين أو لحساسيات سياسية ومدنية التعبير عن مواقفها في ظل القانون وبما تمليه قرينة المواطنة الأصيلة. إلا أن النموذج المغربي في هذا السياق يبقى إجراء تجويفيا يرجى منه الترويج لهياكل ديمقراطية مفرغة من جوهرها التشاركي الاقتراحي ومانعة لأي مساهمة شعبية حقيقية وواعية في تدبير المجالات العمومية الحساسة. ويكفي لاستجلاء الأمر تأمل الدوائر المحرمة الآتية التي يبعدها القانونان التنظيميان عن أي اسهام شعبي مباشر: (النظام الانتخابي. المراسيم الوزارية. مدونة الانتخابات .قانون الصحافة. الميزانية العامة. منظومة الأجور .الامتيازات الريعية. تعديل الدستور. السياسة الخارجية. المجال العسكري. النظام التربوي . التقطيع الإداري. أنظمة التقاعد و التغطية الصحية و الخدمات الاجتماعية. المجال الديني…). وتطول قائمة المحظورات التي هي من صميم اهتمام المواطنين. فان كانت العرائض أو الملتمسات الشعبية تعرف هذا القدر الهائل من التجويف بحيث لا تستغرق هذه الدوائر الحساسة فأي معنى سياسي تشاركي للمبادرة؟ وأي مدلول ديمقراطي للفصلين 14 و 15 من الدستور؟


[1] المادة 4 من النصين\