تسود في أوساط سياسية ومجتمعية مغربية عديدة مُسَلّمة أصبحت اقتناعا لا يزيده الزمن والأحداث التي تتخلله في البلاد والمنطقة عامة إلا رسوخا وتجدرا، مفادها أن النظام الذي يحكم المغرب نظام يمتاز بدهاء سياسي وعبقرية فريدة يتفوق بها على محيطه الإقليمي، كيف لا وقد استطاع طيلة قرون خلت تفادي كل الزلازل والعواصف التي عرفتها الساحة السياسية الدولية وبرع في الخروج منها بعد ذلك وهو في وضع أقوى، في حين كانت نفس تلك الأحداث تهوي بأعتى الأنظمة العالمية وأكثرها حنكة.

مبدئيا لا أحد يختلف حول قوة النظام المغربي، فتلك مسألة لا تحتاج إلى تشخيص ولا إلى كبير عناء لاستخلاصها، غير أن العوامل والمؤثرات التي تسببت في نفوذ المخزن القوي هي ما ينبغي لها أن تناقش. فهل من بين تلك العناصر التي يتوفر عليها عنصر الذكاء كما يزعم البعض، خصوصا أنه في الوقت الذي ينبهر فيه هذا البعض بـ”نباهة” المخزن نجد في المقابل من يتهمه بالغباء؟ والمفارقة أن منا من قد يشهد بدهائه اليوم ثم يعود في ظرف ما إلى نقيض ما قاله سابقا أو العكس أيضا، وهكذا فالسمة الأساسية التي تغلب علينا في هذه القضية هي الانفعالية وسطوة اللحظة على تفكيرنا ومواقفنا.

إن مقاربة الموضوع من زاوية الذكاء أو الغباء المطلق هي مقاربة غير سليمة، حيث إن طبيعة النظام وبنيته المركبة والمرتهنة لقرار الفرد الواحد الذي يعمل، كما هو معروف عند النظم الاستبدادية، على توزيع مواقع القوة وتشتيتها عن طريق خلق لوبيات ومراكز نفوذ متعددة في شتى الأجهزة الأمنية والسياسية والاقتصادية مع الإمساك بكل الخيوط في يده والسيطرة التامة عليها، ثم إمكانية إعطائها تفويضا في بعض الملفات متى شاء، الشيء الذي يحجب عنا الرؤية، فلا نعرف معه كيف تم اتخاذ قرار معين وعلى أي أساس وهل هو نابع من مزاجية الحاكم بأمره أم من جولات الصراع المحتدم بين تيارات النظام، أم أن الأمر بالفعل ناجم عن دراسة واعية وعقل إبداعي، وهذا لا ننكر أنه يحدث في بعض الأحيان، لذلك فإننا وفي المحصلة نجد غيابا للانسجام ولنسق واضح يطبع السياسة المخزنية، مما ينعكس على طبيعة سلوكه السياسي والذي يتعذر علينا تصنيفه في دائرة واحدة وإن كان أقرب إلى العشوائية والارتجال منه إلى العبقرية السياسية التي يزعمها أنصاره وبعض خصومه أيضا.

مشكلتنا في التفاعل مع السلوك المخزني راجعة إلى أننا حين نعجز عن توقع موقف ما نسلم مباشرة بعبقرية صانع القرار المخزني فقط لأننا لم نحسن التقدير، وهذا غير منطقي فمن خلال ما ذكرنا سابقا وأيضا بسبب غياب المعلومة في كثير من الأحيان والتي يسعى المخزن إلى احتكارها في أضيق نطاق، فإن أي مجهود سيبذل من أجل فهم بعض ممارسات النظام يحتمل أن يجانبه التوفيق وهذا ليس بالضرورة بسبب خلل منهجي أو ضعف في التحليل، فالأمر متعلق بأننا نتعامل مع كيان لاعقلاني تخلق مزاجيته وارتجاليته نوعا من الإرباك والتمويه لدى المغاربة لا أقل ولا أكثر.

