أجرت جريدة الأنباء المغربية في عددها 206 (23 – 29 يناير 2016) حوارا مع الدكتور عمر إحرشان، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، نورد فيما يلي نصه الكامل:

1 – قريبا ستحل ذكرى حراك الربيع المغربي أو حراك 20 فبراير 2011، ما ذا تغير منذ الشرارة الأولى إلى الآن؟

طبعا تغيرت أمور كثيرة في اتجاه إيجابي وأخرى في اتجاه سلبي، ولكن في العموم يمكن تسجيل أهم تغير وهو وصول العرض السياسي الذي قدمه المخزن في 2011 إلى نهايته دون أن يحقق ما كان منتظرا منه. فشل هذا العرض في تحقيق مصالحة سياسية بين المغاربة والسياسة وهو ما عكسته النسبة العالية لمقاطعة الاستفتاء الدستوري في يوليوز والانتخابات التشريعية في نونبر 2011 وانتخابات الجماعات الترابية في 2015 رغم كل ما رافق هذه المحطات من دعاية رسمية وترغيب في المشاركة واستعمال غير متكافئ للإعلام العمومي والخاص مقابل التضييق ومصادرة ومتابعة دعاة الرأي المخالف، ولوحظ أن هذه المقاطعة تحولت من مجرد عزوف انتخابي إلى ما يشبه الموقف السياسي الواعي. يتجلى كذلك فشل هذا العرض الرسمي في أن العملية السياسية، من خلال الوسائط التقليدية ومن داخل المؤسسات الرسمية، أصبحت بدون جاذبية والشباب يبحثون عن وسائط أخرى تتجاوب مع همومهم واهتماماتهم وتتبنى مطالبهم، وهذا يفند أطروحة العزوف السلبي التي ترعاها بعض الجهات ويؤكد أن الشباب متشوق لممارسة حقه في التفاعل مع قضايا بلده ولكن بطريقة مختلفة.

ومن أهم ما تغير كذلك في المنحى الإيجابي هو تزايد وعي المواطنين وإقبالهم على الاحتجاج للتعبير عن معاناتهم بشكل سلمي ومسؤول مقابل عودة سريعة وكبيرة للقبضة والمعالجة الأمنية مما يؤكد أننا ما نزال لم نجن ثمار الحراك الشعبي لسنة 2011 وأن هناك حاجة مجتمعية لموجة ثانية من الحراك قد تتخذ صيغا تنظيمية وسياسية مخالفة لما حدث سنة 2011 للوصول إلى نفس الهدف، وهو مواجهة الفساد والاستبداد. وطبعا يشعر صانع القرار بهذا الأمر وهو ما يجعله يفرغ كل الوعود التي قدمها من محتواها، وأبسط مثال هو التراجعات التي طالت كل ما يمكنه تفعيل الديمقراطية التشاركية من خلال اشتراط التسجيل في اللوائح الانتخابية ورفع عدد التوقيعات وغيرها من القيود.

اليوم، يتأكد كل ما قلناه سنة 2011 حين نعتنا ذلك العرض بأنه التفاف ومراوغة وربح للوقت وامتصاص للغضب الشعبي.. واليوم كذلك يتأكد عدم رضا الشعب كلما أتيحت له الفرصة لذلك.

2 – هل أنتم متفقون مع من يقول إن حركة 20 فبراير لم تحقق أهدافها ومطالبها بسبب انسحاب جماعة العدل والإحسان منها؟

حركة 20 فبراير لم تحقق كل أهدافها، وأسطر على كل، ولكنها بالمقابل لم تفشل في تحقيق ما قامت من أجله. الحركة كانت لحظة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر ساهمت في تسريع وتيرة الإصلاح في بعض المجالات وكسرت مجموعة من الطابوهات وفتحت الكثير من الملفات وأبانت عن نضج كبير في فهم المحيط الذي تتحرك فيه لأنها لم تغامر بمصير البلاد وبسلمية حراكها رغم المحاولات التي هدفت إلى ذلك ولم تستدرج لما كان بعض الاستئصاليين والمغامرين يطمحون إليه.. وهذا لا ينفي أن الحركة شابتها نقائص كثيرة وسلبيات من المهم تجاوزها في أي حراك مستقبلي. ميزة حراك 2011 أن قيمه أصبحت ضميرا مجتمعيا، وشعاراته أصبحت معيارا لمدى تقدم مسلسل الدمقرطة في البلاد، وفتح باب الأمل أمام الشباب بأنهم يستطيعون الضغط والتأثير في صناعة القرار في الكثير من القضايا.

