تداول مجلس النواب في جلسة الأربعاء 2016.01.27 مشروع قانون يمكن المواطنين من تقديم الملتمسات، غير أن الحكومة اشترطت لممارسة هذا الحق التسجيل في اللوائح الانتخابية، أي أن غير المسجلين في اللوائح الانتخابية لا يحق لهم تقديم الملتمسات بدعوى أن الدستور ينص على ربط الحقوق بالواجبات، وهي التسجيل في اللوائح الانتخابية، لذلك لابد أن يكون التسجيل شرطا). تقول الحكومة. موقف استغربت له المعارضة موضحة أن منع غير المسجلين في اللوائح الانتخابية من تقديم الملتمس يعد كبحا لآلية المواطنة، لأن الدستور تحدث عن المواطنين، وأن الذين لم يسجلوا في اللوائح لا ينقص ذلك من مواطنتهم). ترى، هل الحكومة بهذا الموقف تؤسس لمفهوم جديد للمواطنة؟ وما دلالة ربط التسجيل في اللوائح الانتخابية بممارسة هذا الحق أو غيره؟

المواطنة ـ من باب التذكير ـ مشاركة مسؤولة وواعية وطوعية في الحياة العامة أداءً للواجبات وممارسةً للحقوق جلبا للمنفعة العامة على أساس التعايش السلمي واحترام القوانين المعمول بها. المواطنة بهذا المعنى إغناءٌ لعناصر التلاحم والتوافق بين مختلف فئات المجتمع فوق إطاراتها الخاصة سواء كانت عقدية أو لغوية أو ثقافية أو قومية، وتقويةٌ للشعور بالانتماء المُفضي للبذل والتضحية من أجل الصالح العام.

وحيث إن لكل قرار أو قانون سياقه وبيئته، فإن ربط الحكومة حق رفع الملتمسات بالتسجيل في اللوائح الانتخابية قد يُفهَم في سياقين: عام يؤكد هاجس تخوف الدولة من اتساع قاعدة المقاطعين للاستحقاقات جماعية كانت أو برلمانية؛ هاجس يؤرق الجهات الحاكمة التي تمني النفس في كل محطة انتخابية بنسب مشاركة مطمئنة لا تقل عن الثلثين تجديدا لشرعيتها السياسية. وسياق خاص يتعلق بالتحدي غير المعلن من طرف الحكومة ممثلا في تصالح المغاربة مع السياسة وإنجاح ما يسمى “الاستثناء المغربي”.

ولكل القرارات والقوانين جهة أو فئة مستهدفة، وهي أيضا عامة وخاصة. فأما العامة فجمهور المقاطعين للانتخابات عن وعي أو بدونه، وهؤلاء قد لا يُعنوْن بهذا القانون، ليس جهلا أو زهدا، وإنما اقتناعا، أنه متى فسد الأصل فسد الفرع. وأنّى لها التفاعل مع نبض المجتمع وملتمساته. وأما الخاصة فهي الهيئات السياسية والحقوقية المصنفة خارج النسق السياسي الرسمي والتي ترى المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية تزكية للفساد وإطالة لعمر الاستبداد؛ وتفاديا لما قد تُحرج به الحكومة من مشاريع قوانين: قانون تجريم التطبيع مع الكيان الإسرائيلي نموذجا، فهي بهذا الإجراء تقطع الطريق على هذه الهيئات وترتاح من “شغبها” السياسي.

وإذا كان لحرص الحكومة التي جاءت في سياق حراك اجتماعي مُطالب بالإصلاح من دلالة فهو الإقرار ضمنا بإفلاس منظومة النسق السياسي الرسمي وعدم قدرته على إغراء أغلبية فئات الشعب للمشاركة والانخراط في الحياة السياسية من خلال مؤسسات الدولة، ولولا أشكال من الريع، من جهة، واستعمال المال لشراء الأصوات، من جهة ثانية، وحياد الإدارة السلبي، من جهة ثالثة، وحرمان الهيئات السياسية المقاطعة للعبة السياسية من الحق في التواصل مع الشعب، من جهة رابعة، لجاءت المحطات الانتخابية كاشفة فاضحة لزيف الشعارات كافية لإجبار الجهات الحاكمة لمراجعة نهجها في تدبير الشأن العام للعباد والبلاد. ومن باب الشيء بالشيء يُذكر لماذا لم تعلن وزارة الداخلية عن النتائج التفصيلية لانتخابات 04 شتنبر؟ ما الذي يمنع من إعلانها وقد مر على الانتخابات شهور، لتمكين الأحزاب السياسية من معرفة وزنها الحقيقي وتمكين الدارسين من الاشتغال على معطياتها استخلاصا للدروس وتطويرا للتجربة الدمقراطية؟

إن المشهد السياسي الرسمي يعاني من أمراض مزمنة لا تفيد في علاجها الإجراءات الشكلية من قبيل إحداث المجالس والهيئات وإطلاق الاستراتيجيات وآخرها الاستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد (2015 ـــ 2025) وبكلفة مالية قدرت بـــ: 1,8 مليار درهم. ألا أبشِرْ بطول العمر يا فسادُ! لقد تمأسس الفساد، وغدا التصدي لعفاريته وتماسيحه يتطلب إرادة سياسية استثنائية من حيث قوتها ومضاؤها وتحمُّل تبعاتها لتتعافى الحياة السياسية وتستعيد جاذبيتها وجدواها.

إن المواطنين لن يترددوا في الاصطفاف في الطوابير أمام مكاتب الاقتراع عندما يكون لتصويتهم معنى: اختيار على أساس برامج لا وعود عرقوبية، إفراز مجالس بصلاحيات واضحة وحقيقية، بناء تحالفات منسجة على أساس التقاطب الحزبي والبرامج، ربط المسؤولية بالمحاسبة، إحالة المفسدين الناهبين المال العام على قضاء نزيه ومستقل ليقول فيهم كلمته. أما والانتخابات/الكرنفالات بما تفرزه من مجالس منتخبة لا تملك الحق في تطبيق برنامج عمل دوراتها العادية إلا بعد موافقة السلطات الوصية غير المنتخبة (قانون الجهة نموذجا)، ولا تعرف من اتخذ قرارا هو من اختصاصاتها وتتحمل مجبرة، لا شجاعة تبعاته السياسية: (تعنيف الأساتذة المتدربين مثلا)، ولا تملك الصلاحية لتتفقد ضحايا زلزال أو فيضان إلا بموافقة الجهات العليا، انتخابات بهذه المُخرجات قبل أن تكون هدرا للمال والجهود والوقت، هي عبث واستخفاف بذكاء الشعب، ولن تستعيد مصداقيتها بإكراه المواطن على التسجيل في القوائم الانتخابية ضمانا لممارسة حق من حقوقه، وإلا لماذا لا يسجل البالغون سن التصويت والحاملون لبطاقة التعريف الوطنية تلقائيا، إذا كانت الدولة حريصة على توسيع قاعدة المسجلين في اللوائح الانتخابية؟