تفاعلا وإحياء للذكرى الثالثة لرحيل الامام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، نظمت جماعة العدل والإحسان بمدينة طنجة، يوم الجمعة 8 يناير 2016، ندوة سياسية فكرية في موضوع التغيير بين دور الشعوب ومسؤولية النخب). حضرتها شخصيات سياسية وحقوقية ونقابية وأكاديمية، وفعاليات أخرى من المجتمع المدني من مختلف المشارب والتوجهات، وأطّر محاورها عدد من الوجوه البارزة بالمدينة وهم النقيب الأستاذ عبد السلام البقيوي والأستاذ جمال العسري والأستاذ فيصل البقالي والدكتور سعيد أقيور ونشط فقراتها وبسط أرضيتها الأستاذ شعيب عاهدي.

وبحضور عدسات صحافيي عدد من المنابر الإعلامية المحلية والجهوية والوطنية، استهلت الندوة بتلاوة آيات عطرة من كتاب الله عز وجل تبعتها كلمة ترحيبية باسم جماعة العدل والإحسان بالمناسبة ألقاها الدكتور عز الدين ناصح، رحب من خلالها بالحضور وقدم بين يديهم رؤية وفكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في التغيير واهتمامه الأول بتغيير النفس وعلاقتها بالله عز وجل والانشغال بقضايا الأمة وهمومها، كما تطرق للقراءات المختلفة لوضعية المغرب وقتامة مشهده، ودعا من منبره لتشكيل جبهة وطنية من خلال تدشين آلية للحوار، للتوافق على ميثاق جامع تتضافر فيه كل الجهود الصادقة المناهضة للفساد والاستبداد.

وفي بسطه لأرضية الندوة ومحاورها أشار الأستاذ شعيب عاهدي إلى محورية الإنسان والفرد في التغيير كما أثل له فكر الإمام الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من خلال سعيه لتحقيق العمران الأخوي، وقدم سياقا مبسطا عن بصمات التنسيق السياسي المحلي الناجح بين مختلف الهيئات السياسية الذي كانت له أياد بيضاء في حراك 20 فبراير بالمدينة، قبل أن يعطي الكلمة للناشط السياسي والمناضل اليساري الأستاذ جمال العسري الذي أرغمته ظرفية وفاة والده رحمه الله إلى الإشارة باقتضاب، قبيل أن ينسحب، إلى ثلاث كلمات عن الجماعة؛ تتعلق بالاحترام المتبادل لأعضاء الجماعة وتقديره لمواقفها المناضلة وحلمه معها من أجل الوصول إلى التغيير بتكاثف ما أسماه جهود أنصار الديموقراطية، مع مؤاخذة الجماعة على الانسحاب من حركة 20 فبراير، داعيا إياها إلى عدم تكرار أخطاء الإخوان المسلمين في مصر، ومؤاخذته اليسار على موقفه الغامض من الدين والإسلام، ووقوفه إلى جانب المجرم السيسي في مصر، مع لفته الانتباه إلى ضرورة أن يعيد اليسار النظر في التحالف مع فصيل له شعبية وحضور واسع وسط الشعب المغربي.

أما النقيب الأستاذ عبد السلام البقيوي النقيب السابق لهيئة المحامين بطنجة والرئيس السابق لجمعية هيئات المحامين بالمغرب والمناضل السياسي والحقوقي، ذهب أبعد من ذلك، بحيث وجه من خلال دار السلام التي نظمت بها هذه الفعاليات رسالة للسلام يتضامن فيها مع الجماعة في حصار المخزن ومنعها من تنظيم مثل هذه اللقاءات في الفضاءات العمومية، كما عبر عن تضامنه مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في منع أنشطتها وتضامنه مع الأساتذة المتدربين، وكذا قضاة الرأي وعلى رأسهم القاضي الفقيه الإداري محمد الهيني، قبل أن يُعرّج على سياق تاريخيّ للمعاملات المخزنية المستبدة مع الانتفاضات والحركات التي عرفها المغرب منذ عقود، ودعا من خلال مداخلته إلى التشبث أولا بالخيار الديمقراطي وتأسيس جبهة وطنية من أجل ذلك، تضم من يؤمن بالديمقراطية والتغيير ولم تتلطخ أياديه بدماء المغاربة، ومعبرا عن قناعته بوجاهة مطلب الملكية البرلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم.

الدكتور سعيد أقيور الباحث في قضايا الفلسفة والفكر الإسلامي والقيادي بجماعة العدل والإحسان، بعد تجديد الرحمات على الإمام رحمه الله، تطرق لثلاث مقاربات في قراءته للوضع الراهن محليا وإقليميا ودوليا، الأولى تتعلق بقراءة الأحداث والاستثناء الذي ظل يعيشه العالم العربي لزمن قبل أن يعيد الربيع العربي الثقة وزمام المبادرة للشعوب، أما المقاربة الثانية فتتعلق بالنخب ودورها ومحوريتها في التغيير، مشيرا إلى أن الربيع العربي فاجأها وأفقدها زمام المبادرة حيث أنه أسقطها في مأزق الولاء للأنظمة بعيدا عن التماهي مع خيارات الشعوب، والمقاربة الثالثة تتعلق بخيارات المستقبل وأفق التغيير بطرح سؤال: كيف ومع من؟ داعيا للخروج من منطق الاصطفاف والحكم على النوايا إلى الحوار وفتح المجال لصياغة أرضية للعمل المشترك لتحقيق مطالب الشعوب بالحق في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

أما مداخلة الأستاذ فيصل البقالي عضو المكتب الوطني لحركة التوحيد والإصلاح فقد اعتبر أن الأستاذ عبد السلام ياسين كان وسيبقى ملكا لكل المغاربة، واعتبر من الصعوبة أن نقدم مواقف سياسية سهلة دون أن نتحدث عن النزعة الانسانية والنخبة وربطها بالمفاهيم القرآنية، على اعتبار أن النخبة مفهوم استعلائي على عكس مفهوم القوم، ومنها كذلك الشعب بمقارنته مع مفهوم الأمة، مفاهيم قرآنية هي أقرب للتقارب والتآلف والوحدة والاجتماع، ليخلص إلى تقديم عدد من النقاط كشروط للتغيير تبدأ من الاقتناع بالتغيير إلى الجماهيرية وانتهاء بمدخل الثقافة والنظام الثقافي للساعين لذلك.

ولم تكن المداخلات والنقاشات، التي تلت الفقرة الغنائية للفنان نبيل نور، إلا لتعمق النقاش والأفكار، إذ تم التطرق وبإسهاب إلى ضرورة تعميق النقاش حول مفهوم التغيير ومسؤولية الجميع لتحقيقه شعبا ونخبا، وتناوب مؤطروا الندوة على الكلمة للرد على تساؤلات المتدخلين مؤكدين على أهمية وأولوية التنسيق والحوار الدائم المبني على تجنب الاصطفاف السياسي، إلى ضرورة الانحياز وتكاثف الجهود من أجل التأسيس لجبهة وطنية للتغيير.