3 – نفس الحزب الذي اختلفتم معه داخل حركة 20 فبراير، نجده قد شارك في الاجتماع الأخير بينكم وبين قوى اليسار، إلا أي حد يمكن أن تنسجم العدل الإحسان مع قوى اليسار، التي تختلفون معها أيديولوجيا من أجل تحقيق التغيير؟

اختلافاتنا في الحركة لم تكن مع طرف بعينه بقدر ما كانت اختلافا في التقديرات السياسية لمتطلبات ما بعد فاتح يوليوز وحاجة الحركة إلى نفس ثان أسرع وأقوى في ظل سياسة الأذن الصماء والهروب إلى الأمام والالتفاف التي نهجها المخزن في التعاطي مع المطالب الواضحة للحركة.

ولكن اختلافنا في قضية لا ينفي اتفاقنا في أمور كثيرة ولا يمنع استمرار التواصل والتعاون في المشترك لأننا مقتنعون أن العلاقات بين مكونات المجتمع يجب أن يطبعها الاحترام والاعتراف المتبادل والتعاون في المتفق عليه.. ولا نفتأ نؤكد أن الالتقاء الموضوعي والميداني هو الأهم وأن التقاطب يجب أن يكون على أساس سياسي وليس إيديولوجي/عقائدي لأن من شأن الاستقطاب الإيديولوجي الحاد أن يعصف بالنسيج المجتمعي كله.. ونحن نميز كذلك بين المراحل لأننا نستحضر أننا بصدد مرحلة تأسيسية يجب أن يطغى عليها البحث عن التوافق للتأسيس لبيئة سليمة لممارسة العمل السياسي توفر أجواء للتنافس الديمقراطي الذي يجد فيه الفائز والخاسر ذاته ويمارس فيه عمله بغض النظر عن موقعه ومواقفه وإيديولوجيته طالما أن قواعد العمل منظمة بتوافق بين الجميع.

4 – مجموعة من المطالب والشعارات التي رفعتها العدل والإحسان إلى جانب قوى اليسار في حركة 20 فبراير وعلى رأسها محاربة الفساد، تبنتها الحكومة التي أو الحزب الحاكم “العدالة والتنمية”، هل تمكن هذا الأخير والحكومة ككل من محاربة الفساد وبالتالي تنزيل مطالب حركة 20 فبراير على أرض؟

الأمر أكبر من مجرد تبني مطالب بدون البحث عن الوسائل اللازمة لتحقيقها لأن تلاؤم الهدف والوسيلة مهم جدا، والنتائج المحققة إلى حد اليوم خير شاهد على عدم نجاعة هذا المسلك في التغيير. ويكفي استعراض أهم مظاهر الفساد التي لا تزال تنخر البلاد والتي تتزايد يوما بعد يوم انطلاقا من مظاهر الريع وعدم ربط ممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة والإفلات من العقاب وتفشي الامتيازات والتعايش مع المفسدين والسكوت عن فسادهم ليتضح أن الحكومة والبرلمان بشكلهما الحالي عاجزين عن محاربة الفساد لأنهما من مخرجاته فلا يمكن أن نغض الطرف على أنهما جاءا بانتخابات فاسدة قاطعها المغاربة وبالتالي فهما لا يحوزان شرعية شعبية تقويهما في مواجهة شبكة الفساد المتحكمة.

5 – هناك من يعتبر أن جماعة العدل والإحسان لا يمكنها أن تعبر عن آرائها ومواقفها إذا تجاوزت البيت الداخلي، إلا من خلال احتجاجات الشارع، وبالتالي لا يمكنها المشاركة في الحوار والنقاش حول العديد من القضايا المطروحة من داخل المؤسسات المتعددة، كيف تردون على من يصفونكم بالجماعة المنعزلة والمنغلقة على نفسها؟

