لقد أشعل احتجاج الأساتذة على الساحة السياسية نقاشا عموميا حادا، ولا يزال، حول مشروعية إلغاء المرسومين، وهما يفصلان التكوين عن التوظيف، ويقلصان من المنحة، انطلاقا من تهمة الحكومة لهؤلاء الشرفاء ب”الإخلال بالسياسة الحكومية الرامية إلى عقلنة قطاع الوظيفة العمومية، وترشيد النفقات”. بيد أنها تنسى أن المطالبة بالحق وعدم الخضوع لسياسة الانصياع والإملاءات الفوقية ضرورة ملحة للدفاع عن حقوقهم العادلة والمشروعة، وصون مستقبل الأجيال القادمة.

ومتى كان التعبير عن سوء الأحوال الاجتماعية والسياسية مضرا أمام الكم الهائل من أعمال الظلم والاستبداد والعنف والاعتداء والكراهية التي يتقنها النظام المغربي ولا من يحرك ساكنا ضدها؟ وفي أي دولة ديمقراطية تحترم نفسها يعتبر الاحتجاج جريمة يعاقب عليها القانون؟

إنها مفارقة لذيذة في نكهتها، عندما تجعل الحكومة الأساتذة المتدربين وقادة المستقبل، يتعقبون سراب الآمال في الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية، والشاهد على ذلك أن السلطة السياسية في مغربنا لم تعد تسعى إلى تكوين الأساتذة كما تعلن في أدبياتها، بل تكوين الفرد المطيع الخاضع للعادات والمؤسسات والأوامر “الفوقية”، هكذا تأخذ احتجاجات الأساتذة المتدربين وصمات حكومية مختلفة ومتنوعة، ولا يخلو منها واقعنا المغربي مع كامل الأسف، إذ تُلحِق كل حكومة تفتقد لمعنى السياسة، بمجرد تربعها على الكراسي واقترابها من الكعكة الحكومية بخيارها (الإصلاحي) وقراراتها المجحفة، وابلا من التهم في حق كل مدافع عن الحرية والحق الإنساني، فهو منحرف ومشاغب حسب ما تعلن في تصريحاتها، وبذلك فالحل هو عصي وهراوات وألفاظ بغيضة وغير مرغوب فيها تبخس من قيمتهم.

لم نتمكن لحد الآن من معرفة إلى أين تتجه بنا الحكومة؛ فظاهر خطابها السياسي، نقرأ، جلب الخيرات للبلاد والعباد والدفاع عن حقوق الناس، لكن باطنه الدفاع عن المصالح الفردية والتسابق نحو مواقع السلطة، من أجل استغلال الخطاب السياسي في الحملات الانتخابية والتفنن في استعمال الشعارات الهطالة واستغلال الذين هم في مستوى معرفي وعلمي ضئيل، فهل سيصبح الأساتذة بدورهم مجرد صيد ثمين لهذا الصياد الماهر الذي يريد أن يصطاد الأرواح خلسة وفي الظلام حيث كل شيء خفي؟

إنه لمن العقيم أن لا نعترف بأن مسلسل الحكومات يفتقد إلى التعقل، الشيء الذي يجعلهم يكرهون أهل التحرر وعشاق الحرية، ويحرمونهم من أبسط حقوقهم وهو حق الاحتجاج، إلى درجة أنه يليق ويصدق عليهم المثل التالي: “لا تعط السكين للطفل”، ومعناه أن لا تضع التعليم في يد سياسيين يجهلون قيمته، تماما كمن يمسك بمعدن نفيس فينظر إليه حينا ويقلبه آخر، ثم يلقيه أرضا، حتى إذا علم قيمته بعد فوات الأوان أصيب بخيبة أمل واندهاش كبير.

يا له من مشهد جميل، حين يندهش النظام المغربي أمام صمود وتعطش أساتذة متدربين يتوحدون ويلتئمون ليقولوا بصوت واحد لا للمرسومين المشؤومين، لا للإقصاء والتهميش).

فهل بإمكاننا أن نطل على مغرب أفضل في غياب آل العلم والمعرفة؟ متى سيأتي ذلك اليوم الذي سنستيقظ فيه ونعترف فيه بقيمة الأساتذة، أطر الغد وصناع المستقبل؟

بإمكان الوضع الذي وصلنا إليه أن يجيبنا عن هذه الأسئلة العميقة التي جعلت الأحزاب ضعيفة، فكلما حاولت الطبقة الوسطى أن تخطو باتجاه وضع جديد وغد مشرق، كلما حاولت أن تقطع الصلة بكل التراكمات القاتمة والجاثمة في مجال التعليم منذ الآماد السحيقة، تلقاهم النظام المغربي بعبارات وسلوكات غريبة لا تقودهم إلا إلى الفجائع والنكبات والعودة إلى الماضي المرير.