قبل 16 سنة، وجه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله مذكرة/نصيحة إلى الملك محمد السادس غداة توليه الحكم، شخص فيها واقع المغرب واقترح حلولا للقطع مع فساد استشرى، وبؤس عم، وتفاوت طبقي مؤذن بالخراب. مذكرة لم يشفع لها أسلوبها الدعوي وخطابها الرفيق وتهممها بمستقبل المغرب، فجند المخزن جيشه وحشد سدنته وعبأهم للنيل من عقيدة وخلق الناصح الأمين من خلال مقالات وتصريحات وبيانات خصصت لها الوزارة الوصية على الشأن الديني العدد 910 من جريدة “ميثاق الرابطة”، ناهيك عما “تفتقت” به أقلام مأجورة في عدد من الصحف تنافح عن الفساد وتقصف رجل دعوة أعزل إلا من إيمانه وثقته في موعود ربه: وما يلقاها إلا الذين صبروا.

بعد ست عشرة سنة على كتابتها، وقد أفضى مُوقعها كما أفضى كثيرون ممن انخرطوا في التصدي لمضامينها إلى رب العزة والجبروت، فما وجاهتها؟ وما راهنيتها اليوم بعد ردح من زمن؟

إن مذكرة إلى من يُهمه الأمر) رسالة نصيحة للحاكم جاءت منضبطة لآداب النصيحة ورفقها، مراعية طبيعة المخاطَب ومقامه معلقة لعله يتجاوب مع مقترحاتها إبعادا للبلاد من شبح الفوضى والقلاقل. لقد كانت المذكرة واضحة بحيث خيّرت الملك الشاب بين أن يبقى التقليد الموروث وصيا عليه متوجسا من خرق “ما جرت به العادة” وتجاوز “القاعدة”، فسنعلم ألا أمل للبلاد في الخروج من مأزقها… وأما إذا صحا قلب محمد الآئب إلى الله، الموقن بما ينتظره، المستعد للقاء ربه، فلا بد أن يجتهد في تفكيك إمبراطورية الشر).

لقد ثمنت المذكرة بعض الإشارات الصادرة آنذاك ومنها إبعاد الدعامة الأساسية للمخزن من وظائفها، اليد اليمنى للحسن الثاني، أمين سره ومستودع ثقته. لعلها كانت خطوة مقتحمة خاطفة، ومنعطفا حاسما!)؛ قرار اعتبرته المذكرة ضربة هدت البناء المخزني الهاري، ضربة تبعث على التفاؤل، والملك مدعو ليكمل عملية التطهير ويَكْنِسَ الساحة من الأنقاض حتى يتسنى له إقامة بنيان جديد بدل ذلك الذي نخره السوس. فانتهاك الحرمات والدوس على الكرامات لا يمكن أن يُمْحيَا من ذاكرة المغاربة إذا لم تستأصل شأفة الشجرة الملعونة).

قرار وخطوة ثمنتهما المذكرة، دون أن يغيب عن صاحبها أن الفساد منظومة لا تختزل في شخص مهما كان وزنه وتأثيره، فــلم يكن الوزير ـ يقصد إدريس البصري ـ الذي كان يسخره الحسن الثاني سوى شخص مسكين، منفذ، كبش فداء تُصَوّبُ إليه السهام بدل تصويبها للملك. فماذا عَسَى يحدث تغيير أداة إذا كان يراد للجهاز المعتل أن يستمر؟ هل يمكن لمن باعوا أنفسهم للشيطان أن يَــــرْعَوُوا عن غيِّهم لمجرد التضحية بواحد منهم؟…).

ومن الاستشراف الذي تأسست عليه النصيحة تذكيرها بتفادي الارتجال والحماسة، متسائلة: أي مستقبل لمحمد السادس، وأي مستقبل للمغرب؟ لا مستقبل لهما إذا لم يقيما الأساس على أرض الإيمان التي لا تتزعزع… لا أمل لمحمد بن الحسن ولا لمغرب محمد مادام الاثنان يخبطان في ليل الارتجال، ولا مخرج للجهاز المخزني من المتاهة التي يدور فيها مهما بلغت جرأة الملك الشاب، ومهما تعددت إنجازاته المقتحِمة، ومهما عظمت الآمال التي يجسدها في أعين الشعب المعبر عن ارتياحه. فمادام مشروع المجتمع المحدَّد بوضوح، المعَبِّيءِ للشعب، كلِّ الشعب، غائبا فلا أمل في الإفلات من طوفان يوشك أن يحل!).

استشراف وحسن ظن بـــ”عهد جديد” إن زكى العمل الظنون فلن يتأخر الشعب في تحويل “إشاراته” إلى مشاريع ومخططات وعمليات التطهير وإعادة البناء إذا ما دُعِيَ إلى ذلك بعْد أن يثق بالداعي. فالطاقات متوفرة، والكفاءات مستعدة، لكن تعبئتها واستثمارها يتطلب الاعتراف بالقُصور والاعتذار عن تاريخ المقصرين حتى يتحفز الجيل النظيف ويفتح عينيه على ما حدث وما يحدث. لابد أن تنسحب مع عملاء الظلام سنَّة التعتيم والتضليل السيئة).