بصراحة نحن احترنا في هذه الأحكام، فهناك من يصفنا بالعزلة اليوم وفي الغد يتهمنا بأننا نحن من يحرك الكثير من الاحتجاجات.. وهناك من يصفنا بالانغلاق ثم يعترف في مناسبة أخرى بأننا من يؤثر في شرائح شعبية واسعة. تأكد أننا لا ننتبه إلى هذه الاتهامات لأننا نعرف الجهة التي تصدرها وسبب ذلك وحتى خلفيات اختيار التوقيت وبالمقابل نحن أعلم بحجمنا وقدراتنا. وإن كنا نركز على الشارع فلأنه الوحيد الذي له جدوى الآن لتفعيل مسار الدمقرطة في ظل التحكم والجمود والرتابة التي تطبع المؤسسات الشكلية المفرغة من دافع وجودها. ونتمنى أن يتحقق انفتاح سياسي حقيقي وتتاح الفرصة للشعب ليعبر عن رأيه وحينها نحكم على من هو المنعزل والمنغلق والمنفتح والمندمج.

العمل مع الشعب في الشارع ليس نزهة وضريبته أكبر من تلك التي يؤديها من يسلك مسلك “الإصلاح من الداخل” والحكم في النهاية للشعب من خلال النتائج.

6 – هل تطرح جماعة العدل والإحسان خيار المصالحة والتخلي عن منطق “الاستقواء” بالقاعدة داخليا وبالدعم الخارجي، وبالتالي دخول العمل السياسي من البوابة الحزبية أي تأسيس حزب سياسي؟

في هذا السؤال إيحاء وكأن الجماعة تستقوي على غيرها وهذا غير صحيح لأن الجماعة كانت سباقة منذ عقود في الدعوة إلى الحوار والالتقاء على ميثاق وعدم الانفراد وعدم الإقصاء، وهي لا تغتر بكثرة أعضائها والمتعاطفين معها ومستعدة لأداء تضحيات أكثر من غيرها إن كان ذلك في مصلحة المغرب والمغاربة، بل إن أول ما يتلقاه الوارد على الجماعة هو التواضع واحترام الغير وتبني المقاربة الجماعية والتعاون مع الجميع لما فيه مصلحة البلاد والتضحية من أجل ذلك. أما بخصوص تأسيس حزب سياسي فطالما أن الأمر منحة مخزنية ويخضع لمساومات سياسية تفضي إلى تنازلات وتفاوض على حقنا في التنظيم ولا يحتكم فيه إلى مسطرة إدارية فإننا نرفض المساومة على حقنا، والحمد لله أن الرأي العام الوطني والدولي صار يعرف الحقيقة بهذا الشأن وأن الحرمان من الحق في التنظيم والتعبير سمة لازمة للنظام المخزني وأن التصريح بممارسة هذا الحق يخضع للابتزاز السياسي ووسيلة للإخضاع والتحكم وليس لفتح العملية السياسية في وجه منافسين حقيقيين لهم امتداد مجتمعي. لا يمكن لوم الجماعة على حرصها على استقلاليتها وتمسكها بنيل حقها كاملا بدون خضوع للمساومة والابتزاز، بل يجب لوم النظام المخزني الذي يتصور الترخيص لحزب منحة ومنة وليس حقا.

7 – لاحظ العديد من المتتبعين الهجمة الشرسة للإعلام على الجماعة منذ مدة، هل هناك تقصير في التواصل من طرفكم من أجل تصحيح هذا الوضع؟

قد يكون هناك تقصير، وسببه موضوعي وليس ذاتيا، لأن الجماعة ممنوعة من حقها في امتلاك جرائد ورقية وما تزال منابر “الجماعة” و”الصبح” و”الخطاب” و”رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان” ممنوعة، وتتعرض مواقع الجماعة للحجب بين الفينة والأخرى، والرأي العام محروم من معرفة آراء الجماعة في الإعلام العمومي، وتمارَس ضغوط على وسائل إعلام خاصة حتى لا تتناول قضايا الجماعة، وبالمقابل تتحرك آلة دعائية بإمكانيات هائلة لتشويه صورة الجماعة.. ورغم كل ما سبق فإن هذه الحملات عجزت عن تحقيق أهدافها، ويؤكد هذا التجاوب الشعبي مع دعوة الجماعة وتزايد المقبلين عليها والمتعاطفين مع مواقفها، ولو كانت هناك مراصد موضوعية لقياس حجم التعاطف أو عدم التعاطف لتأكد ما أقوله بالملموس، ونحن متأكدون منه طبعا من خلال الوسائل التي نقيس بها، بل إن كل الحملات ضد الجماعة تنتهي بنتائج عكسية، حيث يزداد الإقبال لمعرفة الجماعة مباشرة بدون وسائط.