ستظل الأربعة أشهر الممتدة من دجنبر 2010 إلى مارس 2011 راسخة في ذهن الأمة وموشومة على جبين تاريخها المعاصر، فعلى حين غرة من مكر النظم المستبدة، المستحكمة بقبضتها على أنفاس الشعوب وآمالها، خرجت جموع واسعة من شعوب تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والأردن والمغرب والبحرين… إلى الشوارع والساحات العامة تطلب كرامتها وحريتها وعدالتها الاجتماعية الضائعة.

اليوم وبعد مرور خمس سنوات على انطلاق هذا الربيع العربي غير المسبوق في تاريخ الأمة الحديث، وبعد مرحلة أولى استطاعت فيها الثورات أن ترجح فيها الكفة لصالحها، ومرحلة ثانية عادت فيها الدولة العميقة للواجهة بسطوتها وجبروتها، أصبح واضحا أكثر من أي وقت مضى أن الثورات ليست خطا واحدا ينتصر أو ينكسر بل موجات وتفاعلات ومد وجزر وتقدم وتراجع إلى أن تستوي على عودها المتين.

اللافت اليوم أن الكثير من مناصري الربيع العربي وصناعه ومن الباحثين والأكاديميين تداعوا في أكثر من مكان للتأكيد على أن الثورة مستمرة من جهة وللنظر المتأمل المستبصر في حالها ومآلها من جهة ثانية.

وفي هذا الصدد يمكننا أن نسجل خمس ملاحظات أساسية:

* إن الأسباب التي دفعت شعوبا من الأمة إلى الانتفاضة والخروج في وجه أنظمة مستبدة متسلطة لا مشروعية انتخابية ولا تدبيرية لها، مستمرة وموجودة في العمق الاجتماعي والواقع السياسي؛ فمطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وفصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة… ما زالت أكاذيب تتمسح بها الأنظمة الملتفة على المطالب الشعبية دون أن تحقق منها شيئا، كما أنها ما زالت شعارات صالحة لأن تجتمع عليها القوى المناصرة لحق الشعوب في تقرير مصائرها السياسية بعيدا عن قبضة الحكام المتسلطين والدول المستبدة.

* إن الاحتجاجات المستمرة في جل بلدان الربيع العربي بعد مرور خمس سنوات، سواء كانت ذات مطالب سياسية مباشرة أو اجتماعية فئوية مهنية، تعكس جزءا مهما من مكاسب الربيع العربي، وهو أن الشعوب تجاوزت حاجز الخوف، أو وهم الخوف بالأحرى، واستقر في وجدانها وفعلها المتكرر على الأرض أن حقوقها تنتزع وأن ضغطها واحتجاجها ونزولها للميدان هو المدخل والخط، وهو الكفيل بأن يجعل لها ولحقوقها قيمة في معادلة التدافع مع الفساد وفي معركتها المصيرية مع الاستبداد.

* إن الاستبداد الذي كشف سافرا عن وجهه مجددا، وعاد عودته الباطشة في أكثر من بلد، يؤكد من جهة أن المعركة مع الظلم والأنظمة الشمولية لن تكون في جولة وتنتهي المبارزة، بل هي معركة طويلة تحتاج النفس الطويل وحسن التدبير وإتقان الضربات وتحصين التحالفات ومراكمة المكتسبات حتى تسقط السلط المتسلطة سقطتها الأخيرة. ويؤكد من جهة أخرى أن الفساد مستشر في العديد من المجالات والاستبداد معشش في الكثير من المؤسسات، ومن تم فالتغيير ينبغي ألا يقف عند رأس النظام وممثليه الظاهرين بل يلزم أن يمتد إلى بنيته العميقة مؤسسات وثقافة ورموزا.

* إن رأي جل الفضلاء والنزهاء والشرفاء استقر على أن الأرضية التي ينبغي البناء عليها في كل موجة ثورية ثانية وفي إرساء التحالفات وجبهات المعارضة يجب أن تكون سياسية وليست إيديولوجية، فالاختلافات السياسية تخترق كل الإيديولوجيات الفكرية وكل المكونات؛ إذ شاهدنا كيف أن الأحداث المفصلية جعلت شركاء المرجعية (سواء كانوا يساريين أو ليبراليين أو قوميين أو إسلاميين أو علماء…) فرقاء في الموقف السياسي، ومختلفون اختلافا كليا في التحليل والخيار السياسي المرحلي وحتى الاستراتيجي.

وإن الحديث عن الأرضية السياسية والبرنامج الموحد يستوجب من الجميع تغليب المشترك وتأجيل المختلَف واقتسام الأعباء والاتفاق على طرق تدبير التباينات والتزود بحسن النيات.

* إن الثورات والتحولات الكبرى تتميز بتردداتها المتوالية وموجاتها المتتالية، فلا تستقر نتائجها النهائية في محطاتها الأولى، ومن تم فالآلة الإعلامية الخادعة للأنظمة المتسلطة تحاول أن تسوق صورة التراجع المرحلي للفعل الثوري باعتبارها نهائية ونتائج لا مفر منها وأحكاما لا معقب لها، وهي الأقاويل التي تعاكس سنن التغييرات البنيوية وتتعارض ووقائع الثورات الكبرى، التي شهدتها بلدان الغرب والشرق، والتي عاشت لحظات تراجع وانكسار قبل أن تنهي الحكم الفردي والسلطة غير الشرعية، وتصبح نماذج يضرب بها نفس الإعلام المخادع المثل مستحضرا جانبا من المشهد فقط وهو استقرارها وتقدمها، محاولا إخفاء المشهد كله وهو أن استقرارها وتقدمها جاء بعد ثوراتها التي كنست الاستبداد.

إن اللحظة الراهنة التي يعيشها الربيع العربي تدعو الجميع إلى الانتباه إلى بوصلته الأصلية التي كانت محددة وواضحة عند الأيام الأولى لانطلاق هذه الثورات المجيدة، وظلت كذلك طيلة فترة إسقاط النظم السياسية المستبدة وطيلة الارتداد الذي نفذه الاستبداد مدعوما من الداخل والخارج؛ والبوصلة هي طلب الحرية والكرامة والعدالة، هي إسقاط الفساد والاستبداد، هي نبذ العنف والاقتتال والطائفية، هي الاعتصام بالسلمية والحوار والانتصار للمصالح العليا للأوطان. وهي البوصلة التي من شأنها أن ترشد كل موجات ثورية مستقبلية نحو أهدافها الصحيحة.