ولأن الأماني المعسولة لا تبني، ولأن المجاملات والقفز على معطيات الواقع البئيس داؤنا، شخصت المذكرة واقع البلاد اجتماعيا واقتصاديا، حيث الدَّيْن الخارجي الضخم يجثم على ميزانية البلد، ويشل كل محاولة تصحيحية جادة، يُسنده في ذلك الغش الإداري والبطء البيروقراطي والفساد المالي … عاهة مغرب حكام الجبر ولعنة مغرب المستضعفين!)، وحيث الوضعية المُهينة للمرأة، الاستغلال البشع للأطفال، الشباب العاطل المخدر الذي يزرع الرعب في الأزقة والحارات، كلها جروح اجتماعية دامية تشهد على بؤس المغرب الفقير. والشبيبة الغارقة في وحل الجريمة…)؛ ثم اقترحت على الملك الشاب والأمراء والأميرات تسديد هذا الدَّيْن الثقيل ومحو كابوسه الرهيب. بذلك يرتقي الملك الجديد إلى مقام الأبطال. حينئذ يكون له موعد مع المجد لن يُخْلَفَه!).

اقتراح، وإن اعتبره التحليل السطحي للمذكرة سذاجة وهلوسة، واعتبره الناصح الأمين حلا يمليه العقل المتعقل، كان سيؤسس لمرحلة فارقة في تاريخ المغرب ويدشن مشروعا عظيما، شروع رد مال الأمة للأمة، إذا ما حدث أن نما في الضمير الملكي ورفع الساعدُ الفتي لواءه ونافح عنه، سيمكن الملك الشاب المبتدئ المحاط بالأفاعي الحربائية من الارتقاء إلى مصاف الأبطال المنقذين، الداخلين إلى التاريخ من أوسع أبوابه، الداخلين على الله عز وجل من باب الرضى والرضوان… وبعد أن يخطو الملك الخطوة البطولية الحاسمة، سيكون له الحق في أن يدعو الجميع إلى التضحية وتحمل المسؤولية والاستقامة والتفاني في سبيل إعادة بناء مغرب جديد، مغرب ظل حلما يراود المغاربة دهورا طويلة… سيكون لتصفية ملف الدَّين بالثروة الملكية إيجابيات يعجز اللسان عن عدها. فالاستثمار سينطلق بعد توقف، والمال المخصص اليوم لتسديد أقساط الديون سيُحَوَّل نحو الاستثمار العمومي، والتعليم والتربية اللذان نَكَصا بالبلد إلى المرتبة 125 بين بلدان العالم سيطفوان إلى السطح. ستتحسن البنية التحتية المنهارة أو المنعدمة في المناطق القروية، وسيفك الحصار الاجتماعي والجغرافي المضروب على المناطق المحرومة ليَتراجع مد الفقر الجائع. ستُجَفَّف مستنقعات البطالة بعد أن تُستعمل مضخات أكثر فاعلية من تلك التي تُشَغِّل ألفا من العمال هنا أو مائة من الدكاترة والمهندسين هناك).

ولكي تنتظم كل تلك المقترحات في سلك سياسي ناظم، اقترح الإمام ياسين على الملك إصلاحا بنيويا لنظام الحكم حين قال لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمله. لابد من وضع القطار على سكة جديدة. ولذا لابد من قاطرة قوية ويد حازمة. لابد من مراجعة شاملة).

كانت هذه اقتراحات المذكرة قبل ست عشرة عاما، أما وقد سُلك طريق غير الطريق، إذ سرعان ما تُنكر لما بدا “إشارات” كبرى وظفت لتخدير الحس الجماعي للشعب وإلهائه بنشوة التغيير الذي سرعان ما غدا سرابا، ليغوص المغرب في مستنقع الركود والتخلف أكثر مما مضى)، ركود وتخلف تؤكد رتب المغرب المتدنية في سلم التنمية ومستوى الخدمات الاجتماعية واطراد تنامي المديونية الخارجية.

ترى، ما قول من انخرطوا رغبا أو رهبا في تسفيه الأستاذ عبد السلام ياسين وشككوا في نواياه، ما قولهم ـ إن كانوا على قيد الحياة ـ في مقترحات المذكرة وتحذيرها من دعم الفساد وإسناده، ألم تقترح الرسالة/النصيحة مُخرجات واقعية لمعضلات البلاد؟ ألم تثبت الأعوام الستة عشر صواب قراءة المذكرة لواقع المغرب ومستقبله؟ ألم يتغول الفساد ويستأسد الاستبداد وقد التف على شعاراته وتنكر لإشاراته؟ أليس التدبير المخزني الأحادي المسؤول الحصري عن مآسي الشعب؟ أليس هذا التدبير التحكمي مهددا للاستقرار المجتمعي؟ ما حظ المغاربة من مقدرات بلدهم؟ من يحتكر اليوم الثروة؟

إنه بقدر ما اعتبر المتزلفون للمخزن المذكرة خروجا عن الآداب المرعية للسلاطين والملوك ، أكدت السنون، وستؤكد أن فرصة للإصلاح سنحت، وما كانت لتهدر لو تيسرت لها حاضنة من الفضلاء وذوي المروءات. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. صدق الله العظيم والعاقبة للمتقين.

يمكنكم مطالعة النص الكامل للمذكرة على موقع سراج.