مشكل آخر يجعلنا نتوهم أن جل ما يصدر من دار المخزن عبارة عن خطط عبقرية هو مشكل الأثر الذي تخلقه بعض تلك الخطط في المجتمع المغربي وبين نخبه وتياراته السياسية، فالمسألة غير مرتبطة بالضرورة بدهاء خططه بقدر ما هي مرتبطة بهشاشة البنية السياسية والمجتمعية المغربية، فجدير بالذكر أن القرون التي حكم النظام فيها المغاربة قد أحدثت هالة نفسية قوية وضعفا أمام النظام المتمكن من فهم نفسيات المغاربة، وهو ما جعله في موقع قوة دائم على كثير من معارضيه الذين يتفوق عليهم حتى لو كان في أضعف حالاته، حيث يهدر هؤلاء المعارضون في كل مرة وببشاعة جل الفرص للتسجيل في مرمى النظام، وذلك بسبب سيطرة عقدة المخزن في نفوسهم.

هناك أيضا مسألة ينبغي أن نستوعبها وهي التفريق بين الدهاء والمكر، فالمخزن ماكر ولئيم وليس داهية، وهو لا يتورع عن فعل أي شيء من أجل تقوية نفوذه، فلا قيمة تعلو عنده على قيمة هيمنته على البلاد، وهذا ما يجعله يعتمد على تصفية حساباته مع خصومه السياسيين بالابتزاز الأخلاقي تارة وبشراء الذمم تارة أخرى، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، فلأنه يدرك أنه ما من تغيير ناجح في هذه الظرفية الراهنة قد يحدث دون مباركة دولية إلا أن يشاء الله، فهو مستعد لإرضاء القوى الدولية والإقليمية والحفاظ على التوازنات السائدة في المنطقة، وذلك من أجل سحب البساط من معارضيه حتى لو أدى ذلك إلى بيع المغرب وسحق كرامة أبنائه.

لا نتجنى على النظام ولا نبخس من قدراته بكلامنا هذا، وما يزكي طرحنا هو أن قوة النظام المغربي لا تظهر إلا على المستوى الداخلي في وجه شعبه، أما على المستوى الخارجي فلا نبوغ ولا هم يحزنون والتواضع هو سيد الموقف، وهذا واضح جلي بدليل أن المغرب الوحيد بين محيطه الإقليمي والقاري الذي لا يزال جزء من بلاده خاضعا للاحتلال ولا يزال مهددا في وحدته الترابية، وليس ذلك إلا بسبب دبلوماسيته العقيمة التي لم تحصد غير الإخفاق على امتداد عقود منذ الاستقلال الأعرج حتى اللحظة.

على أنه وبالرغم من كل ما سبق فإننا نقر للنظام بكونه يمتلك حاسة قوية للبقاء، فحين يشعر بخطر وجودي حقيقي تنتفي كل عشوائيته ومزاجية رجاله الأقوياء لصالح الهدف الأسمى وهو الحفاظ على العرش، الشيء الذي يجعله يتعامل بنفس طويل مع أي تهديد والعمل بعد ذلك على امتصاص جذوته والرهان على عامل الزمن من أجل الإتيان عليه بأساليبه المتعددة، وهنا فقط قد نشهد بعض الممارسات الذكية في السلوك المخزني.

من الضروري إذن أن نفهم هذا الكيان المخزني من غير تغليب لأي نفس عاطفي حتى نستطيع إدراك سياساته إدراكا جيدا، وحتى نسحب أية هالة مبالغة تؤثر على معنويات الطامحين إلى تغيير حقيقي، والتي يسهل معها أن تبث في صفوفهم مشاعر الإحباط والانهزامية بعد كل محنة تعترضهم أمام عدو يخيل إليهم أنه لا يقهر، ما يؤدي في النهاية إلى تساقط الكثير منهم وإلى انهيار مشاريعهم التغييرية الطموحة.