ليس من الصواب أن نستبعد دور النظام المخزني وأياديه التحكمية، التي تحتمي به وتعمل لصالحه، لفهم وتحليل ما تعرض له الأساتذة المتدربون من مظاهر العنف المفرط خلال احتجاجاتهم السلمية الأخيرة. فمن المعروف لدى الخاص والعام أن الحكومة لا تملك صلاحيات التقرير في الكثير من الملفات والبرامج والقضايا الجوهرية الكبرى التي تهم مصير البلاد، وعلى رأسها التدبير الأمني والتعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية. كما أن زمن هذا التدخل القمعي وحجمه لا يخلو بدوره من مقاصد مخزنية تهم السنة الانتخابية وترتيب موازين القوى السياسية وملف التقاعد والاحتقان الاجتماعي بشكل عام.

كما أنه ليس من الصواب أن نصدر صك براءة للحكومة في هذه القضية، فمسؤوليتها السياسية والتدبيرية ثابتة لا لبس فيها، مسؤولية يمكن تحديد بعض أوجهها فيما يلي:

أولا- الإخلال بتوازن القوى

فالحكومة الحالية جاءت على أمواج الحراك المغربي (20 فبراير) الذي كان له دور مهم في إعادة ترتيب موازين القوى السياسية داخل المغرب بين الدولة والمجتمع، وتحت ضغطه تم إجراء تعديلات دستورية، وإن كانت محدودة إلا أنها أعطت لرئيس الحكومة مساحة أكبر من تلك التي كان يتمتع بها الوزير الأول في الدساتير السابقة. لكن رئيس أول حكومة بعد هذه التعديلات، الذي جاء على صهوة شعار “محاربة الفساد والاستبداد” المنقول عن الحراك المجتمعي، بدل أن يرسخ لأعراف جديدة في التعاطي مع النصوص الدستورية، اختار الاحتفاظ بالأساليب العرفية المخزنية، وفضل أن يهادن الدولة لتحقيق مصلحة حزبية طامحة في التقرب من المربع الملكي واكتساب ثقته، على حساب مصلحة الوطن القاضية بالدفع نحو ترسيخ توازن بين السلط وتوزيع عادل للثروات. لذلك فمسؤولية الحكومة الأولى فيما وقع هي تمكين الدولة من التغول من جديد وإكسابها جرأة على قمع الفئات الاجتماعية بهذا الشكل العنيف. ثم العمل على إلصاق التهم بجهات غير مرئية وغير قابلة للتحديد، تماسيح وعفاريت وتحكم، والتملص من المسؤولية تحت عذر؛ ليس لي علم، ولست من اتخذ القرار. مما يعيد طرح البنية السياسية والدستورية برمتها للنقاش، ومعها القواعد التي بني عليها منطق الإصلاح والاستقرار.

ثانيا- الدعاية المجانية

منذ وصول الحكومة الجديدة وهي تعمل على تسويق صورة لمغرب استثنائي بتحولات عميقة في بنية الدولة، وفي مجال الحقوق والحريات. وفي نفس الوقت الذي كان رئيسها يتحدث عن العفاريت والتماسيح، كان هو ووزراؤه يجولون العالم ليبشروا بنجاح خيارهم الإصلاحي. وفيما كانت المعارضة السياسية، تنظيمات وأفراد، تعيش أشكالا من التضييق والقمع والعنف والاعتقال، وتنبه وتحذر من مغبة الإفراط في عقد الآمال العريضة على قصور الرمال الوهمية، كانت الحكومة تسعى إلى التعتيم على ذلك، وتصفه بالعدمية حتى لا يشوه الصورة التي أحبت نشرها للعالم. حتى التقارير الحقوقية الوطنية والدولية كانت تلقى انتقادات لاذعة من طرف الحكومة نظرا لما تسببه لها من إرباك وشغب في مهمتها الدعائية. لذلك فمسؤولية الحكومة الثانية هي أنها ساهمت في إعطاء صورة غير حقيقية حول النظام المخزني وبذلت لذلك رصيدها الشعبي في بروباكندا غير محسوبة العواقب، أثبت التدخل العنيف في حق الأساتذة المتدربين أنها كانت كذبة كبرى، وأن القمع والعنف سياسة ممنهجة لدى النظام المخزني.

ثالثا- مرسومان في الزمن الخطأ وبالتدبير الخطأ

المرسومان اللذان بسببهما يخوض الأساتذة المتدربون احتجاجاتهم يفصلان التوظيف عن التكوين ويقلصان من قيمة المنحة، وقد صدرا عن وزارة التربية الوطنية بإيعاز من رئيس الحكومة، خلال العطلة الصيفية، ولم ينشرا في الجريدة الرسمية إلا بعد اجتياز مباراة أسلاك التعليم. نحن إذن بصدد مرسومين يهمان قطاعا حيويا يعيش أزمة خانقة جدا على أكثر من مستوى خاصة في موارده البشرية كما وكيفا. ولم يكن هذا القطاع في حاجة إلى أزمة جديدة تعمق جراحه، إلا أن الحكومة لم تأخذ ذلك بعين الاعتبار سواء على مستوى غياب البيئة الاجتماعية والاقتصادية الطبيعية لهذه المراسيم، مثل أزمة البطالة التي أصبحت عابرة للأجيال، وحاجة قطاع التعليم الملحة لعدد كبير من الموارد البشرية، والهشاشة والفقر الذين تعيشهما أوساط كبيرة من المغاربة مما لا يستقيم معه الدفع في اتجاه خوصصة القطاعات الاجتماعية الإستراتيجية والتي يعتبر المرسومان خطوة أولى لتثبيتها. المستوى الثاني لخطأ الحكومة هنا هو أنها تعاملت بكثير من اللامبالاة والإهمال اتجاه الاحتجاجات التي خاضها الأساتذة المتدربون على مدى ثلاثة أشهر، ما يمثل ثلث السنة التكوينية. ولم تكلف الحكومة نفسها فتح حوار أو تواصل أو مباشرة حتى الاستماع للمحتجين. وعوضت ذلك باستعلاء في تصريحات غير مسؤولة بعضها يلوح فعلا بالعنف حلا للقضية، فيما كانت الأجواء تتوتر وتتأزم بشكل مطرد. فمسؤولية الحكومة هنا تتحدد أولا في إصدار مرسومين خارج التاريخ ثم في سوء التفاعل مع المحتجين، إلى أن وضعتهم بين فكي قوات الأمن التي لم ترحم مكانتهم الاعتبارية.

بهذا تكون الحكومة مسؤولة بشكل مباشر عما تعرض له الأساتذة المتدربون من قمع عنيف، وما يتعرض له كل المحتجون من مختلف الفئات والمناطق، بل ما يعيشه المجتمع المغربي من تردي واضح في الحقوق والحريات العامة. ذلك أن الحدث وإن بدا محصورا في زمنه، إلا أن الخلفيات التي حكمته والمرجعيات التي أدت إليه لا يمكن فصلها عن السياقات السياسية والمجتمعية التي تعيشها بلادنا.